أزمة في تونس تتدحرج فصولها نحو حدث سياسي غير مسبوق

لم تهدأ العاصفة التي أثارها راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة الإسلامية في تونس، بتصريحاته الصادمة التي دعا فيها رئيس الحكومة يوسف الشاهد إلى عدم الترشح للاستحقاق الرئاسي المُقبل.

ولا يبدو أنها تتجه نحو التلاشي في قادم الأيام أو حتى احتواء رياحها التي جعلت التوجس يُسيطر على قصر الحكومة بالقصبة والارتباك يحكم أداء الوزراء والتيه يُخيّم على الأحزاب التي اقتربت من المربعات الأكثر سخونة، حتى وصلت في بعض تفاصيلها إلى مستوى تحدي البقاء من عدمه.

وتُشير التطورات إلى أن تلك العاصفة مازالت متواصلة بأشكال صاخبة تجاوزت في مفاعيلها الاشتباك السياسي التكتيكي، إلى المناورة المكشوفة التي تجمع بين استعراض القوة وإبقاء باب المساومة مفتوحا على حدود اقتسام السلطة تبعا لتطور المناخ الداخلي، ووفقا لمتطلبات الواقع الإقليمي والدولي.

ويكشف الحراك السياسي المحيط بتلك التطورات التي تسارعت في اتجاهات مختلفة أن المشهد العام في البلاد ينزلق تدريجيا نحو أزمة قد تكون أخطر وأشد وقعا، وتداعياتها القادمة أوسع وأعمق ارتباطا بالحسابات المتغيرة والمعادلات الجديدة.

وتتباين القراءات في تحديد هذه الأزمة التي يُتوقّع أن تتدحرج فصولها بعناوين تختلف عن سابقاتها، ولكنها تتقاطع وتتداخل في التأكيد على أن تونس أضحت على عتبة حدث سياسي غير مسبوق قد يجعل منظومة الحكم التي برزت بعد 14 يناير 2011، قاب قوسين أو أدنى من الانهيار التام.

وتجد هذه القراءة ما يدعمها ويُعزّزها في سياق التسريبات التي تتالت حول انتهاء استعدادات الرئاسة من بلورة مبادرة تشريعية لتغيير النظام السياسي الراهن، وتحويله إلى نظام رئاسي ستعرضها على البرلمان قريبا للمصادقة عليها، بعد أن ضمنت تأييد بعض الأحزاب، وخاصة منها حركة النهضة الإسلامية التي يبدو أنها دخلت في مقايضة لتمرير هذه المبادرة.

ويرى مراقبون أن دعوة الغنوشي للشاهد بعدم الترشح للاستحقاق الرئاسي القادم ليست معزولة عن تلك المقايضة، وإنما تندرج في إطارها، تماما مثل اللقاء المفاجئ الذي جمع الخميس بين راشد الغنوشي ونورالدين الطبوبي الأمين العام للإتحاد العام التونسي للشغل، داخل مقر الاتحاد النقابي لعمال المغرب العربي بتونس العاصمة.

ورغم التعتيم على فحوى هذا اللقاء الذي لا يخلو توقيته من دلالات سياسية، فإن مُسارعة الطبوبي إلى الاجتماع برئيس الحكومة يوسف الشاهد مُباشرة بعد ذلك تستدعي التساؤل عما يُطبخ سياسيا في هذا الوقت الذي يواجه فيه الشاهد سلسلة من المناورات الصاخبة التي تستهدف إنهاء مستقبله السياسي.

ويأخذ هذا التساؤل أبعادا أوسع لسببين اثنين أولهما أن نورالدين الطبوبي كان قد رفض دعوة الغنوشي ليوسف الشاهد بالتعهد بعدم الترشح للاستحقاق الرئاسي 2019، واعتبرها “منافية لمبدأ الديمقراطية”، بينما الثاني مُرتبط بتجاهل الأحزاب السياسية التي واجهت دعوة الغنوشي بخطاب عاصف في بياناتها، لم يحجب مخاوفها من انتكاسة سياسية تنعكس سلبا على البلاد.

ومن يُتابع نشاط الأحزاب السياسية في البلاد واستنفار مسؤوليها للبحث في كيفية مواجهة تبعات تصريحات الغنوشي وتحركاته يوضح حجم الارتباك الذي يسيطـر عليها، ويثبت فشلها في أن تكون رقما فاعلا في المعادلات الجديدة التي تتجه نحو إسقاط مصطلح الانتقال الديمقراطي الذي كثيرا ما اتكأت عليه في رهاناتها السياسية.

ووسط هذا المشهد الذي تتزايد فيه المخاوف من مناورات الغنوشي وتزدحم فيه المحاولات المحمومة لتصفية الحسابات بتشابكات مُركبة من المواجهات المُعلنة منها والخفية، تنتظر الأوساط السياسية خروج يوسف الشاهد عن صمته، ليوضح موقفه النهائي بعد أن بلغ القلق ذروته وانتقل إلى فصل إضافي أبعد من حدود مستقبله السياسي.

وتُطالب في هذا السياق، يوسف الشاهد بتحديد ما إذا كان يريد البقاء في موقع الأداة التابعة والمصادرة في قرارها والمرهونة بوجودها لمعيار رضا الغنوشي أو التمسك بصلاحياته الدستورية والاندفاع نحو الخروج عن السياق النمطي للدور الوظيفي الراهن.

وعلى وقع تلك الانتظارات يُرجح أن تتضح ردود الشاهد حولها بعد عيد الأضحى المبارك، من خلال طبيعة الإجراءات التي سيتخذها في علاقة بالتحوير الحكومي المُرتقب في حكومته، بمعنى هل سيكتفي بسدّ الشغور الحالي، أم سيذهب إلى تحوير واسع؟

وقبل ذلك، أيقظت تلك الانتظارات الكثير من الأسئلة الحائرة، منها هل سيقبل الشاهد برئاسة الحكومة القادمة بعد تصريحات الغنوشي، بل هل سيُسمح له أصلا بتشكيل الحكومة، أم أنه سينسحب ليفسح المجال لحكومة جديدة تكون مناصفة بين حركتي النداء والنهضة؟

وتفرض هذه الأسئلة إرهاصات ثقيلة على مساحات واسعة من المشهد السياسي التونسي الذي يرقب بتوجس تطور العلاقة بين قصر قرطاج ومونبليزير حيث مقر الغنوشي، في سياق تفاهمات باريس 2013، بين قائد السبسي والغنوشي التي أتت برياح مخالفة تماما لما اشتهته القوى السياسية التي دعمت السبسي للوصول إلى قصر قرطاج في انتخابات 2014.

ورغم أن تلك التفاهمات عكست في ذلك الوقت إرادة سياسية محكومة بعوامل وارتباطات القوى المتنفذة داخل البلاد واختارت شعار “التوافق” لتمريرها، فإن عودة الحديث حولها بقوة هذه الأيام حمل الكثير من الاستدلال السياسي لتبريرها في سياق البحث عن ممرات جديدة تُمكّن حركة الغنوشي من الحفاظ على حضورها والتموضع في خارطة المقاربات الداخلية القادمة لتفادي الهزات الإقليمية والدولية وحساباتها المعقدة.

المصدر:
العرب اللندنية

خبر عاجل