
انطلاقا من السجال والاستفزازات التي انتهج خطها بعض الوزراء ولا سيما التابعين لما يسمى محور الممانعة، بموضوع زيارة دمشق وانطلاقا من الحكمة التي تحلى بها فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في عدم ذهاب وزير الاقتصاد رائد خوري الى معرض دمشق، وحيث انه بات من الضروري تذكير البعض بثوابت سياسية ودستورية كانت في اساس بداية عهد جديد واعد وهادف، ندلي بالاتي:
اولا: المادة (65) من الدستور على اناطة السلطة الاجرائية بمجلس الوزراء – ومن ضمن صلاحياته الاجرائية – هو الذي يضع السياسة العامة للدولة في جميع المجالات ويقرر الاتفاقات والمعاهدات…
ونصت المادة (64) من الدستور على ان رئيس مجلس الوزراء هو رئيس الحكومة ويعتبر مسؤولا عن تنفيذ سياستها العامة التي يضعها مجلس الوزراء… وهو الذي يطرح السياسة العامة للحكومة امام مجلس النواب لنيل ثقة الشعب بناء على بيان وزاري.
وبالعودة الى البيان الوزاري لحكومة استعادة الثقة، جاء فيه بوضوح:
“وحق دستورنا علينا أن نعيد تأكيد ثقتنا به، وبوفاقنا الوطني المكرس باتفاق الطائف، وبنظامنا الديموقراطي، وبقدرتنا جميعا على حل أي مشكلة تواجهنا، عبر الحوار، ولا شيء غير الحوار، تحت سقف المؤسسات الدستورية وروح الميثاق”…
“…ان الحكومة تلتزم بما جاء في خطاب القسم لفخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون من ان لبنان السائر بين الألغام لا يزال بمنأى عن النار المشتعلة حوله في المنطقة بفضل وحدة موقف الشعب اللبناني وتمسكه بسلمه الأهلي. من هنا ضرورة ابتعاد لبنان عن الصراعات الخارجية ملتزمين احترام ميثاق جامعة الدول العربية وبشكل خاص المادة الثامنة منه مع اعتماد سياسة خارجية مستقلة تقوم على مصلحة لبنان العليا واحترام القانون الدولي حفاظا على الوطن ساحة سلام واستقرار وتلاق”…
فبناء على الملاحظات اعلاه نستخلص:
أ – ان مجلس الوزراء مجتمعا هو من يقرر سياسة الحكومة العامة في شقيها الداخلي والخارجي وليس قرار اي وزير او حزب مهما علا شأنه ومهما كانت مصالحه الشخصية او السياسية او الحزبية.
ب – ان الحكومة الحالية التزمت بالناي بنفسها عن اي تدخل في الصراعات الخارجية ومن اوجه التدخل ابراز انحياز فريق الى محور ضد محور اخر، في حين ان المحورين ممثلين في الحكومة والتركيبة اللبنانية، ما يعني ان اي تفرد من اي وزير في اتخذا قرار ينافي مبدأ الناي بالنفس الذي تضمنه بيان الحكومة الوزاري وخطاب قسم فخامة الرئيس انما هو طعن للدستور ومخالفة واضحة له وللعهد ثانيا وللحكومة وثالثا للبنانيين الذين اعطوا الثقة للحكومة بناء على سياستها العامة المعلنة والموثقة في البيان الوزاري.
ج – ليس على المعترضين على زيارات دمشق ان ينسحبوا من الحكومة لان ذنبهم الوحيد التزامهم بالدستور والبيان الوزاري وخطاب القسم، بل على المخالفين للدستور والبيان الوزاري وخطاب القسم ان ينسحبوا منها.
ثانيا: فيما يعلن من اجتهادات متسرعة ومسيسة بين الحين والاخر حول سيادة الوزير على وزارته وتفسير تلك السيادة بمفهوم مطاط واسع يصل الى حد الخروج عن المبادىء القانونية والدستورية: لا بد من توضيح – ان الوزير بموجب الدستور ولا سيما المادة (66) منه “…يتولى ادارة مصالح الدولة ويناط به تطبيق الانظمة والقوانين … بما يتعلق بالامور العائدة الى ادارته وبما خص به … ويتحمل اجماليا تجاه مجلس النواب تبعة سياسة الحكومة العامة…”
وبموجب مبادىء القانون الاداري اللبناني: الوزير رأس التدرج الهرمي في وزارته ويتمتع بكافة السلطات الادارية بالنسبة لمرؤوسيه وله اصدار الاوامر والتعليمات بشأن تنظيم العمل في وزارته… فالوزير هو الرئيس الاعلى لوزارته ولكافة المرافق العامة التابعة لوزراته … بينما المدير العام في الوزارة وبموجب المادة (7) من المرسوم الاشتراعي رقم 111 الصادر في 12/6/1959 وتعديلاته – المدير العام هو الرئيس المباشر تحت سلطة الوزير لجميع الدوائر وجميع الموظفين التابعين له… وهو يتولى الادارة الفعلية للوزارة لانه ليس موظفا سياسيا كالوزير الذي لا يثبت في الوزارة بل يتغير بتغير الحكومات او المعادلات السياسية العامة في البلاد كالانتخابات العامة وتشكيل حكومات جديدة…
(مراجعة مبادىء القانون الاداري العام للدكتور محي الدين القيسي – طبعة 1999 – منشورات الحلبي الحقوقية – ص .32-33 )
فبناء على الملاحظات اعلاه نستخلص :
أ – ان الوزير موظف سياسي ومركزه سياسي مرتبط بموقعه في السلطة الاجرائية الممثلة دستوريا بمجلس الوزراء، وهو المسؤول عن تنفيذ سياسة الحكومة العامة فيما يتعلق بوزارته وبالتالي ليس هو من يحدد سياسة وزارته العامة بل هو رئيس وحدة ادارية مولج بتطبيق القوانين والانظمة الصادرة عن السلطات الاجرائية والتشريعية في وحدته وعلى العاملين فيها.
ب – ان السياسة العامة للحكومة تتجلى دستوريا من خلال وضع مشاريع القوانين والمراسيم التنظيمية واتخاذ القرارات اللازمة لتطبيقها (المادة 65) من الدستور – ما يعني ان الوزير عندما يتولى الادارة العليا لوزارته – يتولى معها الالتزام بتطبيق سياسات الحكومة التي تتحول الى قوانين ومراسيم تنظيمية ويكون له دور اساسي في مناقشة السياسية العامة داخل الحكومة وابداء اقتراحاته ومشاريعه كافة ويعود ويلتزم بقرارات مجلس الوزراء المتخذة وفق الشكل الدستوري المطلوب للاغلبية، فاما يوافق واما يستقيل ان لم يكن موافقا على تلك السياسات الحكومية العامة.
فالسياسة العامة للحكومة في المفهوم الدستوري والاداري تعني التوجهات السياسية العامة او الخطة السياسية والوطنية العامة التي تضعها الحكومة والتي تبقى من دون قيمة ان لم تترجم بمراسيم صادرة عن رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء عملا باحكام المادة (24) من الدستور حكم محكمة التمييز اللبنانية (الغرفة الادارية ) رقم 127 تاريخ 29/12/1951.
ج – ان مبدا التضامن الوزاري في تحمل تبعات سياسة الحكومة، (المادة 66) من الدستور تعني فيما تعنيه عدم تفرد اي وزير بقرار او تصرف خارج اطار مجلس الوزراء خصوصا متى ما لم يتأمن للقرار اجماع او اغلبية وفقا لنص المادة (65) من الدستور، لان اي تصرف من اي وزير يحاسب عليه برلمانيا وبالتالي ليحاسب، يجب ان يكون متضامنا مع حكومته والا اعتبر مرتكبا مخالفة دستورية وقانونية شخصية يتحمل تبعاتها شخصيا امام الحكومة والشعب والدستور.