
ما زلت أتذكر عندما كان يؤمّ الكويتيّون لبنان (بلدهم الثاني) وفي مقدّمهم أمير الكويت ليقضوا فصل الصيف في لبنان. كثيرون منهم يمضون نصف السنة في بلادهم، والنصف الآخر في ربوعنا. عشقوا اللبنانيين كأشقاء ففتحوا لهم قلوبهم، واستقبلوهم في ظهرانيهم، مدرّسين، وموظفين، ومستثمرين، وعمالاً، كما هو الأخ السخي يستقبل اخوته. إنها الكويت المضيافة، الرحبة، بأرومتها العربية، ليس للبنانيين فقط بل لكلّ العرب. لكنّها كانت المميّزة بديموقراطيتها عن بلدان كثيرة استبدّت بها الدكتاتورية وتمكن منها الاستبداد: من النظامين البعثيَّين في العراق وسوريا ، الى جماهيرية القذافي، وعشائرية علي صالح، لتنضاف الى هذه الدول الشمولية ما سمّي ثورة الخميني وتابعه خامنئي… كانت تشبه لبنان: على حدودها صدّام، ونحن على حدودنا حافظ.. هنا المطامع التوسعية “العربية”، وهناك المطامع الفارسية…
وبالرغم من هذا الحصار، كانت تسمى الكويت “بيروت الخليج”، بنظامها الأميري الدستوري، وبرلمانها المنتخب، وحكوماتها المؤسَّسة على التعدّدية ؛ والصراع السياسي تحت مظلة القانون والتصويت.
صراع سياسي – إيديولوجي حُر: من قوميين عرب، الى ليبراليين، الى محافظين.. فإلى موالاة تقابلها معارضة. حكومات تؤلف بالطرق الديموقراطية، وتسقط بالطرق الديموقراطية: تداول السلطة كما في لبنان والبلدان الحضارية، والمجتمعات المدنية الحداثية. حريّة صحافة وإعلام وفكر، واحتجاج سياسي وتعبير حي، ونهضة ثقافية تنويرية كبيرة.
وإذا كانت دولة الكويت ، إمارةً وحكومة وشعباً تتميّز عن كثير من المجتمعات العربية، فبوفاء أهلها وسياسييها لبلدهم. وكلنا يتذكّر أن صدّام حسين عجز عن إيجاد رجل واحد يؤلّف حكومة، بعد غزوته الغبية، فرفض كل سياسي كويتي الانضمام الى حكومة المحتل ما عدا واحداً… اعتقل بعدها وحوكم، ثم أبدى توبته! الناحية الأخرى الخاصة جداً بهذا البلد هي الاعتدال، من أميرها الى سكانها، الى شعرائها وفنانيها وكتّابها وصحافييها.. الاعتدال والانفتاح رافقا الكويت على امتدادها، منذ نشوء الدولة وحتى اليوم. إذ إنّها أبدت مثل هذا الاعتدال حتى تجاه من حاولوا التعرض لها، وممّن جاورها، من دول تقوم على الحقد، والتطرف والهيمنة والانتقام، خصوصاً إيران الفارسية، التي تلعب لعبة جهنّمية لتدمير الدول العربية، وإثارة الفتن المذهبية وتهجير أهلها، وتخريب أنظمتها، وشقّ مجتمعاتها. اعتدلت دولة الكويت، بصبر الذين يجافون العنف، والعدوان والحروب.
شرور إيران
لكن وبرغم ذلك لم تنجُ من شرور إيران ، لا هي، ولا البحرين ، ولا الإمارات ، ولا السعودية ، ولا اليمن… وسوريا ، والعراق ولا مصر وصولاً الى لبنان . خريطة الإسلام السنّي العربي تريد إيران إحراقها بمن فيها وعليها. وها هو حزب إيران (الحوثي اللبناني)، ينكشف بعدما أظهرت التحقيقات دوره في تشكيل خليّة العبدلي الإرهابية (والحزب لا يجافي إرهابيّته!) تنظيماً وتدريباً وتسليحاً. وأين كان مسرح تدريب الخلية: الأراضي اللبنانية. إزاء شرور هذا الحزب الحوثي اللبناني بالهوية فحسب، نتذكر المساعدات السخية التي قدّمتها الكويت بعد حرب 2006، عندما استجرّ بها الحزب “بتكليف من خامنئي والأسد” إسرائيل في حرب غبيّة، هجّرت مئات الآلاف من سُكان الجنوب، وأدّت الى سقوط 1300 قتيل وألوف الجرحى، وكبّدت لبنان، بفعل التدمير الإسرائيلي عشرات المليارات من الدولارات، في حين لم تتكبّد إسرائيل سوى 70 قتيلاً (بحسب السيد حسن نصرالله) وبضع عشرات من ملايين الدولارات: ومن هذه الهزيمة المدوّية ارتفعت شارات النصر على أصابع أبطال الحزب: إنّه النصر الإلهي لا يسترجع أرضاً، ولا حفنة تراب.
الكويت ، تجاوزت (مع الإمارات والسعودية) كل هذه التفاصيل ومدّت يد العون للبنان، وشاركت في إعادة بناء ما دمّره العدو في المدن والقرى، ومن دون أي تمييز بين لبناني وآخر، ولا ننسى أنّها عوّمت الليرة اللبنانية التي كانت على وشك الانهيار أمام الدولار!
قرى الجنوب
هذا ما فعلته دولة الكويت لقرى الجنوب التي يحتل بعضها حرس “حزب الله” “الثوري” الإيراني ؛ ونتذكّر أن السيد حسن عندما ظهر على التلفزيونات، شكر إيران على مساعداتها من دون أن يلمح ولو بالإشارة الى الكويت ، أو سواها من دون الخليج. والله السيد ينضح بالوفاء! هذه عاداته أصلاً، أو الأحرى هذه تعليمات مرشده الأعلى، دام ظلّه وظليله.
والواقع أنّ اكتشاف خلية العبدلي ودور إيران (من خلال وكيلها الحصري) لم يفاجئ الكثيرين. فالناس اعتادت غدر هؤلاء، وعقوقهم، أوليس هذا مسارهم الأسود في لبنان. ماذا يريدون من الكويت: ضرب اعتدالها، وانفتاحها وأرومتها الإسلامية والعروبيّة، ليجعلوا منها على مثال ما آلت إليه اليمن (مع حوثيّي إيران)، وسوريا، والعراق (الحشد النازي) تخريب الوشائج الاجتماعية والدينية، وإثارة فتنة مذهبية بين السنّة، والشيعة، وتحطيم نظامها الديموقراطي، وتعدّديتها السياسية والاجتماعية؛ تماماً كما فعلوا (تنفيذاً لحلم إسرائيل) في العالم العربي… الغارق بالحروب والخراب والطائفية والتهجير والدمار.
فإيران اخترعت هذا “المخلوق” الحزبي، الفرانكشتايني، لمثل هذه الأدوار، تماماً كمخلوقاتها العجائبية، من الحوثيين، والحشد الفاشي، والحرس الثوري، وإلى عشرات التنظيمات المتلوّنة بالكراهية، والعنف، والانتقام.
ونظنّ أن بلاد فارس (التي هزمها العرب مرّتين) كأنّها في مختبر تجريبي، كيميائي، وفيزيائي، تخترع نماذج تدمير من روبوتات حزبية على رأسها “حزب الله”، محكومة بالخضوع والطاعة والتنفيذ الآلي: وقد جُرّبت هذه النماذج الهجينة في بلدان عربية عدة، بجيوش مغسولة الأدمغة ومنظمات مأجورة، وأدمغة مقولبة، وشعوبية مدرّبة، تجتاح بها، العالم السني العروبي. فحيثما وجدت دولة سنية – عربية، معتدلة أو غير معتدلة، مذهبية أو غير مذهبية، ديموقراطية أو غير ديموقراطية.. نجد إيران تتسلل إليها، لتخريبها، وتقسيمها، وتفكيك مجتمعاتها، وتحطيم تاريخها!
مختبرات القتل
آخر هذه المحاولات التجريبية كُشفت في الكويت، ليس رداً على تناقضات سياسية، أو تنافسات اقتصادية، أو اختلافات إيديولوجية، بل لأنها دولة عروبية، سنيّة، معتدلة، بقيت معادلاتها السياسية مرنة (ها هي تتوسط بين بعض الدول العربية وقطر)، وحافظت على تعدديتها، ودورها الثقافي العربي، وسلمية نزوعها، كل هذا، قد يكون أسباباً: لكنّ الجوهري أنّها بلاد عربية لم تصل إليها بعد، بربريّة إيران وإرهاب… وحوشها ومسوخها.
والحزب الذي أسّس مختبراته “الجينية” الإجرامية في لبنان ، وأوفد منه مرتزقته الى اليمن (كلنا يتذكّر شريط الفيديو الذي يظهر فيه أحد إرهابيي الحزب وهو يدرّب بعض الحوثيين في اليمن على كيفية الاغتيالات والتفجيرات في المملكة السعودية)، وكم يذكّرنا ذلك بشريط ميشال سماحة الذي حمّله الأسد – قنابل ومتفجرات لتنفيذ مجازر في أهل السنّة اللبنانيين في رمضان. المشهد واحد، والدرس واحد: القتل الجماعي الذي يؤدي الى الفتن المذهبية.
وهل اقتصرت عمليات الحزب على الكويت؟ لا! فله في الإمارات مآثره، وفي مصر، وفي اليمن طبعاً وفي البحرين، لكن “صليبيّته” الجهادية الكبرى موجّهة نحو السعودية: هل هناك مسلم حقيقي في العالم يقصف مكّة المكرّمة، محجّ كل الإسلام في العالم؟ فعلها حوثيّو إيران الكفار، وبصمات الحزب على أيديهم وسلاحهم. فلماذا إذاً يوفّر الكويت؟ وهل وفّر لبنان مع سواه من الميليشيات السابقة: من محاولة تخريب الكويت الى وضع يده على لبنان باعتباره في نظر المرشد الأعلى (دام ظله وظليله)، ولاية إيرانية.
هذه اليوتوبيا الامبراطورية المؤسسة، على نزعة الهيمنة من خلال وهم عريق في عقول بني فارس على بلاد العرب ، لا يقابلها سوى نزعة بني صهيون على تحقيق إسرائيل الكبرى. فشلت هذه الأخيرة فتسلّمت إيران الشعلة الدموية بإقامة “هلالها الصهيوني بامتياز”. كمعادل “موضوعي” وضروري لحلفها مع الكيان العبري. وهذا الكيان يجب أن يبقى مصوناً برموش مرشدي إيران وأطفال أنابيبهم في لبنان وبرموش آل الأسد . وتبادل الاستراتيجيات ضرورة بين أقليّتَين غير عربيّتَين، واحدة تحتل الجولان وفلسطين وأخرى الجزر الخليجية الثلاث: طنب الصغرى، طنب الكبرى وجزيرة أبو موسى، إضافة الى الأهواز (العربية السنية). كما تحتل أجزاء من سوريا والعراق: احتلالان يلتقيان على كراهية عنصرية للمسلمين العرب، وكل ما هو عربي، وكل حبّة تراب عربية، وكل شجرة عربية، وكل تاريخ عربي.
فإذا كان الإحتلالان الصهيوني والإيراني اللذان يتراشقان بالألفاظ للتمويه ويتّفقان على الهدف، يسعيان (بلا طائل طبعاً) الى إقامة كماشة “عنصرية” ومذهبية على بلاد العرب، فلماذا علينا أن نُفاجأ – بمؤامرة يدبّرها أحد الأحزاب، الأذيال للاحتلالين ضد الكويت. أوَليست دولة الكويت منفتحة، تنويرية، حضارية، تؤمن المساواة لسكانها بلا تمييز بين سني وشيعي، وبين ليبرالي وديني؛ أولَم تحتل دوراً ريادياً لها في التنويرية العربية؟ ألَم تكن رمز الاعتدال: فهذا لا ينجيها من مسوخ إيران، بل على العكس، فهذه المواصفات تحرضها على مزيد من الحقد، ومزيد من الإصرار على تدمير كل ما هو حي، ومعتدل، وإبداعي وسلمي فيها: لأن ذلك يشكّل نقيضها: فإيران بلد يقمع أكثرية شعبه، والكويت لم يعرف عنها ذلك. وإيران حطّمت الأرقام القياسية بإعدامات الأطفال والكبار. ومرشدها كما صرّح رئيس جمهوريتها السابق أحمدي نجاد «يذكّر بالشاه المخلوع»، بفساده، واحتكار خيرات البلد لأقربائه وعائلته وحاشيته: الفساد العميم. صحيح أنّ دولة الكويت هي إمارة عائلية، لكن خيرات البلاد يتمتع بها سكانها، وتتمتع بنظام محاسبة قلّما نجد مثله في العالم العربي.
أَلَمُ الأمير
قرأنا في بعض الصحف أنّ أمير الكويت لدى استقباله الرئيس سعد الحريري ، “أبدى ألماً عميقاً”، “ماذا يريد منا هؤلاء. فنحن قدّمنا المساعدات للبنان ولأهلهم في الجنوب، واتبعنا سياسة اعتدال في الصراعات القائمة، فماذا يريدون؟”.. يريدون إصابة عدة عصافير بحجر واحد: تحويل الكويت يمناً آخر، أو سوريا أخرى، أو عراقاً آخر بهذه الآلات الجهنّمية المسمّاة “حزب الله”، والحوثيين والحشد النازي ، والحرس المذهبي الثوري ، وسليماني والجعفري…
ونظنّ أنّ من بين أهدافهم الإمعان في فصل لبنان عن محيطه العربي. وضرب اقتصاده عبر تخريب موسمه السياحي. في الماضي كانت إسرائيل تقوم بعمليات عدوانية في بداية كل موسم صيف. تخلّت عن المهمة، فتنكّبها حزب الحوثيين في لبنان: في بداية كل موسم سياحي، يقوم السيد حسن نصرالله بمهاجمة السعودية والإمارات، وقطر وبلدان الخليج، وتهديدهم، لكي يحول دون مجيء رعاياهم الى لبنان: حصاران عربي – واقتصادي. أولَم يوقّت نصرالله حربه المزعومة مع إسرائيل في تموز؟ لكن، ما نكبر في الكويت (وشعبها)، أنّ أميرها قد أفشل مخططات إيران ، وقال بالفم الملآن: “رغم ثبوت تورّط “حزب الله” في “خلية العبدلي” الإرهابية ، فلن تُتّخذ إجراءت ضد لبنان . وأبلغ دليل حركة السيّاح الكويتيين التي لم تتوقف الى لبنان هذا الصيف”.
ولبنان الذي عانى عدوانيّة الحزب عليه وعلى مؤسساته وعلى رموزه، يتألم أيضاً، بأغلبيته العظمى، عندما يكشف أفاعي الحزب تفحّ على الكويت أو على أيّ بلد عربي: الألم مشترك، لأنّ اللبنانيين خبروا وعلموا أنّ الكويت وبلدان الخليج لم تكن سوى رسل الخير والسلام على بلدهم الثاني لبنان.
أما “حزب الله” الحوثي ، فليس سوى رسُل جهنّم، والشيطان! كل لبناني مخلص، يعتبر الكويت والخليج والبلاد العربية وطنه الثاني… فما أكثر الأوطان العربية، وأشرفها (ما عدا نظام الأسد)، وأسخاها… وما أحقر أعداءها الذي يريدون استبدال أوطانها… بالاحتلال والدم والخراب..