#adsense

أثر السلسلة على الإقتصاد إذا نُفِّذت…

حجم الخط

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1623

ليس اللغط الذي رافق مسيرة مناقشة سلسلة الرتب والرواتب في مجلس النواب وتوالى عالياً بعد إقرارها، أقل صخبا من ذاك الذي شغل الإقتصاديين واللبنانيين عموما على مدى سنوات. وليس التضارب في الحديث عن السلبيات والإيجابيات الناتجة عنها، أقل غموضا من المراحل التي رافقتها منذ انطلاقها حتى إقرارها. كل هذا الإلتباس المشوب بالغموض ولّد إرباكا بحجم النتائج التي يفترض أن تترتب عن خطوة بهذا الحجم، سواء على الإقتصاد كحركة حسابية، أو على الرأي العام المتأرجح بين الوقائع والشائعات. ما هي حقيقة مفعول زيادة الضرائب على المكلف اللبناني؟ ما هو تأثير إقرار السلسلة على الودائع المصرفية ومتانة الليرة؟ وهل حقا إقرارها يمثّل كارثة كما يشاع أم أن في الأمر شيئا من المبالغة لغايات مختلفة الدوافع ومتشابهة الأهداف؟

علق أحد الإقتصاديين على مجمل موضوع سلسة الرتب والرواتب وما رافق إقرارها من مطالبات ومعارضات وآراء، بالقول: «لو قُدِّر للمتابعين أن يُحصوا الكلام الذي قيل في السلسلة والأخذ والرد والآراء المثارة حولها، لتبيّن أنها تفوق بمرات الأرقام المليارية التي تضمنتها. وكما أن بعض الأرقام كان في حاجة إلى تعديل أو تصحيح ليقع الأمر في موقعه المناسب فلا تنتج عنه مفاعيل غير المستهدفة منه أصلا خدمة لأصحاب الحقوق، كذلك فإن بعض الكلام عن تداعيات إقرار السلسلة على البلد والإقتصاد يلزمه بعض التوضيح والتصحيح حتى لا يقع الناس في فخ المزايدات والتهويل خدمة لأصحاب المصالح».

وأضاف: «من هنا أهمية البحث في مفاعيل إقرار سلسلة الرتب والرواتب على الوضع العام عموما، علما أن هناك إيجابيات لا تتم الإضاءة عليها، وسلبيات يجري تضخيمها. وكون هذا الأمر لا يصب في خدمة الصالح العام، لذلك لا بد من إضاءة علمية وقراءة موضوعية لهذا القانون. وبالتالي العمل على إيجاد الأساليب الملائمة والخطط الناجعة لتجنّب السلبيات وتثمير الإيجابيات».

على سكة التطبيق

حرب الموظفين والسلطات المتعاقبة حول إقرار السلسلة، كادت تستمر للسنوات التي استغرقتها حرب داحس والغبراء لولا المبادرة أخيرا إلى إقرارها مع كل ما رافق ذلك من تجاذبات وما تلاه من تعليقات. فمنذ العام 1998 تاريخ إقرار المجلس النيابي سلسلة رتب ورواتب للقطاع العام لم تراعِ المساواة بين الموظفين، بدأت رحلة هذا الصراع الذي استنفد من جهد ووقت أكثر مما أثمر من مردود. وبعد 19 عاما تخللتها اعتصامات وإضرابات واجتماعات وطرح لمشروع القانون ثم استرداده بحثا عن إيرادات تجعله إنجازا لا مصيدة، خرج القانون إلى النور مثقلا بالعديد من التساؤلات وأسباب الخشية من ألا يكون الفول قد أصبح حقا في المكيول.

مصدر هذه الخشية بعض التسريبات التي سرت في الأيام الماضية عن أن هناك مطالبات غير معلنة لرئيس الجمهورية باسترداد قانون السلسلة وإعادة النظر فيه. ومنها ما عمل على محاولة تجميد التنفيذ بانتظار ظروف أفضل أو لغايات أخرى تختلف باختلاف أصحابها.

هذا الأمر الذي ألمح إليه خبير إقتصادي مبديا خشيته من ألا تجد السلسلة طريقها إلى التنفيذ، بقوله عند سؤاله عن تداعياتها: «إذا نفّذت…»، لافتا إلى عدم وجود نية إصلاح حقيقية لدى المسؤولين، نفاه مسؤول آخر معني بإقرار السلسلة، مشيرا إلى أن ثمّة مسؤولا كبيرا أكد له أن الأمر لا يعدو كونه مجرد شائعة والسلسلة أقرت لتنفّذ وليس لتجمّد.

هذه البلبلة باتت جزءا من مسار السلسلة على مدى هذه السنوات التي انتظرت خلالها أكثر من مئة ألف عائلة الحصول على حقوقها. وهي غير معنية بكل تلك الجلبة السياسية أو المصالح المتضاربة بين البعض حينا والمتلاقية بين البعض حينا آخر والغافلة في كل حين عن وضع استراتيجة إقتصادية حياتية متكاملة تؤمّن للمواطنين الحياة الكريمة ولا تعرّض الإقتصاد لأية اهتزازات هو في غنى عنها في هذه الظروف الدقيقة. ووسط هذا الغموض يرى الإقتصاديون أن البلبلة أربكت المواطنين والقطاعات على حد سواء، وأن ليس في هذا الأمر مصلحة لأحد.

فهل حقا يحمل إقرار السلسلة هذا الحجم من المخاطر كما يشاع؟

مبالغات في السلبيات

لم يخلُ البحث عن موارد لتغطية نفقات سلسلة الرتب والرواتب للقطاع العام، من مزايدات سياسية شعبوية على أبواب الإنتخابات النيابية. وقد رافق المداولات بشأنه كم كبير من المطالبات والإعتراضات. وصولا إلى القول بعد إقرارها إنها ستؤدي إلى ارتفاع جنوني في أسعار السلع الإستهلاكية والأقساط المدرسية، وإلى ضغوط كبيرة على الليرة وانسحاب أو هروب للودائع المصرفية وإقفال مؤسسات ومدارس وصرف موظفين. وغير ذلك من السلبيات.

وزير الإقتصاد والتجارة رائد خوري أكد لـ»المسيرة» أن في الأمر، كما يسوّق له، تضخيما وإشاعة لأجواء لا تعكس ما هو حاصل فعلا على أرض الواقع. وقال «إرتفاع أسعار السلع الإستهلاكية الذي يحكى عنه مبالغ فيه. وفرق وزارة الإقتصاد تقوم بجولات على المتاجر وتعمل على ضبط محاولات الزيادة حيث تحصل، لكن الأمر معقد وغير سهل. واعتبر ان السلسلة هي زيادة معاشات تستدعي زيادة ضرائب وهذا له تأثير سلبي ولو كان محدودا. وهي قد تؤدي إلى التضخم اذا لم يكبر حجم الإقتصاد.

مصادر مصرفية أكدت بدورها أن «لا ضغوط على الليرة وكل ما يحكى في هذا الصدد هو من باب التهويل، مشددة على أن الليرة لن تتعرض لأية ضغوط، لأننا في نظام سعر ثابت، وعندما يصبح ثمة توسع اقتصادي سيكون هناك توسع في الاستثمار وتوسع في الاستهلاك. وأشارت في الوقت عينه الى أن الحل هو في تقسيطها على 3 سنوات لتأمين انسيابها في الإقتصاد وانعكاسها إيجابيا عليه لا سلبيا، لأنه لا بد من الأخذ في الاعتبار الوضع التمويلي للدولة. وأكدت أن لبنان لن يلجأ الى إصدار نقود جديدة لتغطية حاجات السلسلة وأن الأمر غير مطروح أصلا، بل إن هناك العديد من المصادر التي يمكن اللجوء إليها من دون تعريض الإقتصاد عموما والنقد الوطني خصوصا لأية ضغوط.

وترى مصادر إقتصادية أخرى أن السلسلة البالغ حجمها حوالى المليار دولار تقريبا، ستخلق حركة في السوق هو في أشد الحاجة إليها لتحريك عجلاته. وتلفت هذه المصادر إلى أن القاعدة الإقتصادية تقيس مفعول هذا المبلغ مضروبا بـ 3,7 وهذا يعني أن المليار دولار المتأتية من فروقات صرف السلسلة سيصبح حجمها في الإقتصاد 3 مليارات و700 مليون دولار في السنة. فأين الضرر من ذلك؟ ويعتبر هؤلاء أن بعض التهويل والتخويف من صرف السلسلة هو في الغالب لمصالح خاصة تتستر تحت رداء الحفاظ على الإقتصاد. ولكنهم في الوقت نفسه يشددون على ضرورة المراقبة وتحقيق الإصلاحات حتى لا تتحول الإيجابيات إلى سلبيات.

فزيادة الأجور لموظفي القطاع العام والأساتذة ستؤدي إلى زيادة مماثلة في الاستهلاك وستحرّك الاقتصاد، ما يؤدي إلى نمو اقتصادي ينعكس إيجاباً على جميع القطاعات، وبالتالي على سائر المواطنين. كذلك إنّ تعزيز أجور العاملين في الإدارة العامة والتعليم يؤدي إلى استقطاب عمالة ماهرة تؤثر إيجاباً في نوعية الخدمات التي توفرها الدولة بواسطة جهازها وأسلاكها. أما التأثّر السلبي للاقتصاد فلن يكون ذا أهمية اذا تمت مقارنته مع التأثّر الإيجابي الذي سينتج من الزيادات في الرواتب، خصوصا إذا تمّت معالجة الموضوع ضمن استراتيجية عمل علمية منفّذة في شكل سليم.

إيجابياتولكن

يُجمِع الإقتصاديون على أن سلسلة الرتب والرواتب تقابلها موارد من أفرقاء آخرين، أي أن السلسلة تمول نفسها بنفسها، وتالياً إذا كان التمويل موجودا فإن مشكلة العجز بالموازنة الناتجة من السلسلة تصبح غير دقيقة. ويلفتون إلى أن إقرار السلسلة له أثران اقتصاديان: الاول زيادة الضرائب والرسوم، والثاني توسع اقتصادي بمعنى زيادة حجم الاستثمار والاستهلاك. فالـ176 ألف عامل في القطاع العام سوف ينفقون المداخيل الاضافية على دفع جزء من ديونهم، والاستثمار في القطاع العقاري، والانفاق الاستهلاكي. وبالتالي فزيادة الانكماش يقابلها توسع أكثر، علماً أن نسبة التضخم لن تتجاوز في اسوأ الحالات الـ 2,5 في المئة.

فالاقتصاد اللبناني يعاني حالة ركود حالياً، وتراجع في كل القطاعات، وبالتالي فإن زيادة الطلب الناتج من زيادة الأجر، إثر إقرار السلسلة يمكن استيعابه جزئياً عند زيادة الإنتاج، من دون زيادة ملحوظة في الأسعار. في المقابل هناك الكثير من السلع التي لن يتغيّر سعرها بسبب الزيادة كالكهرباء والاتصالات والطاقة والخبز.

رئيس الرابطة العالمية لخبراء الاقتصاد في لبنان وعميد كلية إدارة الأعمال والاقتصاد في جامعة الحكمة البروفسور روك – أنطوان مهنا قال لـ«المسيرة» إن السلسلة هي حق للقطاع العام وهي ليست منّةً من أحد، لكن إقرارها يجب أن يكون من خلال إصلاحات، محذرا من الإقدام على ما وصفه بأنه إنتحار ضرائبي. وطالب بتأمين إيرادات السلسلة من خلال تخفيض نسب الفساد حيث بإمكان الحكومة العمل على وقف التعديات على الأملاك البحرية والبرية، ووقف التهرب الضريبي فبحسب الدراسات والإحصاءات تتخطى قيمة التهرب الضريبي من خلال تهريب بعض السلع والمواد الـ 1.5 مليار دولار سنوياً بأقل تقدير، ومع الهدر الناتج عن الفساد يتخطى الرقم سنويا الـ 5 مليارات دولار، ويمكننا توفير جزء من هذا الهدر عبر العديد من الإصلاحات.

كذلك يمكن إلزام الشركات غير المسجلة في الـ «TVA» وهي كثيرة على التسجيل ودفع الضرائب السنوية والتصريح بشكل حقيقي عن قيمة وارداتها من الخارج من دون التلاعب بالفواتير. وطرح أهمية الربط الإلكتروني بين الإدارات مثل الجمارك ووزارة المال ووزارة الإقتصاد، حيث يمكن مراقبة الأسعار ومقارنتها مع الفواتير المقدمة لوقف أي محاولة للتهرب الضريبي.

أما الخبير الإقتصادي الدكتور إيلي يشوعي فقال لـ«المسيرة» أن السلسلة تؤدي إلى زيادة الطلب وزيادة الطلب يجب أن يرافقها زيادة عرض حتى لا يحصل تضخم. وأكد أن المستفيدين هم أصحاب حق خصوصا الموظفين الأوادم، لكن باعتماد الضرائب غير المباشرة نكون نعطي بيد ونأخذ بأخرى. وشدد على أن من يريد أن يحقق إصلاحا عليه أن يعمد إلى إصلاح النظام الضريبي أولا وثانيا وثالثا والتركيز على الضرائب الشخصية والتخلي التدريجي عن الضرائب غير المباشرة، فهي الأكثر عدلا والأكثر إفادة للخزينة.

وقال يشوعي: «في زمن الفورة الاقتصادية، تصبح زيادة الضرائب مطلوبة من أجل المحافظة على استقرار النقد والسيطرة على التضخم ونسب النمو أثناءها تكون في حدود الـ 7 إلى 8 في المئة. ولكن، في الوضع اللبناني اليوم لسنا في فورة اقتصادية بل في حالة ركود، وعندما تطال الضرائب جيوب المواطن بطريقة غير مباشرة، نكون نساهم في تراجع النمو الاقتصادي بنسبة أعلى. واعتبر أن نسبة التضخم حاليا متدنية، ولكن مع زيادة القيمة المضافة ورزمة الضرائب غير المباشرة التي تصيب الجميع أفراداً ومؤسسات، فهذه النسبة سترتفع لأنَّ ما من منافسة كافية في الأسواق.

الإقتصاديون أجمعوا على أن الإصلاح ومراقبة الأسواق وغيرها من الإجراءات لا بد منها لتجنب السلبيات التي قد تتأتى من إقرار السلسلة. ويحذّرون من أن يستغلّ التجار والمستوردون الاجراءات الضريبية، مثل الضريبة على القيمة المضافة والرسوم على الاستيراد وغيرها، من أجل رفع الاسعار. فماذا عن هذه المراقبة؟

يجيب الوزير رائد خوري بأن وزارة الإقتصاد تراقب الأسعار والمتاجر وهي مستعدة لتنظيم محاضر ضبط بالمخالفين، وقيمة المحاضر ليست متدنية أبدا. ويلفت إلى كيفية تحديد سعر السلعة الذي تدخل فيه عناصر عدة تضاف إلى السعر الأساسي، منها مثلا إيجار المحل وأجور الموظفين والإستهلاك اليومي من كهرباء وغيرها. وهذه الكلفة تختلف من منطقة إلى أخرى فهذه السلعة قد تباع أصلا بسعر في منطقة أعلى مما هو عليه في منطقة أخرى، أما الفروقات في المنطقة نفسها مما كانت عليه قبل دفع السلسلة وبعدها فهذا ما تعمل الوزارة على معالجته. وعما إذا كانت لدى الوزارة الفرق الكافية للقيام بالمراقبة يقول «نغطي النقص في فرق المراقبة بزيادة الدوام والإنتاجية».

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل