
كتب نجم الهاشم في “افتتاحية” المسيرة – العدد 1624:
بدأت المعركة ويوم النصر قريب. القرار متخذ والتنفيذ يتم على الأرض. إنها المعركة الحقيقية التي يخوضها الجيش اللبناني باسم كل اللبنانيين لتحرير جرود القاع وراس بعلبك والفاكهة. إنها معركة حاسمة ضد الإرهاب والإرهابيين. وهي معركة أساسية على طريق استعادة الدولة لدورها الأمني والعسكري ولتكريس بندقية الجيش وحدها في حمل لواء الدفاع عن لبنان بما تمثله من إجماع وطني وصولاً إلى وضع النقاط على الحدود بدءًا من الحدود التي سترسمها معركة طرد تنظيم «داعش» من لبنان ومن الحدود التي سيتوقف عندها الجيش على أساس أنها الحدود الرسمية التي تفصل بين لبنان وسوريا حيث ستكون له نقاط يتمركز فيها ليؤكد السهر على حماية هذه الحدود.
المعركة بدأت. والنتيجة محسومة. لا تعد المعارك بالأيام بل بالتقدم الذي سيكون حتميًا على الأرض. ويبقى تحديد التاريخ الذي سيحتفل فيه لبنان كله بالنصر على أساس أنه النصر الحقيقي والنظيف تحت راية علم لبنان يوم يعود الجيش من الجبهات منتصرًا.
قد يكون من حسنات المعارك التي خاضها “حزب الله” ضد “سرايا أهل الشام” و”جبهة النصرة” في جرود عرسال أنها عجلت في اتخاذ القرار بأن يتولى الجيش اللبناني عملية تحرير جرود القاع وراس بعلبك والفاكهة من تنظيم “داعش”. لقد أنهى “حزب الله” عملياته وتسلم الجيش اللبناني مواقع عسكرية كانت تحت سيطرة التنظيمات الإرهابية ليبدأ فعليًا التقدم نحو المناطق التي يسيطر عليها تنظيم “داعش”. صحيح أن بعض هذه المواقع كان انتقل إلى سيطرة “حزب الله” ولكن مع قيام الحزب بتسليمها إلى الجيش اللبناني فإن المرحلة المقبلة تقتضي أن يقبل الحزب بأن تكون كامل الحدود اللبنانية تحت سيطرة الجيش وحده. ولا شك في أن المرحلة المقبلة تقتضي أن يسلِّم الحزب سلاحه إلى الجيش كما سلّم المواقع.
ليست المعركة الأولى التي يخوضها الجيش ضد الإرهاب والإرهابيين. ولكنها ربما المعركة الأولى التي تحظى بكل هذا الإنتظار وبكل تلك التغطية والتي ستبنى عليها حسابات كثيرة ونتائج كثيرة.
في سياق خطته لتضييق الخناق واسترجاع نقاط استراتيجية أحكم الجيش الطوق حول عرسال وعزل جرودها بشكل نهائي بعد مغادرة آخر حافلة لمسلحي “سرايا أهل الشام” حيث دخلت قواته وبدأت بالانتشار في منطقة وادي حميد وأطراف سهل عجرم. وقد اعتمدت القيادة أسلوبًا جديدًا في تأمين التغطية الإعلامية لكي تبقى العمليات العسكرية بعيدة عن “الطبل والزمر” من أجل أن يكون هذا النصر نظيفاً وعسكريًا بكل ما للكلمة من معنى لكي تكون القيادة هي المصدر الأكيد والوحيد لهذه المعلومات، وقد بدأت بالفعل بتعميم هذا الأسلوب الذي من خلال توزيع الصور والأفلام عن عمليات التقدم والقصف والتمركز والسيطرة على مواقع جديدة بحيث يمكن من خلال ذلك القول إن هناك تقنية عسكرية جديدة معتمدة تقوم على تصوير القذيفة عند انطلاقها وعند سقوطها على الهدف وهي بذلك تؤمن تغطية إعلامية بخلفية عسكرية من خلال اعتماد التصوير الجوي لتصحيح الرمايات المدفعية والتأكد من إصابة الأهداف وتدمير “العدو”، وبالتالي هذا ما يسمح لوحدات الجيش على الأرض بالتقدم والتمركز من دون أن تكون معرضة لتكبد خسائر بشرية مما قد يؤدي في النتيجة إلى أن يتم تحرير المنطقة بأقل عدد ممكن من الشهداء العسكريين.
يختلف هنا الوضع مثلا عما كان عليه في معركة نهر البارد التي بدأت في 20 أيار 2007 وانتهت عمليا في 7 أيلول وبلغ عدد شهداء الجيش فيها 168 شهيداً من بينهم 14 ضابطاً وهي نسبة عالية، وهذا ما يؤشر على أن الضباط كانوا في طليعة القوى المهاجمة ما يؤكد ثقتهم بالنفس وشعورهم بالمسؤولية، كما يؤشِّر إلى مهنيتهم العالية. وبلغ عدد الجرحى حوالى 2400 جريح من بينهم 1000 عسكري أصيبوا بجراح أكثر من مرة واحدة، أما عدد الإصابات البليغة فقد بلغ 200 إصابة وذلك وفق ما جاء في تقرير عسكري.
في معارك نهر البارد لم يكن الجيش مهيأاً للمعركة التي انفرض عليه توقيتها بسبب العمليات التي كانت تعد لها جماعة “فتح الإسلام” بقيادة شاكر العبسي وهي تشبه في تركيبتها الإيديوليوجية والدينية تنظيم “داعش” وكانت تضم نحو 400 مسلح. كان هذا التنظيم متحصناً في مخيم نهر البارد وحاول أن يخرج منه إلى مناطق أوسع وكان لا بد من مبادرة الجيش إلى طرده أولاً من مواقعه خارج المخيم وحصاره في داخله قبل استكمال القضاء عليه في مهمة عسكرية تطلبت الكثير من التضحيات لأن الجيش لم يكن قد تحضر لوجستيًا وعسكريًا بما يكفي لهذه المهمة وهذا ما يفسر حجم الخسائر التي تكبدها.
في جرود القاع وراس بعلبك هناك أيضًا، بحسب التقديرات، أكثر من 400 مسلح من تنظيم “داعش”، ولكنهم ينتشرون في مواقع مكشوفة في الجرود وإن كان بعضها محصَّناً أو كناية عن أنفاق. وإذا كانت معركة نهر البارد تطلبت أيضًا إخلاءه من قاطنيه فإن الجرود خالية من السكان ولا وجود فيها إلا للمسلحين وهذا ما يعطي الجيش قدرة أكبر على الحركة والتصرف لأن كل ما يتحرك في المنطقة يصبح هدفاً مشروعًا، بالإضافة إلى أن لا أبنية يحتمي فيها المسلحون ولا شوارع ضيقة تشكل حواجز طبيعية أمام تقدم الجيش. وهذه ميزة عسكرية توضع في خانة الإيجابيات لمصلحة الجيش.
ولذلك فإن المعركة ضد تنظيم “داعش” ستجري “على مراحل”، والمسألة ليست مسألة أيام وإنما “أسابيع”… صحيح أن الجيش اللبناني يتطلع الى نصر حاسم في أسرع وقت وبأقل كلفة ولكنه يفضل معركة أطول بخسائر أقل. وإذا كان هناك من يضع مقارنات بين المعركة ضد “جبهة النصرة” وبين المعركة ضد “داعش” فإن هذه المقارنة تحتاج إلى تدقيق ومراجعة.
يعتبر البعض أن المعركة مع “داعش” أكثر صعوبة من المعركة مع “النصرة” لأن الطبيعة الجغرافية لجرود القاع ورأس بعلبك تعتبر صلبة ووعرة أكثر من جرود عرسال وفيها مرتفعات عالية أقام فيها تنظيم “داعش” خلال أعوام منظومة دفاعية وبنى تحتية وتحصينات. ولكن طبيعة الأسلحة والتركيبة العسكرية التي يمتلكها الجيش هي غير تلك التي استخدمها “حزب الله”. والإختلاف في طبيعة الأرض يعني اعتماد خطط مختلفة للتعامل معها ولا يعني أن العمليات ستكون أصعب حتمًا.
يعتبر البعض أيضًا أن مقاتلي “داعش” أكثر “شراسة” من مقاتلي “النصرة” مع أن تسليحهم أقل نوعية وضراوة. وهذه “الشراسة” في القتال مرتبطة بجملة عوامل منها الخبرة العسكرية المكتسبة في العراق وسوريا، و”النزعة الانتحارية”، وانسداد أفق التسوية التي تؤمن لمقاتلي “داعش” على غرار مقاتلي “النصرة” انسحابًا آمناً، ما يدفع بهم الى القتال حتى الرمق الأخير بعدما أصبحوا عمليًا أمام احتمالين: الموت أو الاستسلام لأن لا طريق أمامهم للإنسحاب ولأن التسوية مع “النصرة” كانت بدأت قبل المعركة. ربما هذا صحيح ولكن المناطق التي يسيطر عليها “داعش” قياسا إلى عديده وتسلحه تصبح أكثر عرضة للإختراق لأنه لن يتمكن من تأمين انتشار واسع يمكّنه من الدفاع عنها، ولأن هذا الأمر يعرِّضه لخسارة مواقعه واحدًا بعد آخر في عمليات قضم ناجحة سيتولاها الجيش. وإذا كان هذا التنظيم لا يجد منطقة ينسحب إليها فهذا العامل هو لمصلحة الجيش لأن سقوط “داعش” في الموصل واقتراب سقوطه في الرقة يقطعان الأمل أمام هذا التنظيم في جرود القاع وراس بعلبك وربما يسرِّعان في انسحابه من لبنان إلى داخل الحدود السورية ليخوض المعركة من هناك ضد “حزب الله” وجيش النظام السوري.
وإذا كان هناك من يعتبر أن توضيح مصير العسكريين المخطوفين وتقديم الدليل الحسِّي على وجودهم أحياء وفي أي منطقة في الجرود أم في الرقة هو الورقة التفاوضية الوحيدة في يد “داعش”، فإن هذه الورقة ساقطة حكمًا طالما أن المعركة هي التي ستكشف الحقيقة كاملة سواء من خلال الوقائع والأدلة التي ستتوفر على الأرض وربما من خلال الأسرى الذين سيقعون في قبضة الجيش، وبالتالي لا يمكن أن تكون هذه الورقة نقطة ابتزاز للجيش.
هذه المعركة مهمة جدًا للجيش اللبناني وللبنان وهي استراتيجية بالكامل في مغزاها ونتائجها، لأنها ستؤكد جهوزية الجيش وقدرته على الدفاع عن لبنان وحدوده، وعلى قدرته على أن يكون شريكاً في التحالف الدولي ضد الإرهاب وفي الحصول عن استحقاق وجدارة على دعم المجتمع الدولي. ولأنها كذلك فإن ساعة النصر ستكون قريبة واللبنانيون سينتظرون تحديد الساعة التي سيحتفلون فيها بهذا النصر. وإذا كان الجيش اللبناني سيتقدم ويتمركز على الحدود مع سوريا فإن هذا التمركز سيجعله حارسًا لهذه الحدود من البحر عند العريضة في الساحل الشمالي إلى وادي خالد في أعالي عكار إلى جرود القاع وراس بعلبك والفاكهة وإلى جرود عرسال وصولا إلى المصنع ومن المصنع إلى راشيا وشبعا ومزارعها وعلى طول الخط الأزرق إلى جانب القوات الدولية، ليستكمل بذلك رسم الطريق نحو وضع النقاط على كامل الحدود. وعندها يكون احتفال النصر الكبير بعودة لبنان إلى لبنان.
- للإشتراك في “المسيرة” Online:
- http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]