#adsense

وقائع معركة الجرود فرضت نفسها عاملاً سلبياً في دعم لبنان

حجم الخط

كتبت “المسيرة” – العدد 1624: 

مما لا شكّ فيه أن اصطناع ميليشيا “حزب الله” “المعركة المشهدية” في جرود عرسال وانعطافه نحو سلوك خيار التفاوض مع “جبهة النصرة” وتوفير الخروج الآمن لها من منطقة الجرود مقابل الإفراج عن أسراه وجثامين قتلاه، ولجوءه إلى “كاميرات الدرون” لتصوير انتصاره الصوري في هذه المعركة، أظهر حقيقة أدواره التي ينفذها خدمة لأجندته الإقليمية العابرة للوطن.

ولم يصدّق المجتمع الدولي ولا سيما الولايات المتحدة المقولة التي يدعي فيها “حزب الله” إن ما يقوم به هو دفاع عن لبنان، طالما أن المهمة الأساسية في هذا الإطار منوطة حصراً بالمؤسسات العسكرية والأمنية الرسمية ليس في لبنان فحسب بل في كل دول العالم التي يفترض أن تكون سيّدة قرارها في الحرب والسلم، بحيث لا يعقل وفق منطق القانون وسيادة الدول أن تتولى أي ميليشيا هذه المهمة فكيف إذا كانت هذه الميليشيا “حزب الله” المتهمة بأنها منظمة إرهابية على المستوى الإقليمي والدولي.

وانطلاقاً من هذه الوقائع أرسلت واشنطن إشارات واضحة على رفضها لدور “حزب الله” العسكري ببعديه المحلي والإقليمي والدولي، إضافة إلى المضي قدماً في إصدار النسخة الثانية المعدلة من قانون منع تمويل “حزب الله” وملاحقة مصادر تمويله دولياً.

تلخص مصادر متابعة في واشنطن خارطة الموقف الأميركي وفق الوقائع التالية:

أولاً: لقد ترك تزامن معركة جرود عرسال الذي اختارها “حزب الله” مع موعد بدء رئيس الحكومة سعد الحريري زيارته الرسمية إلى واشنطن، استياءً واضحاً لدى الإدارة الأميركية على المستويين السياسي والعسكري، حيث كان لافتاً الموقف التصعيدي الحاد للرئيس دونالد ترامب ضدّ “حزب الله” ليس فقط في مؤتمره الصحافي المشترك مع الحريري، بل من خلال مضمون محادثاته مع الوفد اللبناني، لجهة التركيز على الخطر الذي تشكله إيران وأدواتها في المنطقة ومنها في لبنان. والاستياء الأميركي لم ينطلق فقط من وقائع معركة جرود عرسال بقدر ما يعكس قلقاً واضحاً من دور “حزب الله” الذي سيؤثر سلباً في النهاية على الاستقرار في لبنان، وبالتالي سقوط تبرير تدخله العسكري في دمشق بحجة درء الخطر عن بيروت.

ثانياً: فصلت الإدارة الأميركية بين عملية استكمال فرض العقوبات على “حزب الله” وبين تحركها السريع للردّ على أدواره  العسكرية من منطلق حرصها على الاستقرار اللبناني وعدم تعريضه للانتكاسة إن عبر البوابة السورية أو من خلال أي فتح محتمل لجبهة الجنوب اللبناني من جديد ليس من منطلق الدفاع عن إسرائيل كما يدعي البعض طالما أن لا قدرة للبنان على تحمّل أي انتكاسات أمنية واسعة في ظل ما يعانيه من ضغوطات عدة جرّاء وجود هذا الكم الهائل من النازحين السوريين في أرضه وهو الأمر الذي تدركه واشنطن جيّداً وتحرص على ضمان عدم تعريض لبنان لمخاطر التدهور الأمني.

ثالثاً: على وقع تعزيز الجيش اللبناني لوحداته في محيط عرسال من الجانب اللبناني واستهدافه بعد ذلك المسلحين بالمدفعية خلال معركة “حزب الله” في الجرود أعطى الانطباع في واشنطن ولا سيما لدى وزارة الدفاع الأميركية من أن ذلك شكل دليلاً على تنسيق الجيش المستمر مع “حزب الله”، حيث لم يقتنع المسؤولون العسكريون الأميركيون من تبرير قائد الجيش لدى زيارته الأخيرة إلى واشنطن من أن تنسيق الجيش اللبناني مع “حزب الله” يأتي في سياق العلاقة القائمة بين الجيش وسائر القوى والأحزاب الموجودة في لبنان. وعدم القناعة هذه تنطلق من سببين أولهما إدراك واشنطن لحجم التحرك العسكري لـ”حزب الله” إن في جنوب لبنان، أو من خلال تجواله العسكري المريح بين سوريا ولبنان، وثانيهما أن مثل هذه التحركات بهذا الحجم العسكري الضخم لا تقوم بها أي أحزاب أخرى، وهي  بالتالي لا يمكن أن تحدث إلا بعلم مباشر أو غير مباشر من قيادة الجيش، وهكذا فإن الدور الذي اضطلع به “الجيش اللبناني” في عرسال أعطى الانطباع في واشنطن على دليل تنسيقه المستمر مع “حزب الله”، وهي بالتالي لا تريد أن تكون هذه المعادلة قائمة لأنه منذ العام 2005، توفر الولايات المتحدة مساعدات عسكرية أساسية إلى الجيش اللبناني بقيمة تناهز 85 مليون دولار سنوياً. وفي العام الماضي، تجاوزت المساعدات الأميركية إلى القوات المسلحة اللبنانية 150 مليون دولار. ويعتبر مراقبون في واشنطن أنه على الرغم من التقدير الواسع النطاق الذي يتمتع به الجيش اللبناني لا سيما من قبل القيادة المركزية الأميركية المسؤولة عن منطقة عالمية واسعة ومنها الشرق الأوسط ولبنان، إلّا أن لدى هذه القيادة خطاً أحمر واضحاً لا لبس أو تلاوين فيه، وهو أن تعاون الدول والجيوش التي تتلقى مساعدات خارجية أميركية مع المنظمات التي تصنّفها الولايات المتحدة بأنها إرهابية، مثل “حزب الله” هو أمر محظور ولا تهاون معه.

رابعاً: مع إدراك القيادتين العسكرية والسياسية في واشنطن أن الجيش اللبناني هو مؤسسة وطنية تضمّ عناصر من كافة الطوائف اللبنانية إلا أن هذه المؤسسة تعاني أيضاً من الطائفية ومن تأثير القرارات السياسية على قيادة الجيش. ويتذكر المسؤولون في واشنطن كيف أنه في سبعينات القرن الماضي، عندما أوكلت إلى الجيش اللبناني مهمة شنّ عملية عسكرية ضد الميليشيات الفلسطينية، انقسم الجيش وسط انجرار لبنان إلى حرب أهلية. واليوم يتكرّر المشهد حيث لا يزال الجيش اللبناني عاجزاً من الناحية السياسية عن تنفيذ مهام حساسة ذات بعد سياسي وطائفي، ومنها على سبيل المثال إمكانية وقوفه في وجه “حزب الله” والضغط عليه لتسليم سلاحه، على الرغم من وجود القرارات الدولية ذات الصلة بالقضية اللبنانية، ولا سيما القرارين 1559 و1701، التي تنص على حصر السلاح بالمؤسسات الشرعية وحدها.

خامساً: على الرغم من ذلك تواصل الولايات المتحدة دعم الجيش اللبناني ولا تريده إلا في إطار متماسك يحمي الدولة بحدودها ومؤسساتها، وهي منذ العام  2005 بعد انسحاب الاحتلال العسكري السوري من لبنان زادت إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش دعمها السنوي إلى الجيش اللبناني من مليون وخمسمئة ألف دولار ضمن برنامج التعليم والتدريب العسكري الدولي إلى أكثر من مئة مليون دولار لشراء الأسلحة. ويعرب المسؤولون في الإدارة الأميركية عن أملهم في أن يصبح الجيش اللبناني في النهاية ثقلاً موازناً لـ”حزب الله”، في موازاة مواصلة جهودهم لتحسين قدرات الجيش على مكافحة الإرهاب على الصعيد المحلي، حيث أن تطوّر قدرات القوات المسلحة اللبنانية في فترة ما بعد العام 2005 كان محط تقدير كبار ضباط الجيش الأميركي الذين باتوا ينظرون إلى الجيش اللبناني بأنه أفضل جيش عربي.

وفي انعكاس لهذه الديناميكية تكشف المعلومات انه بعد انتهاء معركة جرود عرسال التي خاضها “حزب الله” أرادت القيادة العسكرية الأميركية تأكيد تصميمها على مساعدة الجيش اللبناني من منطلق رفضها المطلق لأي تعاون بينه وبين “حزب الله” واتخذت في سبيل ذلك سلسلة من الخطوات أولها الإعلان عن وجود قوات أميركية خاصة في بيروت للمساعدة في تدريب الجيش اللبناني حيث لاحظت المصادر هنا في واشنطن أن الجيش اللبناني لم ينف هذه المعلومات بقدر ما أوضح بشكل تفصيلي الزمن الذي وصل فيه هؤلاء المدربون إلى لبنان، وتبع هذا الأمر تزويد الجيش اللبناني بمزيد من المساعدات عبر شحنتين الأولى نزلت في مطار رياق كما جرت العادة، والثانية في مطار بيروت وبقيت طي الكتمان ولم يعلن عنها بشكل تفصيلي.

سادساً: في موازاة الحراك العسكري المزدوج الأميركي عبر القلق من دور “حزب الله” والاستمرار في دعم الجيش اللبناني، تحركت السياسة الأميركية عبر بوابتها الدبلوماسية المؤثرة في الأمم المتحدة من خلال إعلان المندوبة الأميركية في المنظمة الدولية نيكي هايلي بمناسبة الجلسة التي ستعقد هذا الشهر للتجديد لقوات اليونيفيل في جنوب لبنان، أن الولايات المتحدة بصدد التحضير لطلب توسيع صلاحية القوات الدولية ضمن إطار القرار 1701، وركزت بشكل كبير على الخطر الذي يمثله تسليح “حزب الله” وزيادة ترسانته من السلاح والصواريخ.

ويعتبر المراقبون في واشنطن أن الإدارة الأميركية الحالية إذا نجحت في تعديل مهمة القوات الدولية تكون تمضي قدماً في دفع لبنان نحو تحملّ مسؤولياته في تطبيق القرارات الدولية، ويشير هؤلاء المراقبون إلى سلسلة من الملاحظات حول تعامل الحكومات اللبنانية مع هذه القرارات حيث أنها بدلاً من تنفيذها شرّعت في بياناتها الوزارية أسلحة “حزب الله” ومهمة الحزب في مقاومة إسرائيل عبر الالتزام بمقولة جيش وشعب ومقاومة. كما أن واشنطن تدرك مدى حرية تحرك “حزب الله” داخل الأراضي اللبناني، وتعتبر أنه بعد أقل من عام على بدئها بزيادة المساعدات للجيش اللبناني، أي في تموز من العام 2006، شن “حزب الله” غارة عبر الحدود إلى داخل إسرائيل، الأمر الذي أدى إلى مقتل واختطاف عدد من الجنود وإثارة شرارة حرب دامت أربعة وثلاثين يوماً. وخلال هذه الحرب، أطلق “حزب الله” صاروخ أرض-بحر من نوع “سي-802” أصاب وكاد أن يغرق فرقاطة تابعة للبحرية الإسرائيلية من طراز “حانيت” تُبحر على بعد 10 أميال من الشاطئ اللبناني. ولم تتلقَ حانيت تحذيراً مسبقاً للهجوم لأن عناصر من الجيش اللبناني سمحوا لـ”حزب الله” باستخدام الرادار البحري اللبناني لتعقب السفينة واستهدافها. رداً على ذلك، دمرت إسرائيل كافة محطات الرادارات البحرية التابعة للجيش اللبناني.

وعندما انتهت الحرب، وبعد انتشار الجيش اللبناني في الجنوب للمرة الأولى منذ عقود، كانت الآمال معلقة على أن يساعد الجيش في تطبيق القرار 1701 ولكن على مدى السنوات الإحدى عشرة الماضية، لم يعترض الجيش اللبناني سوى عملية نقل واحدة للأسلحة قام بها “حزب الله” عام 2007، في وقت كان قد تم من جديد تسليح عناصر الحزب في الجنوب بالكامل. كما أن الجيش اللبناني لم يقم بأي خطوة لوقف الحركة العسكرية التي قام بها “حزب الله” في بيروت من أيار 2008، وبعد تراجع الحكومة عن القرارات التي اتخذتها بإزالة شبكة الألياف البصرية التابعة لـ”حزب الله” من الجنوب وصولاً إلى بيروت وإقالة قائد جهاز أمن مطار بيروت الدولي استلم الجيش اللبناني عندها بالتنسيق مع الحزب المواقع التي احتلها “حزب الله” في بيروت. ومنذ بداية الحرب السورية عام 2011 تلاحظ المصادر المراقبة في واشنطن أن الجيش اللبناني لم يقم بأي خطوة لردع، أو حتى أنه سهّل، حركة عناصر “حزب الله” وأسلحته من سوريا وإليها.

وسجّل المراقبين أيضاً سلسلة من محطات التنسيق بين “حزب الله” والجيش اللبناني ففي نيسان 2017، جمع “حزب الله” أكثر من اثني عشر صحافياً دولياً في جولة على الحدود اللبنانية مع إسرائيل، عابرين بسهولة عدد من نقاط التفتيش التي تضمّ عناصر من أجهزة الاستخبارات ووحدات الجيش اللبناني، مما يشير إلى درجة عالية من التنسيق. وفي الشهر التالي، سلّم الحزب عدداً كبيراً من مراكزه لمراقبة الحدود السورية إلى الجيش. و في أواخر حزيران، أرسل الجيش اللبناني 150 طالباً من الكلية الحربية لجولة في معرض “حزب الله” الحربي في مليتا، قرب النبطية. ولا يقل عن ذلك سوى التقارير المتواصلة في شأن تبادل المعلومات الاستخبارية بين الجيش اللبناني و”حزب الله”.

في أي حال، وفي ضوء كل ما تقدّم ستواصل الولايات المتحدة دعم الجيش اللبناني عبر المساعدات العسكرية وبرامج التدريب، على أمل تعزيز سلطة الدولة لتشمل كل الأراضي اللبنانية بما يضمن استقرار لبنان وأمنه في ظل ما يحيط به من تطورات مقلقة وحساسة، وبالتالي توصُّل القيادة السياسية في لبنان والعسكرية أيضاً إلى قناعة راسخة وثابتة بضرورة تعزيز سلطات الدولة وعدم التنسيق مع “حزب الله” أو مع النظام السوري لأنه كفى للبنان أن يتلقى الانعكاسات السلبية لغيره من اللاعبين في المنطقة، والحرب التي دارت على أرضه طيلة سبعة عشر عاماً خير مثال ودليل على ذلك.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل