
كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1624:
ما نُقل من أجواء مناقشات حوار قانونَيْ السلسلة والضرائب في القصر الجمهوري، كان كافيا للجزم بأن الرئيس لن يرد أيا من القانونين، بل إن المعالجة ستتم عبر نشرهما في الجريدة الرسمية، على ان يصار الى تقديم اقتراحات قوانين معجلة مكررة في مجلس النواب لإقرارها سريعاً وتصحيح الشوائب وسدّ الثغرات. وبحسب عدد من المشاركين في الحوار فإن السلسلة سلكت طريقها عمليا إلى التطبيق وكذلك القوانين الملحقة. وبالتالي فإن المسألة اليوم ليست بتطبيق السلسلة بل بما قد ينتج عن هذا التطبيق من ارتفاعات في الأسعار والأقساط. وكان اتحاد المؤسسات التربوية الخاصة بدأ البحث في تحديد نسبتها حتى قبل صدور قانون السلسلة عن المجلس النيابي.
يُشكّل التعليم الخاص 70 في المئة من التعليم في لبنان. من هنا أهمية متابعة اتجاهات قرار زيادة الأقساط التي يحكى عنها للعام الحالي. وثمّة من الإقتصاديين من يؤكد أن مسألة انفلات الأسعار ورفع الأقساط وقضم القدرة الشرائية للمواطنين، ليست بهذه البساطة. ويحذّرون من وقوع اللبنانيين فريسة الشائعات والبلبلة الناتجة عن مجموعة من العوامل والأسباب وليس فقط عن إقرار قانون السلسلة بذاته.
بين الواقع والشائعات
العاملان الأساسيان اللذان يتحكمان بمستوى معيشة اللبنانيين ويشكلان مصدر قلق لهم، هما بلا منازع، الأقساط المدرسية وأسعار السلع عموما، والمواد الغذائية والإستهلاكية على وجه التحديد. وقد دار الحديث فعلا عن أن المتاجر بدأت بتغيير الأسعار ووضع تسعيرات جديدة تختلف نسبة الزيادة فيها بين سلعة وأخرى ومتجر وآخر، تبعا لنوعها ولمصدرها. فما حقيقة ذلك؟
مصدر في وزارة الإقتصاد أكد لـ«المسيرة» أن ما يتم تناقله عن ارتفاعات جنونية في الأسعار أمر غير دقيق إطلاقا ولا يمت إلى الواقع بصلة. ولفت إلى أن فرق الوزارة على ضآلة عدد أفرادها، تواصل جولاتها على الأسواق ولم تسجل تلاعبا في الأسعار. وأكد أنها مزودة بتعليمات مشددة لاتخاذ الإجراءات الرادعة المناسبة عند ضبط أية مخالفات من هذا النوع. ولفت إلى أن ما تعود به فرق المراقبة من تقارير لا يدعو إلى القلق وإن كانت هناك بعض المخالفات المحدودة التي يجري العمل فورا على تسويتها وضبطها.
ويشير في مكان آخر إلى أن ما يجدر التوقف عنده وتسليط الضوء عليه هو أن الأوكازيونات والتخفيضات التي يعلنها العديد من المتاجر، تنفي ما يشاع عن ارتفاعات في الأسعار بعد إقرار السلسلة. ويتفق ذلك مع ما يشير إليه الخبراء الإقتصاديون من أن تراجع القدرة الشرائية لدى المواطنين متأثرا بالتردي المتراكم في الوضع الإقتصادي على مدى سنوات، وبالتالي تراجع الإقبال السياحي عن الوتيرة التي اعتاد عليها اللبنانيون حتى في أحلك الظروف، مع ما يرافق ذلك من تراجع في الإنفاق وفي الطلب على الخدمات والسلع المختلفة، كل ذلك لجم التجار ودفعهم إلى عدم رفع الأسعار بل إلى تخفيضها في بعض الأحيان. ويضيف الخبراء أن القاعدة الإقتصادية بين العرض والطلب معروفة، بغض النظر عن العوامل الأخرى. ومؤخرا تراجع الطلب كثيرا ما جعل العرض غير متوازن معه، ما لم يسمح للتجار برفع الأسعار. وبالتالي فإن الحديث عن أسعار جنونية مبالغ فيه، إلا إذا كان الأمر يتصل بحالات خاصة غير قابلة للتعميم.
زيادات ومزايدات
ما ينطبق على الأسواق التجارية لا يسري طبعا على قطاع التعليم الخاص حيث بدأت المؤسسات التعليمية الخاصة البحث في زيادة الأقساط. وقد باشرت تلك المؤسسات مناقشة نسبة الزيادة التي ستفرضها على أقساط العام الدراسي 2017 – 2018 بالتزامن مع بدء المجلس النيابي مناقشة بنود السلسلة وحتى قبل التصويت عليها وإقرارها، وقبل أن تصبح نافذة حتى.
الأمين العام للمدارس الكاثوليكية الأب بطرس عازار اعتبر أن كل زيادة في رواتب الاساتذة في القطاع الخاص ستزيد اقساط المدارس، لافتا إلى أن الدولة ستدفع للمعلمين من القطاع العام الزيادة في سلسلة الرتب والرواتب، بينما دفع زيادة الرواتب في القطاع الخاص سيكون من خلال زيادة الاقساط. وقال، إن اتحاد المؤسسات التعليمية الخاصة يدرس الزيادات على الاقساط المدرسية، لتحديد نسبتها علما أنها ستتفاوت بين مدرسة وأخرى.
ولكن ماذا عن النسبة التي يشاع أنها ستصل إلى 27 في المئة وربما أكثر في بعض الحالات؟ يجيب الأب عازار بأن القانون 515 هو الذي يحدّد أية نسبة يمكن أن تضاف إلى الأقساط، لافتا إلى أن مشروع الموازنة تقدمت به المدارس الكاثوليكية منذ آذار الفائت ولم تتم دراسته أو تعديل أرقام فيه، وهو تضمن زيادة تراوح بين 25 في المئة و30 في المئة.
هذا التوجه كان قوبل بحملة رفض من جهات مسؤولة عدة. فوزير التربية والتعليم العالي مروان حماده شدد على عدم القبول بأية زيادات، وأن على مسؤولي المؤسسات التربوية الخاصة وجوب التزام مضمون القانون 515 الرامي الى تنظيم الموازنة المدرسية ووضع أصول تحديد الأقساط في المدارس الخاصة غير المجانية، من خلال أحكامه التي توزع الأعباء والرواتب والإنفاق على التطوير ضمن الموازنة المدرسية. ودعاهم إلى عدم المبادرة إلى زيادة الأقساط في المدارس.
نقيب المعلمين في المدارس الخاصة رودولف عبود أوضح لـ«المسيرة» أن البحث جارٍ سواء في النقابة أو مع إتحاد المؤسسات التربوية الخاصة لتحديد القرار الأنسب على هذا الصعيد. واعتبر عبود، أن ما أشيع عن نسب زيادة مرتفعة يتم بحثه في العمق، لأنها غير مدروسة وغير علمية. وإذا كانت هناك حاجة لزيادة موضوعية، فإن ذلك يجب أن يستند إلى دراسة مبنية على أرقام الموازنات التي ترفعها الإدارات لمصلحة التعليم الخاص في وزارة التربية، وإلا إشراكنا كنقابة في الإطلاع على الموازنات، واتخاذ قرار مشترك.
أرقام قيد الدرس
مصدر في وزارة التربية حذّر من أنه في كلّ مرّة رفعت المدارس أقساطها، كانت الحجّة أن هذا الأمر إحترازي في حال تمّ إقرار سلسلة الرتب والرواتب مع مفعول رجعي من دون أيةّ ضمانة على أن تكون هذه الزيادة هي على رصيد الأهالي في حال لم يتمّ إقرار المفعول الرجعي. ويشير مصدر في الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية إلى أن الزيادة ليست ثابتة على نسبة 27 في المئة، بل إن الأمر قيد الدرس لتحديد النسبة المستندة إلى محددات علمية وبموافقة لجان الأهل. لكن هذه اللجان هناك من لا يثق بدورها لأسباب عديدة، منها أنها في الغالب تكون محتضَنة من إدارات المدارس فيجري استيعابها وتدجينها، ومنها ما تكون شكلية وغير فاعلة ولا تمثل حقيقة توجهات الأهل بسبب تدني نسبة المشاركين منهم في اختيارها.
فالقانون 515 الخاص بتنظيم الموازنة المدرسية، ينص على دور تمثيلي محوري للجان الأهل في مراقبة الموازنة السنوية للمدرسة ومناقشتها والتدقيق فيها، لكن هذا الدور لا يؤدّى بالشكل الأمثل. كذلك ينص القانون على أن من لا يشترك في الجمعيات العامة للجان الأهل، لا يحق له الاعتراض على ما يصدر عن هذه الجمعيات، علما أن المشاركة غالبا ما تكون معدومة أو ضعيفة، وهذه ثغرة في الممارسة الرقابية تفوّت على الأهل إمكانية التأثير في الحد من رفع الأقساط.
وعليه فالزيادات المعلن عنها إذا طُبّقت ستُشكّل عبئًا ثقيلًا على موازنة الأسر. ويشير عضو في لجنة أهل إحدى المدارس الخاصة إلى أنه في حال إقرار الزيادة فإن أكثر من نصف مدخول العائلات المتوسطة الدخل سيذهب للإقساط المدرسية، وهو ما لاطاقة للعائلة على تحمله. علما أن العديد من السلع والمصاريف سيرتفع الإنفاق عليها بما يتماشى مع الزيادات الأخرى. وهذا طبعا من دون ثمن القرطاسية والملابس والملحقات الأخرى والأوتوكار والتي لا تدخل جميعها ضمن القسط المدرسي، في حين أنها تشكل نسبة لا بأس بها من الإنفاق العائلي على التعليم.
في السياق عينه يشير مصدر في وزارة التربية إلى أن المدارس زادت أقساطها في السنوات الماضية أكثر من مرّة. وفي حال اعتماد زيادة إضافية عن العام الحالي، تكون الثالثة بحجة سلسلة الرتب والرواتب التي لم تصبح نافذة بعد. ويقول: في الشكل، تقدم المدارس موازنات صحيحة تحت سقف القانون 515 أي إنّ المبالغ المرفوعة إلى مصلحة التعليم الخاص في وزارة التربية تتوزع بين 65 في المئة على الأقل للرواتب والأجور وملحقاتها، و35 في المئة على الأكثر نفقات تشغيلية. أما في الجوهر، فالمدارس تتلاعب بالأرقام وتعتمد المبالغة في معظمها لتضمن لنفسها أرباحاً، تحت ستار القانون 515. ويلفت إلى أن المدارس كانت ترد في كل مرة تُسأل عن تبرير زيادة الأقساط، بأن هذه الزيادة هي احتياطية حتى لا نفاجأ عند إقرار السلسلة. وفي حال عدم إقرارها فإن المبالغ المحصّلة تبقى لحساب مدفوعات الأهل، وهذا ما لم يحصل. فبعض الأهالي في عدد من المدارس بدأوا منذ 3 سنوات دفع سلفة على السلسلة في بند مستقل عن الموازنة المدرسية، وهم يرفضون تحمّل أية زيادة مع إقرار السلسلة، بل إن البعض يطالب بإجراء الحسابات، إذ يمكن أن يكون ما دفعوه قد تجاوز الزيادة في السلسلة.
ويضيف أن المدارس الخاصة رفعت أقساطها بين العامين الدراسيين 2008 ــ 2009 و2013 ــ 2014 بمعدل يفوق الـ 50 في المئة، فيما لم تحصل خلال السنوات الخمس أية زيادة على أجور المعلمين، ما عدا سلفة على غلاء المعيشة في العام 2012 ولم تدفعها جميع المدارس، ما ينسف حجة أنّ الأجور هي السبب في رفع الاقساط. وباحتساب الأرقام، يتبين أن المعدل الوسطي العام للزيادة المحققة على الأقساط في هذه المدارس بلغ اكثر من 10 في المئة سنويا. وراوحت قيمة الزيادة بين مليون و230 ألف ليرة، و4 ملايين و400 ألف ليرة.
واللافت أنه في كل مرّة تُحقَّق زيادة معينة على الأقساط يتبين أنها تكون أعلى مما يدفع كأجور للمعلمين. وهناك مدارس ستتخطى أقساطها الـ 10 ملايين ليرة بعد الزيادة. من هنا أهمية وجود الضوابط القانونية لمراقبة أحقية وعدالة أية زيادة على الأقساط في العام الدراسي الحالي 2017/2018. وذلك فضلا عن مراقبة أسعار الكتب والقرطاسية التي تبيعها المدارس، والتي لا صلاحيات لوزارة الإقتصاد والتجارة لمراقبتها والتدقيق فيها.
نماذج من الزيادات في بعض المدارس الخاصة المعروفة بين العامين 2010 و2016
- مدرسة خاصة في بيروت: القسط الدراسي في العام 2010 يساوي 7 ملايين و400 ألف ليرة. ووصل في العام 2016 بعد الزيادات إلى 10 ملايين و700 ألف ليرة أي بزيادة متراكمة فاقت الـ 50 في المئة.
- مدرسة خاصة في بعبدا: القسط الدراسي في العام 2010 يساوي 5 ملايين و600 ألف ليرة. ووصل في العام 2016 بعد الزيادات إلى 7 ملايين و450 ألف ليرة أي بزيادة متراكمة بلغت حوالى الـ 47 في المئة.
- مدرسة في المتن الشمالي: القسط الدراسي في العام 2010 يساوي 6 ملايين و400 ألف ليرة. ووصل في العام 2016 بعد الزيادات إلى 9 ملايين و600 ألف ليرة أي بزيادة متراكمة بلغت 50 في المئة.
- مدرسة في كسروان: القسط الدراسي في العام 2010 يساوي 3 ملايين و650 ألف ليرة. ووصل في العام 2016 بعد الزيادات إلى 5 ملايين و110 آلاف ليرة، أي بزيادة متراكمة بلغت 40 في المئة.
- للإشتراك في “المسيرة” Online:
- http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]