الرئيس شمعون إن كتب: حاجة المسيحيين ملحة الى الاطمئنان على مصيرهم

ورد في “المسيرة” – العدد  1623 وتحت إمضاء ع.م.

بعض رؤساء لبنان يكتب لهم مستشاروهم على سجلات  التشريفات ويكتفون بتذييل الأسطر بتوقيعهم الكريم، وبعضهم يقرأ المكتوب له بركاكة تشير أن لا علاقة له بالمضمون… ولا بقواعد اللغة.

والبعض قعد بعد انقضاء ولايته يروي لجليس من كتّاب السلاطين كي يدوّن ما رواه في كتاب ويوثّق ما يحتاج إلى توثيق.

والبعض منهم لا يكتبون ولا يقرأون بل يتفرّجون على الصور ويتصفحون العناوين لا لانشغالهم بل لفراغهم.

والأقلية، مثل بشارة الخوري وكميل شمعون وشارل حلو، كتبوا تجاربهم في الحكم وخارجه بأنفسهم وتركوا ما يفيد أي مؤرخ.

وحده كميل شمعون كتب فوق نصه بدمه، يوم أصيب في انفجار دير عوكر العام 1985، ولنا منه، بخطه، مقابلة أجريناها في العام 1984 يُستشف منها ثلاثة: دقة التعبير. وضوح الرؤية والمقاربات، وصلابة الإيمان بلبنان.

33 عاما على مقابلة بخط يد رئيس يكتب ويقرأ ويصنع تواريخ. ودائمًا الهمّ واحد وهو القلق على مصير المسيحيين في لبنان في ظل الأزمات التي تعصف بلبنان والمنطقة. ودائمًا كان كميل شمعون واثقاً من أنهم سيتغلبون على هذه الأزمات مهما طال الزمن.

فخامة الرئيس، عايشت على مدى نصف قرن الأزمات التي هزت لبنان، كيف تصنف الأزمة الحالية؟ وبالتالي ما هو تفسيرك لما حدث؟

الأزمة الحالية التي امتدت من نيسان 1975 ولم تزل قائمة هي أطول أزمة عرفها لبنان في تاريخه القديم منه والحديث، وهي التي سببت أكثر عدد من الضحايا وأكثر قدر من التشريد والدمار، وامتداد هذه الأزمة المستعصية يعود الى وجود عناصر تحمل الهوية اللبنانية ومقيمة على أرض لبنان ظهرت مستعدة في كل حين للتعاون مع أعداء لبنان حتى آخر درجات التعاون وعلى اختلاف أنواعه.

حددت في بيان عزوفك عن ترشيح نفسلك للرئاسة أسباب هذا العزوف فقلت إنك لن تقبل ما سيفرض على لبنان… هل تعتقد بأن لبنان وصل الى  هذه المرحلة؟ وبالتالي كيف ترى الوسيلة الفضلى لمواجهتها؟

نعم أخشى أن يكون لبنان وصل الى الدرجة التي تصفونها في سؤالكم. فالإصرار على إلغاء اتفاق 17 أيار، مع أنه لا يشكل خطرًا على عضوية لبنان في الجامعة العربية ويتيح للبنان فرصة التخلص من الوجود المسلّح الإسرائيلي، مرده إرادة التحكم بمقدرات هذا البلد حتى لا يبقى له أي علاقة دولية سوى العلاقات السورية في ظل الاحتلال العسكري الشامل لأكثر من نصف لبنان.

مطالبة الرئيس بالاستقالة بدأت منذ رئيس الاستقلال (بشارة الخوري)، عمليًا كيف تدعم الرئيس لمواجهة هذا المطلب، وكنت الداعم الأساسي العام 1976 للرئيس سليمان فرنجية؟

أخصام لبنان في الداخل وفي الخارج يرون في رئاسة الجمهورية القاعدة الثابتة التي تضمن الديمومة والاستقرار فيما الحكومات تأتي ثم تذهب. لذلك رأينا هؤلاء الأخصام في مناسبات عدة يحاولون زعزعة هذه الركيزة. غير أنه يصدف أحياناً أن بعض تحركات الرئاسة نفسها يفتح الباب لمعارضتها مباشرة. إن الضجة لم تعلُ ضد الشيخ بشارة الخوري على رغم كونه أب الاستقلال إلا بعد أن جدد ولايته، فكان هذا التجديد سببًا لاستقالته بعد مرور سنتين فقط على ولايته الثانية.

لأن مرحلة اللاخيار ولّت، ولأن الخيارات قليلة، بصراحة، أي الخيارين يراه الرئيس شمعون منقذاً لما تبقّى؟

برأيي لم يبق إلا أحد الخيارين: إما الانصياع للمشيئة السورية من دون أي ضمانة تكفل الانسحاب العسكري السوري من أرض لبنان، فيبقى لبنان كما هو الآن محتلاً في جنوبه وفي شرقه وشماله. وإما إبرام اتفاق 17 أيار الذي ينص على الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، فنؤكد هذا الانسحاب ونسعى جادين لتحرير شرق لبنان وشماله من الوجود العسكري السوري.

تجربة «صيغة 1943» اختُبرت نحو أربعين عامًا. السؤال: هل الصيغة لم يُفسح لها المجال لتُختبر؟ أم سقوطها جاء نتيجة لعدم إرسائها على أسس متينة؟

إن صيغة 1943 على رغم حسناتها العديدة التي ظهرت فور بلوغ لبنان السيادة والاستقلال، لم تشفنا تمامًا من العلل الطائفية وما هو أخطر من العلل الطائفية. وعلى كل حال جزء منها التطلع الى ما وراء الحدود اللبنانية عند ظهور كل فرصة سانحة. فالحلم بالوحدة العربية وبالوحدة السورية كانا من الأمور التي تحول دون الوحدة اللبنانية العميقة الحقيقية. ثم ظهور المرحوم جمال عبد الناصر على الشاشة الدولية كبطل من أبطال العرب جعل له في لبنان عددًا كبيرًا من الأنصار، وهم كانوا النواة المسؤولة عن حوادث 1958 و1976. كما في 1968 و1973 كان التطلع الى الفلسطينيين ضد الجيش الوطني اللبناني والى الفلسطينيين عمومًا ضد المواطنين اللبنانيين.

ما هي الصيغة الفضلى التي تكفل: أولاً، المحافظة على خصوصية المسيحيين في لبنان وعلى حريتهم. ثانيًا، تفادي التعرض للهزات السياسية والعسكرية كل عشر سنوات.

العلاج هو أولاً الإيمان بلبنان كوطن وحيد ودائم والعمل بوحي هذا الإيمان، ثانيًا أن نفهم حاجة المسيحيين الملحة الى الاطمئنان على مصيرهم ومستقبلهم، فلا يتعرضون كل عشر سنوات أو خمسة عشرة سنة الى مطلب جديد ترافقه هزات عنيفة تجعل من الاستقرار في لبنان إسما من دون مسمّى وتضع حقوق المسيحيين في بلادهم في حال خطر دائم.

ما هي أوجه التشابه بين الأزمة التي مر بها كميل شمعون العام 1958 والأزمة التي يمر بها أمين الجميل سنة 1984؟

أوجه التشابه عديدة من حيث الأسباب والشكل العام: هنالك عنصر غريب كان أساسًا للحرب التي قامت ودامت سنتين: سوري وناصري، أي الجمهورية العربية المتحدة سنة 1958، وفلسطيني ـ سوري في حرب 1975 ـ 1976، ثم انقسام البلد الى فئتين، فئة تناهض الحكم القائم باسم الناصرية 1958، وباسم الثورة الفلسطينية سنة 1975، غير أن حرب 1958 كانت صغيرة جدًا بالنسبة الى الأزمة الحالية وما ولّدته من ضحايا وتدمير وانشقاق في صفوف اللبنانيين.

العام 1958 انسحب الأميركيون حين انحسار الأزمة، واليوم ينسحبون في ذروة الأزمة، كيف تفسر ذلك.

لا أعتقد بأن هنالك انسحابًا أميركيًا بمعنى أنهم تنصّلوا من كل مسؤولية في لبنان، بل إنه انسحاب من الأرض الى ظهر البواخر الأميركية، وهذه باقية في المياه اللبنانية تقصف أحياناً المراكز المعادية وترسل طائراتها للاستطلاع أحياناً.

في تصريحاتكم الأخيرة عكستم صورة الوضع السياسي ـ العسكري كأنه في المساحة الرمادية وليس في المساحة السوداء. هل تجدون تسلسل الأحداث منطقيًا أو نعيش في دوامة المجهول؟

إن تصريحاتي في حينه ورأيي اليوم أننا نتخذ الموقف الصريح الذي تقتضيه الظروف التي نعيشها، فكان علينا مثلاً أن نبرم اتفاق 17 أيار فور تصديقه من المجلس النيابي، ولو فعلنا ذلك لكنا وفرنا على لبنان الحوادث الدامية التي لا نزال نعيشها في جبال الشوف وعاليه والساحل وبيروت عامة.

فرنسوا ميتران 1984 يتخذ موقف لوي دو غيرنغو 1978 والذي أدى موقفه، وموقف كميل شمعون منه، الى إسقاطه. ما هو موقفك اليوم من فرنسوا ميتران؟

لا أعتقد بأنه يوجد وجه شبه بين تصريحات ميتران اليوم وتصريحات الوزير دو غرينغو سنة 1978. كانت الأشرفية وضواحيها والمناطق المسيحية تقصف قصفاً وحشيًا عشوائيًا نتيجة العدوان السوري. حمّل دو غرينغو الجانب المسيحي مسؤولية هذا القصف فوصفته علناً بالكذاب بجبان وكان ذلك السبب لتخليه عن منصبه، بينما السيد ميتران لم يتورط بأي تصريح من هذا النوع.

واقعيًا، كيف يتطلع كميل شمعون الى مستقبل لبنان بعد هذه المجموعة من الهزات المتتالية؟

سواي قد يشك في مقدرة لبنان على النهوض من الأوضاع التي وصل إليها نتيجة الهزات التي وصفتم، والتي كان رزح تحتها أي شعب غير الشعب اللبناني لكن أنا على يقين بأننا سنتغلب عليها مهما طال الزمن ومهما كان عنفها. المهم ألا نستسلم بل أن نبقى على موقفنا العنيد ونقاوم المخططات العدوانية الى ما لا نهاية. فعدم الاستسلام هو سر النصر النهائي.

 

 

المصدر:
المسيرة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

خبر عاجل