التاريخ يشطب الدّول وليس الأشخاص

الحرّيّة هي جوهر الوجود ومن لم يذق طعمها لن يعرف قيمتها حتّى لو بلغ من العمر مئة عام ونيّف. والحقد سجّان أخرس لا يعرف الإنكسار، فمن يعِش في سجنه يمت فيه. معادلة الحريّة بالذمّيّة والإنبطاح والإستزلام والإرتهان لن تصبح “المنطق السليم”، حتّى لو بلغ السّيل الزُّبى. فهل يُبنى وطنٌ بالتّفاخر بالإنتماء لغيره؟ وهل مكتوب على لبنان أن يحيا ذمّيًّا بسبب بعض الخائنين والعملاء واليوضاسيّين؟

لا يا سادة، هذا البلد عمره 1400 عام من المقاومة الحقيقيّة. وحدها التي أنتجت لبنان اليوم. لبنان ال 10452 كلم 2 الذي يرفضون حدوده، ليجعلوه ضمن القُطْر الذي يحلمون به. وبالطّبع، هذا لن يكون لهم. لا يوفّر “المتسورنين” القدامى و”والمتأيرنين” الجدد فرصة ليتهجّموا بها على كلّ من يرفض نظريّاتهم الذميّة والإنبطاحيّة. وهم حتّى اليوم، لم يستطيعوا هضم فكرة خروج سمير جعجع إلى الحريّة. وما زالوا يضربون أيّ توازن سياسيّ يخدم مصلحة لبنان الكيان والدّولة في آنٍ معًا.

وكلّ هؤلاء يرفضون الإعتراف بالآخر القوّاتي، حتّى لو اعترف هذا الأخير بهم، واحترم ولاءهم وقارعهم بالحجج والمنطق. يرفضون حتّى تسمية القوّات اللبنانيّة، ويطلقون على القوّاتيّين تسمية ” الجعاجعة”. شرف لنا أن نكون مع سمير جعجع اليوم كما كان إخوتنا وآباؤنا بالأمس معه من بشرّي ودير الأحمر، وبلا ، وقنات وثكنة القطّارة، إلى زحلة، وتخوم مغدوشة ودرب السّيم، وروابي الشوف وبحمدون، وصولا إلى الأشرفيّة، وعين الرّمانة فغدراس ومعراب. لكن ما يزيدنا شرفًا أنّنا في المقاومة اللبنانيّة كنّا وسنعود إن دعا داعٍ أو “داعش” من أمثال هؤلاء.

وبالطّبع نقرّر سياسة الدّولة لأنّنا في صلبها ونعمل لإبقائها وليس لتذويبها في القطر الموعود أو الهلال المرتقب أو مع الفقيه المنتظر. ولسنا متفاجئين من الأبواق المأجورة التي لم توفّرنا يومًا، فلا يرشق إلا الشّجر المثمر، وثمرنا طعمه حريّة وكرامة وسيادة واستقلال يحلمون بتذوّقه لكنّهم لا يجرؤون.

ينادون كلّ لحظة بلبنان على طريقتهم، ولم نرهم يومًا يعملون لأجله، إنّما خدمة لمشاريعهم الإقليميّة والعقائديّة، بعيدًا كلّ البعد من جوهر قيام لبنان الحقيقي. ويموتون فداءً لسوريا ولمشاريع إيران التّوسّعيّة في المنطقة، ولا يوفّروا جهدًا في عرقلة عجلة قيام الدّولة الحقيقيّة التي تخدم كلّ أبنائها. لقد اكتفينًا تمثيلا وشبعنا من المسرحيّات الوطنجيّة التي يقومون بإخراجها في استوديوهات الشام وطهران خدمة لمشاريعهم الخاصّة.

نحن لم نشطب أي بلد عن الخريطة،  لا سوريا ولا غيرها. إنّما من شطب سوريا الأسد هم السّوريّون أنفسهم. ومهما طال ليل الظّلم لا بدّ لفجر الحريّة أن ينجلي على أسوار الشّام، أسوار بولس الرّسول وسينجلي. إنّما من  شطب شريحة كبيرة من اللبنانيّين وكبّدهم 4114 يوما من الحرمان من حريّتهم – بحسب اعتقاده- هو من يرفض أن يصدّق الحقيقة، إلا تلك التي أملاها عليه نظام البعث وأزلامه. هذا الحقد الدّفين سيقتلهم ألف مرّة كلّ يوم.

أمّا الإعتراض على زيارة سوريا فليس إلا من باب رفض التّعامل مع من لا يعترف به العالم إلا في إيران وفنزويلا وكوريا الشماليّة وروسيا. ولن نكون في هذا المحور لأنّنا في لبنان، اعتدنا أن ناكل ما نريد، ونشرب ما نريد، ونعاقر ما نريد، ونلبس ما نريد، ونتكلّم في ما نريد. أمّا من يريد عكس ذلك، فهنيئًا له العيش في تلك الأوطان، لا أن يحوّل لبنان كما هو يريد.

ولبنان لن يكون إلا لبنان الحريّة، لبنان شارل مالك، لأنّهما توأمان لا ينفصلان. نعم سوريا باقية لكن لكلّ سوريٍّ حرٍّ عرف طعم الحريّة. و”القوات اللبنانيّة” اليوم لا تحمل سلاحًا غير شرعيّ لتكون تنظيمًا ميليشيويًّا، بل من يحمل السلاح غير الشّرعي هو بحدّ ذاته الميليشيا ويجب حلّها. ونحن لم نحلم بالحكم لأنّنا نرى فيه جنّة، كما هم رأوا طوال ثلاثة عقود من الفساد ونهب مقدّرات الدّولة، فالحكم بالنّسبة إلينا لخدمة النّاس والشّكر للرّبّ شهادتنا من هؤلاء النّاس.

لبنان لن يكون ذميًّا ولا تابعًا لأحد إلا لأبنائه الأحرار. شاء من شاء وأبى من أبى، وهذا هو منطق التّاريخ، وهو وحده الذي يشطب الدّول عن الخرائط، وليس الأشخاص، وكلّ ما هو بعكس هذا المنطق لا يدوم.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

خبر عاجل