الرافعي لـ «المستقبل»: ننتظر القصاص العادل لا الانتقام
«التقوى» و«السلام»..أربعة أعوام على إرهاب النظام
الزمان: الساعة الواحدة والنصف من ظهر يوم الجمعة 23 آب 2013. المكان: مسجدا «التقوى» و«السلام» في عاصمة الشمال طرابلس. هي صلاة الظهر حيث حشود المصلّين والمتوافدين لبيوت الله المقدسة تتوافد منذ ساعات الصباح. لحظات، ويدوّى فيها انفجار كبير أمام مسجد «التقوى». دقائق معدودة يليه انفجار آخر أمام مسجد «السلام». والنتيجة: 50 شهيداً وأكثر من 400 جريح. وبحسب الخبراء، فإن زنة كل من العبوتين حوالى 175 كلغ من المواد الشديدة الانفجار.
كثيرًا ما غُرست في الأذهان مفاهيم من قبيل أن الوطن يُسقى بدماء أبنائه صغاراً او كباراً، وغالباً ما قامت التربية على فكرة النضال من اجل الكرامة والحرية ومواجهة الأخطار في سبيل الوصول الى الحق، لكن وعلى الرغم من صوابية المقولتين، تبقى للموت رهبة في النفوس خصوصاً عندما يكون المُستهدفون أبرياء من طينة زوّار دور العبادة لا مُغيث لهم للخروج من وسط النار التي يُشعلها الظالمون حولهم، سوى الصلوات والتضرّع إلى الله، ليرأف بحال وطن، يأبى من يدّعون الجيرة «الحسنة» وأصحاب الدعوات إلى «العلاقات المميزة»، إلا إغراقه وأبناءه بالدماء، مرة بإرسال سيارات مفخّخة، ومرّات باستهداف شخصيات لم ترضَ الاستمرار في العيش، تحت حكم الوصايات وإرهاب الاحتلالات. وفي هذه المرحلة، تُستعاد محطة من ذكريات مؤلمة مع نظام، لم يترك حرمة إلا وانتهكها بما فيها بيوت الله.
أمس، حلّت الذكرى الرابعة لتفجيرَي المسجدَين. أربع سنوات والقاتل فار من وجه عدالة لم تُطالب سوى بالإقتصاص من مُجرمين خططوا وأشرفوا، ونفذوا عمليات إعدام بحق أبرياء ظنّوا أن حرمة بيوت الله، قد تُشكّل رادعاً لعمليات القتل والتفجير التي كان يوزّعها النظام السوري على لبنان من دون أي تمييز بين منطقة وأخرى، ولم يكن آخرها كشف شبكة (سماحة – مملوك)، التي أدخلت إلى مخطط الخراب الذي تبنته وحملته من الداخل السوري إلى لبنان، مشروعاً يقضي بزرع عمليات القتل بين الطوائف، على أن يكون يوم الحصاد، فتنة مذهبية وطائفية، تبدأ بالسياسيين ولا تنتهي برجال الدين.
في يوم التفجيرين المشؤومين، أظهرت إحدى كاميرات المراقبة في محيط مسجد «السلام» في طرابلس دليلاً هاماً يُظهر المتهم يوسف دياب وهو يُحاول أكثر من مرة إيقاف سيارة «الفورد» الرباعية الدفع أمام المسجد إلى أن تمكن من ذلك وليغادر بعدها بصحبة شخص آخر على متن دراجة نارية قبل أن يقوم بتفجير السيارة لدى وصوله إلى منطقة الملولة. ولاحقاً، كشفت التحقيقات أن دياب كان زُود من قبل المخططين بوسيلتين للتفجير الأولى هي جهاز لاسلكي للتفجير عن بعد والثانية هي جهاز هاتف خلوي مزود بشريحة لبنانية للإتصال برقم لبناني آخر مزروع في العبوة لتفجيرها. وقد اختار دياب التفجير بواسطة الهاتف الخلوي. أمّا في التفجير أمام مسجد «التقوى»، فقد أشارت التحقيقات إلى أن المدعو أحمد مرعي قد استخدم جهاز تفجير لاسلكي رغم أنه كان بإمكانه أيضاً استخدام تقنية الهاتف الخلوي، لكن الحوار الذي دار بينه وبين بائع العصير، وملاحقة الأخير له ليعيد له ما تبقّى من ثمن العصير، جعله يستخدم الوسيلة الأسرع للتفجير وهي الجهاز اللاسلكي على الرغم من قربه الشديد، من مكان الانفجار.
منذ أربع سنوات، واهالي ضحايا التفجيرين، ينتظرون محاكمة الموقوف الوحيد في هذا الملف في السابع والعشرين من تشرين الأول المقبل على أن ينال ما يستحقه من عقاب، شرط أن لا تقل عن حكم الاعدام، بحسب ما يُطالبون القضاء. وكما هو معلوم، فان القاضي آلاء الخطيب، كان سطّر قرارا اتهامياً في قضية تفجير المسجدين تضمن تسمية ضابطين في مخابرات النظام المخططين والمشرفين على عملية التفجير وهما: النقيب في فرع فلسطين في المخابرات السورية محمد علي علي والمسؤول في فرع الأمن السياسي في مخابرات النظام، ناصر جوبان. كما سطر القرار الصادر مذكرات تحر دائم لمعرفة هويات الضباط المسؤولين عن الضابطين المنفذين الذين أعطيا الأوامر والتوجيهات للضابطين لتنفيذ العملية وملاحقتهم.
واللافت في ما كشفته التحقيقات، أن أوامر تفجير المسجدين، كانت قد صدرت عن منظومة أمنية رفيعة المستوى في مخابرات نظام الأسد، فضلا عن التوقيفات السابقة التي شملت الخلية اللبنانية المنفذة والمؤلفة من 5 اشخاص من جبل محسن وأبرز الموقوفين فيها هو «يوسف دياب» الذي نفذ بيده عن بعد بواسطة جهاز، تفجير مسجد «السلام»، أما باقي افراد الخلية اللبنانية فقد فروا الى سوريا.
الرئيس السابق لهيئة العلماء المسلمين الشيخ سالم الرافعي، يؤكد في حديث إلى «المستقبل» أن «عملية تفجير مسجدي التقوى والسلام، هي واحدة من أبشع الجرائم التي يرتكبها رأس النظام السوري، وهي وصمة عار ستظل تلاحقه حتى آخر يوم من عمره. وفي الذكرى الرابعة للتفجيرين، لا بد أن نؤكد على الروح الحضارية وعلى حس المسؤولية التي أظهرها المُجتمع الطرابلسي الذي لم ينجر لا إلى فتنة ولا إلى الطلب بالثأر، بل ترك الأمور كلها للدولة اللبنانية التي لم تُعط الطرابلسيين حقهم حتى اليوم»، مضيفاً: «حتى بعد ان عرفنا الجهة المُرتكبة والأشخاص الذين قاموا بعمليتي التفجير، لم نسعَ إلى الإنتقام الشخصي مع العلم أنه جرى تهريبهم إلى الداخل السوري بطريقة مُبهمة نوعاً ما. وما نخشاه أن يشمل قانون العفو الموقوف يوسف دياب المُتهم الأبرز بهذه القضية».
ويقول الرافعي: «نعم هناك عتب كبير على الدولة والناس لم يُشفَ غليلها بعد، لذلك نحن ندعو المسؤولين إلى التعاطي مع هاتين الجريميتن من مبدأ إجرام النظام السوري وما كان يفعله في لبنان وما يفعله اليوم في بلده. ونحن ننتظر القصاص العادل لا الانتقام»، مشدداً على أن النظام السوري ومهما ادعى بأنه يُحارب الإرهاب وبأنه مُستهدف هو أيضاً، فهو نقطة في بحر كل هذه الإرتكابات وما فعله هو يوازي حجم كل عمليات الإرهاب التي ارتكبت في سوريا وخارجها«.
وللوجع والقهر، مكان في نفس أبو عشير عبوس الذي فقد ابنه وثلاثة من أحفاده وصهره خلال تفجير المسجدين. ويقول لـ»المستقبل«:»فقدت أعزّ الناس في حياتي في جريمة موصوفة يُحرمها الله ويُجرمها القانون. حتى اليوم لم استطع التقبل أنه يُمكن لأشخاص ان يضعوا حداً لحياة الآخرين عن طريق سيارات مفخّخة. نحن لم نسكت عن الظلم بسبب الخوف، بل أن العيش المشترك هو ما يجعلنا نغض الطرف عن بعض الامور. ومن يتهم طرابلس بالإرهاب، فليأتِ ويرَ كيف هي المعاملة وكيف يكون حسن الجوار«، متمنياً على القضاء، الإسراع بالحكم والنظر إلى حالة الأهالي الذين لم يعودوا يطيقون صبراً على الظالم والقاتل».
كبارة والجسر و«منسّقية» طرابلس يطالبون بالاقتصاص من المجرمين
أعلن وزير العمل محمد كبارة أنه «في 23 آب من العام 2013 تجرّد المجرمون من إنسانيتهم، وتحوّلوا الى وحوش كاسرة، واستهدفوا المصلّين الأبرياء في مسجدَيّ التّقوى والسلام».
وأكد في بيان أمس، أن «دماء الشهداء، ستبقى تلاحق النظام السوري المجرم وزبانيته، الذين خطّطوا ودبّروا ونفّذوا، وهي باقية أمانة في أعناقنا، حتى إحقاق الحقّ، وإنزال القصاص العادل بكل المجرمين».
من جهته، أكد عضو كتلة «المستقبل» النائب سمير الجسر في بيان، أن «طرابلس ستبقى تؤمن بالدولة، ومؤسساتها الدستورية، وقواها الشرعية»، مذكّراً بأن «أربع سنوات مرّت على الجريمة الارهابية المدويّة، التي طالت الآمنين في مسجدَي التّقوى والسلام في طرابلس، والقضية لا تزال عالقة عند نقاط محدّدة، لم تتمكّن العدالة أن تتخطّاها، وتصل الى خواتيمها». وتساءل «متى ينال المجرم عقابه؟».
أضاف: «نريد العدالة للاقتصاص من الارهابيين، ليطمئن الشهداء حيث هم، أن دماءهم لم تذهب أدراج الرياح، بل شكّلت رادعاً لكل من يتربّص بالمدينة وأهاليها شرّاً. نريد العدالة، لأنها السبيل الوحيد لتمتين الانتماء الى دولة، نريدها دولة قانون وعدل وأمان وحرية».
بدوره، عقد مجلس منسقية تيار «المستقبل» في طرابلس، اجتماعه الأسبوعي، برئاسة المنسق العام ناصر عدرة، وأصدر بياناً أشار فيه الى أنه «في مثل هذا اليوم، قبل أربع سنوات، كانت جريمة تفجير مسجدَي التقوى والسلام، على يد الارهاب المنظم الذي لم يقوَ على عزيمة طرابلس وأهلها، الذين يقولون كلمتهم كل يوم بأنهم ماضون في مواجهة الارهاب ومن يصنعه ويصدّره اليهم، وثابتون في المطالبة بسَوق المجرمين الى القضاء، وبأن تأخذ العدالة مجراها».
وإذ وجّه التحية الى «أرواح الشهداء الذين سقطوا»، شدد على أن «قضية إحقاق الحق في جريمة المسجدين هي أولوية الاولويات بالنسبة الى التيار ورئيسه، ولن يهدأ للتيار بال قبل أن ينال المجرمون عقابهم، وأن يكونوا عبرةً لكل من تسول له نفسه الاعتداء على عاصمة الشمال وتهديد أمنها وسلامها».
وختم: «كل الرحمة للشهداء الأبرار، كل التحية لعائلاتهم الصابرة على جرحها، وحمى الله طرابلس وأهلها من كل شر».