الإعلام في كوريا الشمالية.. صناعة أثبتت قدرتها على تحقيق مكاسب سياسية

شاهدنا جميعاً بانبهار، العروض العسكرية في كوريا الشمالية، وقدرتها على التنظيم العسكري والدقة في بثها على القنوات الفضائية والأوعية الإعلامية المختلفة بأسلوب وجودة عالية المستوى. المثير للانتباه أن وراء هذه المنظومة العسكرية والتجارب الصاورخية جهازاً إعلامياً عالي المستوى، استطاع أن يصنع الصورة التي تحرك الرأي العام العالمي. ولا شك أنه يمكن اعتبار إعلام بيونغ يانغ، بغض النظر عن سياسة الدولة، إعلاماً محترفاً بمعنى الكلمة، ولا أدل على ذلك من طريقة تصوير العروض العسكرية والتجارب، وكذلك طريقة عرض صور الرئيس الكوري وهو يحتفل بإطلاق صواريخ باليستية، ويشاهد العروض العسكرية باعتزاز وغيرها من المشاهد الاستفزازية المختارة باحترافية أقرب إلى الإخراج السينمائي.

إعلام بيونغ يانغ نجح في تحريك العالم بهذا الأسلوب وإعطاء انطباع كبير بأن هذه الدولة بلغت من القوة ما يجعلها تتحدى الولايات المتحدة الأميركية وجاراتها كوريا الجنوبية والصين واليابان، خصوصاً بعد إطلاق صاورخ باليستي قادر على بلوغ أراضي شبه جزيرة ألاسكا، وآخر قادر على بلوغ شيكاغو ونيويورك، ورغم أن ما يتم عرضه ليس بالضرورة أن يكون صحيحاً، لكن من دون شك فإن هذا الأسلوب الإعلامي الحاد سيحقق لها مكاسب سياسية في أي حوار سياسي مستقبلي على طاولة المفاوضات.

احتراف الجهاز الإعلامي الكوري الشمالي جعل عدداً كبيراً من السياسيين يتفاعلون معه ويتأثرون به، بل ويقدمون لكوريا الشمالية مكاسب سياسية ودعاية إعلامية مجانية، من بينها تصريح وزير الخارجية الألماني زيغمار غابرييل الذي اعتبر الأزمة بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية تبعث على القلق والخوف من التورط في حرب غبية وشبهها بما كان يحصل قبيل الحرب العالمية الأولى.

إعلام بيونغ يانغ وأسلوبه الاستفزازي جعل الرئيس الأميركي دونالد ترامب يخرج عن صوابه ويطلق تصريحات اعتبرها كثير من السياسيين والإعلاميين ليست في محلها، فقد قال إن الرد الأميركي سيكون بالغضب والنار اللذين لم يشهدهما العالم من قبل، وهو ما يعتبر خروجاً عن الأسلوب في الخطاب الرئاسي المعتد الذي دائماً ما يكون رصيناً وهادئاً، لأنه وكما هو معروف في الرسائل الإعلامية أن أي خطاب أو تصريح رئاسي يكون تحت مراقبة وإدارة الجهاز الإعلامي، إلا أن الرئيس الأميركي خرج على البروتوكول المتبع ووقع في الفخ الاستفزازي.

الخطأ الإعلامي الآخر الذي وقع فيه الرئيس الأميركي حينما لمح بقدرات الولايات المتحدة المتزايدة من حيث امتلاك ترسانة نووية أقوى من أي وقت مضى، وتحذيره لكوريا الشمالية من الاستمرار في تهديد الولايات المتحدة الأميركية. رغم أن الإدارة الأميركية حاولت استدراك الخطأ من خلال وزير خارجيتها ريكس تيلرسون، الذي حاول تهدئة الخطاب الهجومي للرئيس واصفاً كلام الرئيس بأنه قاسٍ لكنه لا يرقى إلى اللجوء إلى استخدام القوة ضد بيونغ يانغ.

تصاعد اللهجة الإعلامية الهجومية بين الطرفين دفع السيناتور جون ماكين لتحذير الرئيس الأميركي من الوقوف في فخ الاستفزازات الكورية الشمالية وشعوره بقرب مواجهة خطيرة بين الطرفين، والمعروف أن جون ماكين كان له وجهات نظر أكثر اتزاناً في التعامل مع الإعلام الإيراني، حينما كانت إيران تحت رئاسة أحمد نجاد، الذي كان يستخدم نفس أسلوب كوريا الشمالية في الخطاب الإعلامي، حينما كان يصف الولايات المتحدة بالشيطان الأكبر وغيرها من العبارات الاستفزازية.

المصدر:
السياسة الكويتية

خبر عاجل