الجيش ومعركة الجرود والقرار 1701

كتب نجم الهاشم في “افتتاحية” المسيرة  – العدد 1623: 

قبل أن يبدأ الجيش معركة تحرير جرود القاع وراس بعلبك والفاكهة بدا كأنه يتعرض لحملات تحدد له أهداف المعركة وما عليه أن يفعله وما لا يجب أن يفعله على قاعدة أن استثمار نتائج المعركة ممنوع، وأن الإقتراب من القرار 1701 ممنوع، وأن طلب الإستعانة بقوات التحالف الدولي ضد الإرهاب ممنوع، وأنه من الأفضل له أن يطلب دعم النظام السوري العسكري وغطاء طائرات السوخوي الروسية الجوي ومساعدة “حزب الله” وأن يتحرك على محاور معينة من دون تحديد للحدود التي يجب أن يتوقف عندها، خصوصا أن النظام السوري كان يرفض باستمرار ترسيم هذه الحدود مع لبنان.

أحيت استعدادات الجيش اللبناني لخوض معركة الجرود هواجس كثيرة لعل أبرزها ما يرتبط بتنفيذ كامل بنود القرار 1701 الذي وضع حدًا للعمليات العسكرية في حرب تموز 2006 من دون أن يتم التوصل منذ  ذلك الحين إلى اتفاق على وقف نهائي لإطلاق النار.

لماذا العودة إلى هذا القرار وما علاقته بحرب الجرود؟

في الأساس هناك سبب مباشر يتعلق بموعد عرض هذا القرار وطريقة تنفيذه أمام مجلس الأمن الدولي الذي يستعدّ لتجديد مهمة قوات حفظ السلام الدولية (اليونيفيل) العاملة في الجنوب نهاية الشهر الحالي بقرار ستعدّه فرنسا، وهو يتناول نطاقَ عملها وصلاحياتها، ويترافق هذا الأمر مع إعلان واشنطن أنّها ستواصل التركيز على التهديد الذي يشكّله “حزب الله” ودعوتها بعثة “اليونيفيل” في لبنان الى الإبلاغ عن انتهاكاته للقرار 1701.

وأكدت المندوبة الأميركية في الأمم المتحدة نيكي هايلي في بيان أنها تريد من قوة حفظ السلام الأممية العاملة في جنوب لبنان توسيع مهمّاتها والتحقيق في انتهاكات مزعومة لميليشيا “حزب الله”، وأعلنت أنها ستسعى لإجراء “تحسينات ملحوظة” في تفويض اليونيفيل.

وقالت: “نشارك الأمين العام رغبته القوية لتحسين جهود “اليونيفيل” بغية منع انتشار الأسلحة غير الشرعية في جنوب لبنان”. وشددت على أن “الأسلحة المحظورة في منطقة عمل “اليونيفيل” هي في معظمها تابعة لـ”حزب الله” وتشكل تهديداً للأمن والاستقرار في المنطقة.

وأضافت “إن على “اليونيفيل” أن تزيد قدراتها والتزاماتها للتحقيق في الانتهاكات التي يسببها سلاح “حزب الله” للقرار 1701”، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة “ستواصل التركيز على التهديد الذي يشكله “حزب الله”، فيما تساهم في تحسين عمل “اليونيفيل” عند تجديد مهمتها آخر الشهر الحالي”.

وكان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس قد أبلغ الى مجلس الأمن في رسالة أنه يدعو “إلى نزع سلاح المجموعات المسلحة في لبنان، وإلى دعم قدرات الجيش اللبناني وسلطة الحكومة اللبنانية”، مشيراً إلى أنه “يدرس سبل تعزيز قدرة “اليونيفيل” لمواجهة الانتهاكات المتمثلة بوجود أسلحة وبُنية تحتية غير شرعية في منطقة عمل القوة الدولية”.

هذا الكلام كفيل وحده بإثارة هواجس “حزب الله” والنظام السوري، وبالتالي وضع معركة الجيش اللبناني في جرود عرسال تحت المراقبة. ومن هنا يمكن فهم رسائل التحذير ولائحة الممنوعات التي تُرسَل إلى الجيش اللبناني والحكومة.

بالعودة إلى القرار 1701، فقد كانت هناك رد فعل سلبية ضد تطبيقه من “حزب الله” والنظام السوري معًا، خصوصًا عند محاولة وضع ضوابط للمعابر البرية والجوية والبحرية. فقم تم رفض الإستعانة بتقنيات ألمانية وغربية في مطار بيروت وتم الإكتفاء بمراقبة البحر بواسطة البوارج الحربية العاملة ضمن قوات “اليونفيل” بينما أعلن النظام االسوري أن نشر أي قوات دولية على الحدود مع لبنان بمثابة إعلان حرب وهذا ما جعل القرار 1701 مطبقا ضمن حدوده الضيقة حتى في مناطق انتشار القوات الدولية في الجنوب. فهل يمكن القبول اليوم بما تم رفضه قبل 11 عامًا؟ وهل من الممكن اليوم أن يتم تنفيذ ما لم ينفذ من القرار 1701؟ ما الذي تغيّر وهل هناك من مبرر للتحريض ضد الأهداف السياسية والدولية للمعركة العسكرية؟ وهل الأمر يتعلق بالجيش اللبناني أم بالقرار السياسي وبالحكومة التي يشارك فيها “حزب الله” وبقدرة الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمجتمع الدولي على فرض واقع جديد في لبنان؟

تجدر الإشارة هنا إلى أن انتشار الجيش اللبناني على الحدود الشرقية مع سوريا تم تحت ضغط الضرورة الأمنية والعسكرية منذ تم تشكيل أفواج الحدود مع ازدياد خطر اختراقات الجماعات التكفيرية التي كانت تنتشر على جانب الحدود السورية الموازية لمنطقة وادي خالد في عكار في مرحلة كان فيها “حزب الله” والنظام السوري يتراجعان أمام ضغط هذه القوى على مختلف المحاور. ومن هنا يمكن اعتبار أن انتشار الجيش كان بحكم الضرورة وبحكم أنه سيكون عاملاً مساعدًا في التصدي لمحاولات اختراق الحدود اللبنانية والوصل مع منطقة عكار.

منذ أحداث آب 2014 خاض الجيش اللبناني معركة حماية الحدود بخلفية عسكرية من دون خطة تحرير وعلى قاعدة منع اختراقات “داعش” أو “النصرة”. بعد معارك “حزب الله” في جرود عرسال تبدلت الصورة. وبدا كأن هناك انقلابًا في القواعد العسكرية التي حكمت انتشار الجيش اللبناني على هذه الجبهة مع طرح مسألة خوض معركة التحرير حكمًا. ولذلك كان هناك محاولة لتطويق دور الجيش لمنع استثمار أي انتصار عسكري سياسيًا وأمنيًا. فليس مطلوبًا أن يثبت الجيش أنه قوي وقادر بل أن تبقى مرسومة حوله تلك الصورة النمطية التي تقول أنه عاجز وضعيف وغير مجهّز ولا يقدر على حماية لبنان ولا على ضبط الحدود. من هذا المنطلق لا تبدو عمليات هبوط طائرات أميركية في قاعدة رياق الجوية لنقل أعتدة ومساعدات إلى الجيش مستحبة، وليس هناك قبول بمشاركة لبنان رسميًا في التحالف الدولي ضد الإرهاب المحدد هنا بتنظيم “داعش” وغيره في سوريا. ومن ضمن هذا السياق لا يمكن أن يتم النظر بإيجابية إلى مشاركة قائد الجيش اللبناني في اجتماعات القيادات العسكرية للدول المنضوية تحت هذا التحالف، وقد بدأت هذه المشاركة منذ كان العماد جان قهوجي قائدًا للجيش ولا يتعلق الأمر بالزيارة التي كان سيقوم بها قائد الجيش الحالي العماد جوزف عون إلى واشنطن في 12 آب الحالي والتي قيل إنها تأجلت لضرورات الحرب المنتظرة في جرود القاع وراس بعلبك والفاكهة.

في اجتماع المجلس العسكري برئاسة رئيس الجمهورية في قصر بعبدا لدراسة ظروف المعركة المنتظرة تم التأكيد على أن “الحكومة اللبنانية ملتزمة تحرير الأراضي اللبنانية من الإرهاب كما تلتزم التحالف الدولي ضد الإرهاب”. ولكن هل يغطي هذا الإعلان عمليات الجيش وهل يتيح له طلب معونة قوات التحالف وتجاوز مسألة الإستعانة بسلاح الجو الروسي؟ ولماذا يتم وضع الجيش أمام هذين الخيارين؟

لقد تم وضع الجيش اللبناني تحت الضغط الإعلامي والسياسي قبل أن يتولى تنفيذ العملية وربما كان ذلك بهدف فرض توقيت معين عليه تحت هذا الضغط وتعريضه لانتكاسات عسكرية تجعل العملية مكلفة عليه. لقد أثبت الجيش قوته في معارك نهر البارد  في ظل غطاء سياسي كامل ثم في معارك باب التبانة وببنين وعبرا، ولذلك تعتبر مسألة استكمال استعادة الثقة العسكرية وتثبيت هذه القوة تصاعدية. وربما لهذه الغاية يتم تكبير الصعوبات التي يمكن أن يواجهها الجيش. ولذلك لا يمكن إغفال التسريبات حول مكتب التنسيق بين الجيشين اللبناني والسوري، وحول أن الجيش اللبناني لا يزال يحصل على قطع غيار لبعض مدرعاته من الجيش السوري. ولا يمكن أيضًا إغفال أن من شروط بدء المعركة ضد “داعش” معرفة مصير العسكريين التسعة المخطوفين لديه منذ آب 2014. ويضاف إلى ذلك الحديث عن أن ما يعيق العملية العسكرية والمفاوضات هو أن لا مناطق محددة يمكن أن ينسحب إليها مسلحو “داعش” كما حصل مع مسلحي “النصرة”، وأن التوصل إلى اتفاق من هذا النوع يتطلب أيضًا موافقة النظام السوري على عبور مسلحي “داعش” لمناطقه.

ثمة مسألة أساسية يجب أخذها في الإعتبار. إذا تقدم الجيش اللبناني في الجرود عند أي حدود يمكن أن يقف؟ من يرسم خط الحدود الدولية بين لبنان وسوريا؟ هل يتحرك النظام السوري و”حزب الله” ضد “داعش” داخل الأراضي السورية بالتوقيت نفسه الذي يختاره الجيش للمعركة؟ أم أن النوايا المعلنة لدعم الجيش في عمليته هي غير تلك المضمرة؟ وهل العملية مرتبطة ببحث مجلس الأمن للقرار 1701 آخر آب؟ ومن هنا، هل يمكن اعتبار أن التحذيرات الموجهة إلى مجلس الأمن والقوات الدولية موجهة أيضًا إلى الجيش اللبناني ليقف عند حدوده؟

المصدر:
المسيرة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

خبر عاجل