حدود النزاع الأميركي الروسي… تنافس حاد على الساحة الدولية وتعاون مبرمج لمكافحة الإرهاب

خاص “المسيرة” – واشنطن – العدد 1623

منذ اليوم الأول لترشحه للرئاسة مروراً بفوزه في الانتخابات، وصولاً إلى تسلمه مهامه الرسمية في البيت الأبيض، وبعد مضي أكثر من نصف سنة على وجوده في الحكم، يثبت الرئيس دونالد ترامب أنه فرض نهجاً تغييرياً أو إنقلابياً في إدارته للسياستين الداخلية والخارجية، وسط تداخل هذين العاملين في السياسة الأميركية اليوم. فعلى الرغم من العقبات الرئيسية في تشكيل الإدارة الحاكمة بدءاً بالبيت الأبيض وعدد من الوزارات المعنية الرئيسية تثبت الولايات المتحدة ميزة فريدة في الديمقراطيات في العالم وهي أن النظام الأساسي المنظم لعمل الدولة هو الذي يستمر ويعمل ولا يتأثر مهما كانت شخصية الرئيس ولأي حزب إنتمى.

مشاكل كبيرة وكثيرة تواجه الإدارة الأميركية الحالية، ولكنها مستمرة في طرح برامجها ومشاريعها على المستويين المحلي والدولي، وهي تواصل عرض سلسلة أولويات في السياسة الخارجية، إلا أن ما يجدر التوقف عنده هو مواجهة الرئيس ترامب تحدي تصاعد الخلاف مع روسيا على خلفية العقوبات الأخيرة التي فرضها الكونغرس الأميركي على موسكو بعد الشكوك حول تدخلها في الانتخابات الرئاسية الأميركية، وبالتالي رضوخ الرئيس الأميركي لإرادة السلطة التشريعية وتوقيعه قانون العقوبات على الرغم من معارضته الواضحة له.

هذه قضايا تتطلب استجابة جادة من البيت الأبيض الذي تكمن مشكلته الحقيقية المتعلقة بروسيا في مكان آخر: فموسكو جريئة على نحو متزايد في تحديها للغرب، كما أن خطر اندلاع صراع بين القوى العظمى هو الآن في ذروته منذ نهاية الحرب الباردة. لذلك، فإن الولايات المتحدة في حاجة ماسة إلى استراتيجية واضحة للتعامل مع هذا التحدي.

التوتر مع روسيا

منذ ما قبل إنتخابه رئيساً ويوم كان رجل أعمال مشهورًا، إرتبط دونالد ترامب بعلاقات عمل مع روسيا، ولكن على إثر إثبات وكالة المخابرات الأميركية، ودخول الكونغرس محققاً في القضية، أثبتت المعلومات الجهود الروسية للتدخل في الانتخابات الرئاسية الأميركية وأظهرت الاستطلاعات في أميركا ميلاً متصاعداً لدى الرأي العام الأميركي لجهة إعتبار أن روسيا هي البلد الذي يمثل أكبر خطر على الولايات المتحدة. وهذا الاتجاه يؤيده بقوة كبار السياسيين والمشرعين من الحزبين الجمهوري والديمقراطي. ويرى عدد من الباحثين في واشنطن، أن الساحة السياسية تبتعد عنه بشكل أكبر على خلفية تلك «العلاقة المثيرة» وغير الواضحة مع موسكو لدرجة أن الرئيس الأميركي بات يَعتبر في مرحلة ما أن انتقاد روسيا وفرض العقوبات عليها يشكل بديلاً لهجوم على شرعية فوزه.

ومع ذلك، إضطر الرئيس الأميركي للسير بما يقرره الإستراتيجيون ومخططو السياسة الأميركية فإدارته تواصل إتباع النهج التقليدي في الصراع مع روسيا لجهة المحافظة على العقوبات والمضي قدماً في نشر قوات أميركية في أوروبا الشرقية، فعلى الرغم من انتقاد ترامب العلني للعقوبات ضدّ روسيا اتخذ نائبه مايك بنس موقفا صارما من روسيا خلال جولة قام بها أخيراً في دول البلطيق. وطمأن بنس قادة إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، وكانت جميعها جزءًا من الاتحاد السوفياتي السابق، بأنهم سيحظون بدعم الولايات المتحدة ضد أي اعتداء روسي. وقامت الولايات المتحدة بتوجيه ضربات في سوريا ضد حلفاء روسيا، في تحدٍ واضح لموسكو، على الرغم من رفع مستوى التنسيق بين البلدين في النزاع السوري في الفترة الأخيرة.

وبحسب مصادر أميركية مطلعة في واشنطن، فإنه يتوجب على الإدارة الحالية معرفة الدوافع الحقيقية لروسيا وأهدافها المعلنة وغير المعلنة إضافة إلى فهم عمق استراتيجيتها حيث تعمل موسكو في ظل رئاسة فلاديمير بوتين على التأثير بشتى الطرق على الوضع العالمي الراهن وهي تحاول إعادة إنعاش دورها الدولي والإقليمي على حدّ سواء. فهي من خلال العراضات شبه العسكرية في دول أوروبا الشرقية التي لا تزال تدور في فلكها وعبر تدخلها الفاضح والواضح في سوريا تسعى إلى تأمين دائم لوجودها في الشرق الأوسط من خلال البوابة السورية وتحديداً من اللاذقية وطرطوس، وهي بالتالي تتطلع إلى إعادة تشكيل النظام الدولي من أجل مصلحتها الخاصة. ويعني ذلك استعادة القوة الروسية لأمجادها السابقة وسط رغبة واضحة في السعي إلى تقليص الدور الأميركي في النظام الدولي لأن بوتين يتبع سلوكاً خاطئاً من خلال سعيه لتحجيم الدور الأميركي في النظام الدولي.

وتؤكد المصادر ذاتها أنه يتعيّن على الرئيس الأميركي وضع خطة واضحة وحاسمة للسياسة الأميركية تجاه روسيا. وإذا لم يكن هناك أي أثر سلبي في إشراك موسكو دبلوماسياً وتعزيز مجالات التعاون في قضايا عدة من بينها النزاع السوري، إلا أن على الولايات المتحدة توخّي الحذر في خضم ذلك، فلا بدّ من أن تحدّد ما تريده من هذه المشاركة وأن تحرص على ضمان ميزة لها مسبقاً لأنه مهما كانت المقاربات التكتيكية بين البلدين، فإنهما سيبقيان، على طرفي نقيض على الصعيد الاستراتيجي.

وتجزم المصادر بأن الولايات المتحدة كنظام سياسي متكامل بين الكونغرس والإدارة ومختلف الأجهزة المعنية، ستتبع استراتيجية تقوم من خلالهابردع موسكو عبر عدم منحها أية فرصة سهلة للتدخل، لا سيما في أوروبا، وضمان ليس فقط عدم تحقيق عملياتها الحالية في أوكرانيا وسوريا أية مكاسب، بل تكبدها تكلفة استراتيجية باهظة أيضاً. وأخيراً، يتعين على الولايات المتحدة حشد حلفائها لدعم سياستها تجاه روسيا إضافة إلى التركيز على قضايا أخرى مثل الإرهاب والهجرة.

التنسيق لمعالجة النزاع السوري

أما لجهة واقع التنسيق مع سوريا، فإن المصادر الرسمية الأميركية تشير إلى أن إدارة الرئيس ترامب أيقنت أن العلاقة مع  روسيا لا تزال تحت الضغط وهي عند أدنى مستوى منذ نهاية الحرب الباردة وقد تزداد سوءاً بحسب وصف وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون لواقع هذه العلاقة، ولكن الإدارة الحالية أرادت سلوك دبلوماسية مرنة لكي لا تزداد العلاقة سوءاً وبالتالي الحفاظ على مستوى معين من الاستقرار في تلك العلاقة والاستمرار في إيجاد سبل لمعالجة عدد من القضايا ذات الاهتمام المشترك، مما يؤدي إلى رسم خارطة طريق للتعامل مع الخلافات الحادة بين البلدين من دون أن تصبح صراعات مفتوحة.

وتدافع إدارة الرئيس ترامب أمام الكونغرس عن التوجه الذي إعتمدته في التعاون مع روسيا على صعيد مجال من مجالات الاهتمام المشترك، ألا وهو الإرهاب. وتؤكد أن إختيار سوريا كان من أجل إختبار إمكانية العمل مع موسكو في هذ المجال من أجل مواجهة التهديد الإرهابي المشترك، وعلى قاعدة الإلتزام بهزيمة تنظيم داعش والمنظمات الإرهابية الأخرى، ثم باستقرار سوريا بعد القضاء على «داعش» بشكل نهائي.  إلا أن المراقبين في واشنطن يؤكدون أن إدارة ترامب تراجعت بعض الشيء عن مهمة التنسيق الكبير مع روسيا بعدما وجدت أن موسكو قد انحازت منذ بداية الصراع مع النظام السوري ومع بشار الأسد، وهي ترفض ذلك من الأساس وتعتبره أمراً غير مقبول. ومع ذلك واصلت الدبلوماسية الأميركية جهودها للعمل مع روسيا لتحديد كيفية الوصول إلى وضع المعالجة النهائية للصراع في سوريا، على أساس بناء دولة تستطيع أن تقدم الفرصة للشعب السوري لوضع دستور جديد وإجراء انتخابات حرة ونزيهة واختيار قيادة جديدة.

وإلى حين تحقيق ذلك فإن إدارة الرئيس ترامب تعتبر أن التوصل إلى إتفاقات بين منطقة وأخرى من أجل تخفيف التصعيد في سوريا وعدم التعرض للمدنيين ووقف مرحلي لأزمة النزوح، تشكل نجاحات جزئية على مستوى التنسيق مع روسيا، إلى أن يتمّ تحرير الرقة التي تعتبرها واشنطن أنها معركة صعبة، وبعدها يمكن وضع كل مشاريع الحلول للصراع السوري على طاولة البحث وتخرج مفاوضات التسوية عبر جلساتها المتعددة من دائرة المراوحة إلى بداية البحث الجدي بترتيبات ما بعد الحرب، وتأمل واشنطن أنه في مرحلة ما بعد سقوط «داعش» في سوريا من الأفضل تجنب توسع نطاق الحرب الأهلية التي أتاحت الظروف في الأساس لظهور «داعش». ولذلك فإن الجهود تتركز مع روسيا والأطراف الأخرى من أجل الاتفاق على سبيل للمضي قدماً في كيفية تحقيق الاستقرار في سوريا بعد «داعش» وإنشاء مناطق لتحقيق الاستقرار وخطوط دائمة ومستمرة لفك الاشتباك، ثم خلق الظروف لتحقق العملية السياسية في جنيف.

ولكن ما يقلق واشنطن على الصعيدين العسكري والدبلوماسي على حدّ سواء، هو إمكانية سيطرة «هيئة تحرير الشام – جبهة النصرة» سابقا – على كامل محافظة إدلب لأن ذلك سيعرض مستقبل شمال سوريا لخطر كبير. وتكمن الخشية من سيطرة الجهاديين على هذه المحافظة من أنها ستتحوّل هدفا لهجمات لا تتوقف تشنها قوات روسية وسورية فتدمرها لتتحول إلى حلب أو موصل أخرى.

ففي أقل من ثلاثة أيام هاجم مقاتلو أمير «جبهة النصرة» أبو محمد الجولاني جماعة «أحرار الشام» وسيطروا على شريط يمتد على طول الحدود مع تركيا في بعض من أشرس المعارك بين جماعات المعارضة منذ بدء الصراع.

وتعاون الجهاديون من جماعة الجولاني مع جماعات من الجيش السوري الحر للسيطرة على أجزاء من محافظة إدلب وهذا الأمر أثار غضب واشنطن بشدة التي كانت أعلنت وقف البرنامج الخاص الذي تنفذه وكالة المخابرات المركزية الأميركية لدعم جماعات المعارضة المعتدلة إضافة إلى وقف مدّ بعض من هذه الجماعات بالسلاح وسحب وإعادة كمية من السلاح كانت بحوزتها. وقد حذر المبعوث الأميركي إلى سوريا مايكل راتني جماعات المعارضة التي اضطرت للعمل مع الجهاديين من جماعة الجولاني بدافع من تحقيق منفعة أو الحفاظ على النفس إن عليها أن تبتعد عن الجماعة قبل فوات الأوان .ونبه إلى أن واشنطن ستعامل أي تنظيم في محافظة إدلب يمثل واجهة للمتشددين على أنه جزء من تنظيم «القاعدة». وأثار اجتياح جماعة الجولاني لمحافظة إدلب مخاوف أيضاً من أن إغلاق بعض المعابر على الحدود مع تركيا يمكن أن يوقف تدفق المساعدات والسلع الأساسية، إلا أن واشنطن أكدّت أنها لا تزال ملتزمة بتوصيل المساعدات عبر قنوات تتفادى سقوطها في أيدي المتشددين.

جدلية العلاقة مع تركيا والأكراد

بين إعلان تركيا أنها لن تعلن الحرب على وحدات حماية الشعب، وهي أبرز ميليشيا كردية سورية متواجدة في الجهة المقابلة من الحدود، وبين الدعم الأميركي اللامحدود لهذه المجموعة مع ما يرتبط بذلك من مصالح متعارضة بين كل من أنقرة وواشنطن حول إحتمال إعلان الكيان الذاتي الكردي المستقل الذي قد يمتد من سوريا إلى العراق، فإن وقائع التباين الأميركي التركي في هذه القضية الإستراتيجية والحسّاسة لجهة ما ستعكسه من رسم جغرافية المنطقة ومصير ووضع الجماعات العرقية والطائفية فيها، تدل على أن أنقرة تتعامل ببراغماتية مرنة إزاء هذا الوضع على قاعدة أنها لا تريد الدخول في خلاف عميق مع واشنطن حليفتها في حلف شمال الأطلسي على إعتبار أن النظام في تركيا يعول على دعم أميركي دائم له لا سيما بعد محاولة الإنقلاب الفاشلة قبل عام، على الرغم من موقفه المبدئي إزاء الكيانية الكردية.

وعلى هذا الأساس نجحت واشنطن في إبقاء الموقف التركي ضمن دائرة المرونة حيث أنه منذ بدء النزاع السوري، أقرّت الحكومة التركية، على الأقل عملياً، بمجموعة الوقائع الجديدة في شأن وضعية الأكراد في سوريا. وقبلت بسيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي على معظم المنطقة الحدودية السورية. وفي أيلول من العام 2015، سمحت تركيا لبضعة آلاف من مقاتلي قوات البشمركة الكردية العراقية بعبور أراضيها وهم في طريقهم إلى مساعدة حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب في تحرير مدينة كوباني الحدودية السورية من سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية. وفي الوقت نفسه، لم تنتقم أنقرة من الضربات الجوية الأميركية والأسلحة التي أسقطتها الولايات المتحدة لصالح قوات سوريا الديمقراطية، التي تشكل مزيجاً من وحدات حماية الشعب وهي في معظمها تضم عناصر كردية بنسبة ثمانين في المئة، فيما نسبة الميليشيات المحلية العربية فيها لا تتعدى نسبة العشرين في المئة. وتكشف المعلومات أنه حتى الخط الأحمر الذي وضعته تركيا من أجل منع أي وجود لوحدات حماية الشعب غرب الفرات قد تم تغييره ضمنياً لفتح المجال أمام الهجوم الذي شنته هذه الوحدات ضد تنظيم الدولة الإسلامية في بلدة منبج التي تشكل مفترق طرق استراتيجي عبر النهر وعلى بعد ثلاثين ميلاً فقط من جنوب الحدود التركية. وفي آب من العام 2016، أي بعد مرور شهر على محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، أرسلت أنقرة جنودها إلى سوريا للاستحواذ على ممر أعزاز- جرابلس الذي يفصل معقل عفرين الغربي التابع لحزب الاتحاد الديمقراطي» عن معقلي الجزيرة وكوباني شرقاً، وبالتالي منع الأكراد من السيطرة على المنطقة الحدودية السورية التركية بأكملها. ولكن تركيا لم تشن هجوماً على قوات سوريا الديمقراطية بشكل جماعي، واستمر الجانبان في مواجهة غير مستقرة داخل سوريا. وتبعاً لذلك تظهر الوقائع الميدانية على الأرض أن تركيا قبلت بشكل ضمني الستاتيكو القائم لجهة تعاظم دور كل من حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب وتعاملت مع هذا النفوذ على أساس أنه لا يشكل تهديداً لها، في الوقت الراهن. وبالتالي فإن أنقرة رأت أن تحرّك الوحدات الكردية السورية المقاتلة في الجنوب باتجاه الرقة هو أفضل بكثير من الناحية الجيو – عسكرية من تحركها شمالاً نحو الحدود التركية. وتتعامل تركيا أيضاً مع هذه المسألة على أساس حرصها الدائم على عدم تعريض تحالفها الثابت مع الولايات المتحدة للخطر حول هذا الخلاف في شأن مستقبل ودور الأكراد في المنطقة وتترك لمجريات الصراع ونهاياته بتحديد ورسم حدود هذا الدور الجغرافية والسياسية على حدّ سواء.

  • للإشتراك في “المسيرة” Online:
  • http://www.almassira.com/subscription/signup/index

    from Australia: 0415311113 or:[email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل