هل صحيح أن المسيحيين يخافون من السنّة أكثر من الشيعة؟

 

كتب رئيس جهاز الإعلام والتواصل في حزب “القوات اللبنانية”  شارل جبور في “المسيرة” ـ العدد 1623:

كتب الزميل والصديق نديم قطيش مقالا بعنوان “لماذا يخاف المسيحيون من السنّة أكثر من الشيعة؟” محاولا فيه إثبات وجهة نظره المثبتة في العنوان الذي كنت أفضّل لو عنونه بشكل مختلف على غرار “هل صحيح أن المسيحيين أقرب إلى الشيعة منهم إلى السنّة”؟”، لأن الخوف يعطي انطباعا وكأن المسيحيين في حالة ذعر ويبحثون عن حماية، الأمر الذي لا ينطبق على الواقع ويدخل في سياق البروباغندا السياسية المعروفة الأهداف.

وقد استندت كل نظرية ان الشيعة أقرب إلى المسيحيين من السنّة إلى واقع تاريخي بدأ مع أنظمة الخلافة ولم ينته مع الخلاف حول نهائية لبنان الذي تظهر في مؤتمرات الساحل وصولا إلى تبني الثورة الفلسطينية وإسقاط الجمهورية الأولى والقول إن الشيعي لم يقاتل المسيحي يوما في معرض تبرير التفاهم بين “التيار الوطني الحر” و”حزب الله”.

وفي الواقع والوقائع لا يمكن إنكار ان الصراع تاريخيا كان مع السنّة لا الشيعة لسببين أقله: السبب الأول كون الحالة السنيّة كانت اللاعب الأوحد والأساس على الساحة اللبنانية منذ ما قبل المماليك وإلى ما بعد السلطنة العثمانية في ظل الخلاف الذي استمر بعد استقلال لبنان بين نهائيته واعتباره جزءا لا يتجزأ من الأمة الإسلامية، هذا الخلاف الذي تراجع مع الوقت وانتفى مبدئيا مع شعار “لبنان أولا” الذي رفعه تيار “المستقبل”.

السبب الثاني كون الشيعية السياسية لم تكن موجودة ومعاناتها التاريخية لا تختلف عن معانات المسيحية السياسية، ولكن واقعة ان الشيعي لم يقاتل المسيحي في الحرب غير صحيحة كون الحالة الإسلامية بكل مكوّناتها كانت موحدة ضد الجمهورية الأولى وفكرة لبنان وقاتلت تحت مسميات مختلفة، إنما الأهم من كل ذلك ان عدم الخلاف او الصدام الشيعي مع التوجه الوطني المسيحي سببه غياب الحالة الشيعية ككيان ومشروع، ولكن في اللحظة التي انوجدت فيها هذه الحالة تبنت تلقائيا كل طروحات السنيّة السياسية لجهة رفض نهائية لبنان واعتباره جزءا من الأمة الإسلامية.

فالمسيحية السياسية اصطدمت مع كل توجه ينسف رؤيتها للبنان كوطن سيد ومستقل ومتعدد وديموقراطي، والخلاف التاريخي مع السنيّة السياسية انتهى ليحل محله الصراع مع الشيعية السياسية، وكل ما عدا ذلك يدخل في سياق الترويج للحالة الشيعية ومحاولة تجميل دورها من خلال تشويه الوقائع والحقائق.

فالخلاف المسيحي مع الحالة السنيّة كان بسبب رؤيتها التي تتجاوز لبنان، والخلاف المسيحي اليوم مع الحالة الشيعية هو بسبب رؤيتها التي تتجاوز للبنان، وهذا الخلاف ينتفي مع عودة هذه الحالة إلى المشروع اللبناني، وليس صحيحا ان المسيحيين أقرب إلى الشيعة من السنّة، بل هم أقرب إلى من هو أقرب إلى لبنان.

ولن ينجح من يحاول الترويج لواقع مغاير يأخذ من التاريخ منطلقا وذريعة لوجهة نظره، ويخطئ كل من يعتبر ان المسيحي يمكن ان يتطبع مع هذا الواقع، كما يخطئ كل من يصور التبريد الحالي بأنه تسليم بالأمر الواقع، هذا التبريد الذي يدخل ضمن سياسة ترييح الساحة الداخلية من صراعات غير قابلة للحسم لا في هذا الاتجاه ولا ذاك بانتظار ما ستؤول إليه التطورات الإقليمية، وكل الكلام عن هيمنة إيرانية على لبنان واستسلام السلطة لـ”حزب الله” لا يخرج عن سياق الحملات الانتخابية والمزايدات السياسية.

والأزمة اللبنانية لن تنتهي سوى في حالتين: حالة تسليم كل الشعب اللبناني بنظرة “حزب الله” للبنان، او تسليم الحزب بنظرة معظم الشعب اللبناني، وبما ان الحالة الأولى مستحيلة فما على الحزب إلا التكيّف مع واقع التقاطع مع المكوّنات الأخرى، وهذا التقاطع لا يعني انتصارا لفئة على أخرى، بل يشكل انتصارا للبنان الذي لا يقوم إلا على القواعد التي تأسس عليها اي بعيدا عن مشاريع الغلبة والتزاما بنهائيته وسيادته وتحييده وشراكته.

ويبقى ان الحالة الشيعية الممثلة اليوم بـ”حزب الله” تشكل استمرارا لما كانت تمثله الحالة السنيّة التاريخية، هذه الحالة التي تخلت نتيجة عوامل وظروف عن مشاريعها الأكبر من لبنان بانتظار ان تتخلى الحالة الشيعية عن مشروعها الأكبر من لبنان والعودة إلى البلد لتشكيل مساحة مشتركة للجميع وتحويل النموذج المعلق إلى نموذج قابل للحياة والتعميم.

فالمسيحي لا يخاف من السنّي ولا الشيعي ولا الدرزي، والعكس صحيح، والمسيحي ليس أقرب الى جماعة أكثر من أخرى، فيما يقترب المسيحي من كل من يقترب من لبنان ويبتعد عن كل من يبتعد عنه.

  • للإشتراك في “المسيرة” Online:
  • http://www.almassira.com/subscription/signup/index

    from Australia: 0415311113 or:[email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل