فجر الدولة – القاع في الانتصار…

كتبت فيرا بو منصف في المسيرة – العدد 1625:

لم ينم مار الياس ولم يرخ سيفه تلك الليلة. لعله لم يشأ ذلك كي يبقى في الايحاء بأن السيف للبطش بالأشرار فقط،وان نشوة النصر لن تنسيه بانه سيف الحق حين يضرب ضربته المدوية، وفعلها، فعلها مار الياس وضرب الحق ضربته المدوية في القاع حين أعلن الجيش اللبناني تحرير جرودها من الارهابين، فعلها سيف مار الياس وسيف المؤسسة العسكرية، حين حرروا بهجومهم ودفاعهم، ولوحدهم من دون منّة أحد أو ادعاء أحد بمد يد المساعدة له، فعلها وحرر القاع من دواعش الزمان، وفعلها أهل القاع حين نزلوا الى الميدان في عونة قل نظيرها في التاريخ اللبناني الحديث، وتحوّلوا جميعا مع الجيش، الى ما يشبه الجبهة الواحدة للتصدي والصمود. هنا القاع وهنا حصل عرس ما…

«غريبة هالحال من التناغم والتداخل لـ خلقت بين الجيش والناس بالقاع» قال بشير مطر رئيس بلدية القاع. ولعلّ مطر صار رئيس البلدية الاشهر المتنقّل عبر شاشات التلفزيون في لبنان، هنا تصريح وهناك تصريح والقاع تحت أنظار العالم تتلقى وتتفاعل وتعيش أيام المواجهات لحظة بلحظة.

الداخل الى القاع، وخصوصا حين كانت المعارك في أوج عنفها، لا يتوقع الا الساحات الخالية المعجوقة بالخوف، والناس المركونة الى عتم الاختباء والترقّب، لكن ماذا نقول غير أننا قليلي الإيمان إذ إن المفاجأة أن زائر القاع من خارج البلدة، يخال لوهلة وكأن البلدة تتحضّر لمهرجان فني ما، الطرق تعج بالناس وكلهم منهمكون بشيء ما، تغمر البسمة الوجوه، ثمة ما في هذه الوجوه ما يوحي بأن شيئا ما آت لا محال، فرح مؤجل، انتصار محتّم، لعلها المواجهة بحد ذاتها هي التي أدخلت القاعيين في تلك الحال. فلحظة إعلان الجيش انطلاق معركة «فجر الجرود» بدت البلدة وكأنها خرجت لتوها من سجن الانتظار، بدت وكأنها تحررت من ذاك الموت البطيء الطويل لتخرج الى الحياة، الى مواجهة من نوع آخر، لتنتقم إذا جاز التعبير، لشهدائها الذين ارتفعوا على أثر الهجمات الإرهابية التي اجتاحتها العام الماضي، ومن يومها، وربما منذ العام 1978 تاريخ المجزرة المروعة فيها، والقاع في الانتظار لتسترد حق عشرات الشهداء الذين ارتفعوا غدرا وإجراما، وحققت ما تريد. «لكل دمعة أم وبيّ شهيد وولد فقد بيّو ولكل مصاب، القاع بتقدّم هالنصر، ومتل ما قالت أم الشهيد سامر، كل سندويش حضّرتها للجيش كان سامر واقف حدها عم يحضّر معها الأكل، هالانتصار هو رد اعتبار للشهدا والجيش وحدو لـ أخدلنا حقنا من الإرهابيين» يقول مطر، ويذهب مسرعا الى ناسه الذين يحاصرونه بالمحبة والتأييد المطلق لمواقفه الوطنية الشجاعة.

لم تشهد البلدة في تاريخها ما شهدته في الأيام الأخيرة، «صدقيني لـ صار وعميصير بهالفترة بالقاعحلو كتير وقوي لدرجة لا توصف، تصوري كل القاعيين لـ عايشين بـ بيروت رجعوا ع الضيعة تـ يكونوا حدّ الجيش والأهالي والبلدية،والريّس بشير طلب من هالاهالي انو يبقوا هون وما يفلّوا، ما بدو نترك الضيعة لان ما منعرف أيمتى الجيش ممكن يحتاجنا، فتركنا أشغالنا وجينا وع قلبنا متل العسل، هيدي احلا الايام، الجيش رفعلنا راسنا» تقول ريتا أحمر الصبية العضو في بلدية الظل «لقاع افضل»، والتي دخلت ضمن فريق من المتدربين في بنك الدم الذي انشأته البلدية لمساعدة الصليب الاحمر ومساندة الجنود عند الحاجة في منطقة الجرود، كما انخرطت مع السيدات والصبايا اللواتي تولين الطبخ للجيش في بلدة رأس بعلبك حيث ثكنة المجوقل.
ما جرى في القاع يشبه عرس أيام زمان يقول بشير مطر، الكل يأتي العرس وبيده هدية، ماء، محارم، مستلزمات للمطبخ أو الجبهة، مزارعون قدموا الفاكهة وآخرون من مزارعي الدواجن قدموا الدجاج بكميات الكبيرة في حين أشرفت البلدية ونظّمت كل تلك التقديمات، لم يبخل الأهالي بشيء، قدموا حالهم بداية ووضعوا أنفسهم بتصرّف الجيش إذا دعت الحاجة، ثم هرعوا جميعا لوضع محاصيلهم بين أياديهم « شرف الجيش من شرفنا ونحنا هون بتصرفهم ولادنا إلهم ولهالأرض نحنا ولاد جرد وما منقبل نعيش بلا كرامتنا والجيش هوي عنوان هالكرامة» يقول العم الياس وهو يهرول للالتحاق بمزارعين من الضيعة كانوا يحمّلون صناديق فاكهة لشحنها الى راس بعلبك حيث ثكنة المجوقل.

تقف في ساحة مار الياس لا تعرف الى من تتحدث بعد، الأجواء هنا تحكي عن نفسها، يبدو المكان وكأنه استوديو في هوليوود لتصوير فيلم لبناني تراثي عتيق، أو حكاية ما خرافية نوعا ما، تجري في قرية ما تتراقص على حدود الخطر والريح والحياة، ليس أقل من ذلك «بتطلعي ع القاع بتفكري في مهرجان ومش حرب، عشنا إيام ولا أروع، كل الناس بالطرقات ومبسوطين إنو الجيش انطلق بالمعركة وأخدلنا حقنا من المجرمين، ونحنا الصبايا والشباب ساهمنا بكل فرق الإنقاذ وساعدنا الأمهات بتحضير الأكل للجيش، تصوري أمهات الشهدا كانوا قبلنا عم يساعدوا لأن حسّوا إنهن معنيات أكتر من غيرن بهالمعركة، من سنين ونحنا عم نأجّل مشاريعنا بالضيعة، هلأ وبعد هالنصر الكبير رح نرجع ونعمّر ونحيي القاع وأهم شي بالنسبة إلنا إنو الجيش هوي لـ قرر هالمعركة وانتصر، ويللي ادّعى العكس ما بعرف هلأ وبعد هالمشهد شو رح يقول؟» تقول ماريا إليسا مخلوف وتذهب الى احتفالاتها وأهل الضيعة.

منذ إعلان انطلاق «فجر الجرود» ولم تنم القاع، دخلت في جنون الحركة، في القلق على حياة العسكر، وفي القناعة الداخلية المطلقة بالنصر المنتظر، ولحظة إعلان نصر الجرود رقصت الضيعة وزلغطت نساؤها حتى الصباح، بُحّت الشمس من الغناء، وتعب ليل الساحة من وقع الأقدام ودبكة لبنان تلك، رقص رئيس البلدية على أكتاف ناسه، وعبر الجنود من قلب الناس قبل الساحات تحت مطر الورد والأرز والأناشيد، لم يجد الفجر مكانا له ليتسلل الى الساحة، كانت الناس لا تزال تجالس النصر وتترقب المزيد «أهمية هالمعركة أنها فجر جديد للقاع وللبنان، حدودنا ثبتت بالدم، ما عاد بدنا حدود مصطنعة بدنا رسم حدود نهائية وحقيقية، هيدي معركة أهل القاع لأجل كل لبنان وهالنصر تحية لشهدائنا ولشهدا الجيش وكل الشكر لقائد الجيش وللعسكر لـ رجّع الكرامة لهالأرض» يقول مطر ويذهب للتشاور مع أعضاء البلدية وأهل الضيعة للتحضير لمهرجان فني كبير في البلدة فرحا بالنصر.

يذهب الأهالي ليخلدوا الى نوم قليل بعد ليل احتفالات عفوية لم تهدأ منذ أكثر من أسبوع، تقف أم شهيد الى عيون مار الياس، تصلّي على مهلها وتمشي بهدوء صوب صورة ابنها المعلقة الى صدرها، تبتسم وتمسح دمعة مالحة مشبعة شوقا حنينا الى من كانوا هنا وما عادوا، تلتفت بعيون الرضى والفخر الى قرية قلبها، تمسح صورة الشهيد على صدرها كمن يخبره بأن شهادته الغالية أثمرت نصرا أكيدا، يخبرها الشهيد أن النصر الغالي كلّف غاليا أيضا، ثمن النصر دائما الشهادة، الاستشهاد للأرض أكبر علامات الإيمان المطلق، النصر على الدواعش كلّف المؤسسة العسكرية عشرات الجرحى وأربعة شهداء حتى اللحظة، ولا نعرف متى يرتفع شهيد جديد طالما معركة الشرف عند حدود الكرامة مستمرة، باسم موسى، إيلي ابراهيم فريجي، عثمان شديد، هؤلاء الثلاثة الذين قرروا ان يلتقطوا لهم صورة في أعالي تلك الجرود، ولم يكونوا ليعلموا أنها الأخيرة على الأرض، أو لعلهم في سرّهم كانوا يعلمون ان الشهادة لا تستأذن الزمن حين تريد ان ترفع شهيدا الى السماء، بالتأكيد كانوا يعلمون، وربما لذلك أصروا على التقاط تلك الصورة معا والتي صارت كالأيقونة في بال رفاقهم في الجيش، وما لبث أن لحق بهم أيضا رفيقان، عباس كمال جعفر ووليد محمود فريج لينضما الى لائحة الشرف تلك، ما عاد يُنده على هؤلاء بأسمائهم، إنما بلون الأرض التي صبغوها بدمائهم، ارتقوا الى فوق، صاروا الشهداء، صاروا ثمرة الحب بين الأرض والكرامة…

تعرف القاع كل ذلك ومع ذلك ترقص على نغمات عزّها، تعرف القاع أن بحر الدموع تليه دائما أمواج رجاء وفرح آت، تعرف القاع انها ستسمع بعد مدافع الفرح وهي تدك أوكار المجرمين، وسترقص على نغمات الرصاص قبل أهازيج الفرح، تدرك تماما ان نصر الجيش نصر نظيف لا شوائب فيه، هو وحده من حمل السلاح ليحمي الناس وليرد الكرامة لأهل الكرامة، تعرف ان كل حملات التشويش المفتعلة على إنجاز الجيش ستذهب في هباء الكذبات والتحايل على نصر لبناني لبناني لا غبار عليه وتفرح من قلب قلبها للمجد الآتي على فرس الدولة القوية الحقيقية، تعرف القاع ان فرحها بالأساس هو هناك في فوهة البارودة التي توجه الى صدر العدو، الى مسامع عملائه، فرحها هو هناك عند الحدود حين ترسم بالدم والنار وتثبّت بالشهادة، وتنتظر القاع أن تعود بلدة السلام وان تلتفت إليها الدولة وتعيد إنماءها «بنينا الشهادة والنضال والمقاومة وجيش عريق كبير شريف، هلا بدنا نبني الضيعة والإنسان بالضيعة، وكما حضر الجيش لتحريرها هلأ بدنا تحضر الدولة لانمائها» قال رئيس البلدية.

…وتترك القاع وترفض البلدة أن تتركك، يعلق الفرح على شغاف القلب المتأثر بعنفوان المكان، ذهب الناس الى استراحة موقتة، قليل ويعودون ليملأوا الساحات من فرحهم بالنصر، وفوق التلال تضاء شعلتان، راية النصر وجيش كبير لوطن كبير كبير، وشموع لأجل شهداء لم يغادروا يوما تلك الأرض ولن يفعلوا حتى تحرير آخر شبر عند آخر حبة تراب فوق تلك الحدود… الله يا قاع الله…

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل