طريقكِ للزواج بمن تحبين..

 

كتبت حنان اليوسفي:

أغلب علاقاتنا لا تنتهي بالزواج إلا ما ندر، وغالباً عندما نقع في الحب يحدث ما ليس متوقعا لنصبح ضحية مشهد دراميّ أبطاله رجلٌ وامرأة يعيشان جرحاً كاوياً دفيناً إلى أن يشاء الله، “الرجل لا يتأثر” هكذا يشيع في أفهامنا، وهو أمر خاطئ إذ لا يصحُ القول بأن الشقاء حليفٌ للمرأة في الحب دائماً، وكأن الرجل هو صاحب الحُظوة الوحيد دائماً، إذ الواقعُ ينطقُ بخلاف ذلك، فما اِنفصمت العرى بين حبيبين إلا اِقتسما -كلاهما- الشقاء والعذابات فوزّعها القدرُ بينهما بالسويّة، وأظن أن أكثرهما شعوراً وإحساساً وتعمقاً لهذا الحب هو أبلغهما تأثراً بالفقد!

 

بدايةً في قرارة نفسي أعرف أن “الحب” ليس تجربةً سارّة ممتعة دائماً، ولا غالباً أيضاً، بل أزعمُ أنها كثيراً ما تكون تعيسة، فهي ابتلاءٌ، ولعلها كفّارةً لتقي أو عقوبةً لفاجر إلا في حالة واحدة عندما نضع أنفسنا واختياراتنا أولا ويكون الآخر متفقاً معها وهذا نادراً ما يحدث!

 

ليس سهلاً أن تجد طريقاً صحيحاً في الحب إذ هو لغزاً، نشعرُ به، ونحسّهُ، لكننا قد لا نتعقّله بوضوح، أي أنه مما يّذاقُ ولا يوصف، إذ تبقى اللغة قاصرة عن تبليغ الكثير من الإحساسات، بمعنى أن الحب يشبه الظلام الذي يغمرك ويحيطك من كل جانب، وعندما تحدّقُ فيه لن ترى إلا ظلاماً، أليس شيئاً محيراً ذاك الذي يملئُ عينيك ثم لا تراه..

 

إنسي ما قيل عن التضحية والمعافرة وقصائد الست أم كلثوم لإنجاح الحب، فما أعرفه أننا نحبّ لرغبة وإرادة بأن نكونُ سعداء، والرغبةُ التي تبدأُ منا نحنُ، لكنها تلك المصمِّمة والعازمة، أي أنها إرادةٌ ذاتُ بأسٍ وقوة، ومن مظاهرها الحركة والدأب وعدم الاستسلام

ما أنا متأكدٌة منه أن الحب لم يكن خطيئةً يوماً، لأنه بالأساس شعور يَقـرُّ في القلوب، فتتشرّبه الأرواح بلا عناءِ، لكن قبل أن تقرر خوض التجربة عليك أن تعرفي الأشياء التالية:

 

ضعِ نفسك بالمقام الأول:

إنسي ما قيل عن التضحية والمعافرة وقصائد الست أم كلثوم لإنجاح الحب، فما أعرفه أننا نحبّ لرغبة وإرادة بأن نكونُ سعداء، والرغبةُ التي تبدأُ منا نحنُ، لكنها تلك المصمِّمة والعازمة، أي أنها إرادةٌ ذاتُ بأسٍ وقوة، ومن مظاهرها الحركة والدأب وعدم الاستسلام لكل ما لا يجعلنا سعداء فرحين. أرى الحزنَ والتعاسة كالنوم والاسترخاء في المنحدر، كثيراً ما يشبه الخلودَ إلى الكسل والتواني فإن لم تجد السعادة التي قرأتها في الروايات وبدأت موجة “النكد” فانسحبي لأنه ليس حباً.

 

أدخلً دون حسابات للمستقبل..

عندما يخيّمُ البرد والصقيع على الأجساد الحيّة فإنها ترتعشُ وتمرض ليس رغبةً منّا، كأنها بذلك تنتفضُ تحت وطأة البرد، لتستمد الدفءَ من ذاتها -إن لم تجد ناراً- بالحركة الدائبة الموّلدة للحرارة، وإلا فإنها ستتجمّد وتموت، أما الجوامد فإنها لا تغالبُ البرد، تتثلّجُ فوراً.

فكذلك الحبّ، نحتاجُ أن نكافح لنفوز به أن نتغلب، إنها كالرزق لا بدَّ من الخروج والضرب في فجاج الحياة لكسبه، وكما أن الرزق يتطلبُ الارتزاق، فكذلك سعاد الحبّ  تتطلب “الاستسعاد”، إذ القعود لا يعني سوى الفاقةَ والحزن، فالفكرةُ إذن تكمنُ في “شجاعة الرغبة” حتى ننال من السعادة نصيبنا أو بالمعنى الصريح نصيبك -أنتِ- الأوفى.

 

أشغلِ نفسكِ وليكن الحبّ حريتك الأولى:

رأيتُ من النماذج ما يعينني على قول أن الحبّ لم يكن أبدا سبباً في تقاعسنا في تحقيق رغباتنا وأن الطموح لا يتعارض أبداً مع الحبّ، من لا يعينك على أحلامك لا يستحقكِ فكري فيها لماذا لا يتخلى هو عنها؟! لماذا الذكورية أو الأبوية لا تظهر ألا فيما يتعلق حياتك أنت؟ فقط عليكِ معرفة أن الركون إلى العجز أنت من يحدده فالضعفُ كالماء المنتن الراكد الذي تنبتُ في أحشائه كلُ طحالب الفشل والخسارة والبؤس. فمن القوة العزم على التغيّر ومبارحة حالتنا التي لا نرضاها، بالدعاء أن يوفقنا الله في حياتنا وألا يذرك فرداً، ومخالطة الناس، والفعل الجميل في كل ما نقدر عليه.. وهذا من فضائل الإقدام التي لا تحصى، فلنقْدمْ، ولنقتطعْ نصيبنا من السعادة..

 

الزواج ليس معيار على نجاح التجربة

الحب حقيقة، وله كينونة معنوية تسكنُ بعضَ الأرواح، لكن الشأن في فهم التجارب واستيحائها جيداً، ولن يكونُ الزواج معياراً على صدق الحب، مخطئٌ كلَ الخطأ من يظنُّ ذلك. لكنه معيار على نجاح التجربة فقط، وصدقُ الشيء لا يستلزمُ تحققه ونجاحه دائماً، فهذا كمن يربط بين الإخلاص وبين تحقق النتائج المرجوّة من ورائه، مع أن النبي -كما جاء في الحديث- يأتي يوم القيامة وليس معه أحد، ليس لأنه لم يكن صادقاً أو مخلصاً في دعوته، بل لظروفٍ أخرى خارجة عن إرادته.

 

فلا مُخْلصَ كإخلاصِ نبي، ومع ذلك فشلت التجربة بـ”اعتبار” أنها لم تنجح في إدخال مهتدٍ واحدٍ إلى رحاب الإيمان، لأن الداعي قد أتى يومَ القيامة وليس معه أحد، لكن لم يكن صِفْرَ اليدين من كل شيءٍ، بحكم أن معيار النجاح ليس مجرد تحقق نتائج التجربة وتطلعاتها الأولى. مع أنه بالنهاية- قد نالَ رضى الله سبحانه، لعمران روحه بالإخلاص والصدق وبذل المستطاع من الجهد في دعوته، وهما بالنهاية “شعور” يساوقه عملٌ مبارك، ثم قد لا تحصلُ النتائج…!

 

ثم أليس غريباً أن قصص الحب التي تغنّى بها الشعراءُ والأدباءُ والتي لا يشكُ ذو قلبٍ أنها صادقة كلَ الصدق.. لم تنتهِ بالزواج، أي لم تنجح وفقاً للمعيار الزائف. كقيسٍ مع ليلاه، وجميلٍ مع بثيناه، وكثيّرٍ مع عزّاه.. وكذا روميو مع جولييت -أي جوليتّاه- وغيرهم كثيرون لا نعلمهم اللهُ يعلمهم نعم لم يجتمع الأليفان، لكن الشعور لم يكن كاذباً مدنساً بالزور أبداً.. إنه لصادقٌ كصدق نبي يصفٌّ قدميه بين يدي الله العلي الكبير بلا أتباع مهتدين في ذاك اليوم الأخير.. لكنه جاء بالصدق، كفى به صاحباً ونصيراً، ومؤيداً وظهيراً..

 

بغيرتك تقتلين كل ما هو جميل!

تقول أم كلثوم أن “الهجر أهون من عذابي بقربك، ولا شوفش يوم أندم عليه وأنا جنبك” ربما من عيوب النساء عموماً أنهن متى تعاطين الحبّ -إنتاجاً أو تلقياً- صارت مشبوبُة العاطفة دوماً، طويلة الأسى، لا تكاد ترقؤ لها دمعة، ولا تسكنُ لها نفسٌ، فتحيا مسفوحَة النبضات، مسفوكَة العَبرَات، تشيدُ الأطلال لتبكى عليها، وتصنعُ من الماضي صوامعَ، لتخلقَ من الكلمات رهباناً لا تبرحهُا حتى تلقى الله..

 

وهذه هي بعينها مشكلة كل النساء، وهي ما يثير وسيثير نكدكِ ونكد شريك حياتك، وللتخلص منها، عيشِ كل يوم وكأنه الأخير واستمتع باللحظة وكأنها أول لقاء وتقي بنفسك كثيراً واهتم بشكلكِ وبعقلكِ ولا تدعِ عاصفة الغيرة تفعل فعلتها.. نعم الغيرةُ -كما نعلم- بنتُ المحبة، والمحبة من غيرها عقيمةٌ بتراء لكن لا تجاوز النظرة ولا تزيد عن الملاحظة!

 

ماضيكِ لكِ أنت

ليس ضرورياً أن تخبر أي كان بكل شيءٍ عنك ودفعةً واحدة وهذه يدركها كلُ إنسانٍ بحكم واقعه وظروفه، فأنت لست  ملزمة أن تطلع الآخر بكل الماضي، ففي الماضي ما ينبغي ستره، ولا يخلو امرؤ -كائناً من كان- من تجارب، فلنجعلها في ذمة التاريخ، فكلنا نعرف في قرارة أنفسنا أننا لا بدَّ قد حطّتنا التجارب يوماً على غصنٍ ما، وهذه نعرفها عن كثب لا عن كتب.

 

أخيراً يا نساء العالم٫ نفسكِ ثم نفسك ثم نفسك.. أنت مصدر سعادتك وأنت مصدر شقائك، أحبِ لأنك تريدين ذلك لحاجتك أنت وحاجة الناس اقبل الآخر واكتمل معهُ لا لتكمليه، عيشي لحظاتك الآنية كالملكة ولا تنتظري أحداً، فإن أتى فكان بها.. فكما نصرّ على الحياة ولا تأتينا كما نشتهي كذا الحبّ قد نكرهه فقط لأن اختياراتنا كانت متسرعة.. والحمد لله أن أعمالنا وحياتنا بيد الله وما خلق الحبّ إلا لحكمة هو يعلمها والمقطوع به أنه لا يُعذّبٌ أحد في الآخرة إلا بعد أن تقوم عليه الحجّة في الدنيا، وما الله -جلَّ جلاله- بظلّامٍ للعبيد.

المصدر:
الجزيرة

خبر عاجل