ماذا يعني تسليم لبنان لـ”حزب الله”؟

 

 نحن هنا ــ كتب رئيس جهاز الاعلام والتواصل في حزب “القوات اللبنانية” شارل جبور في “المسيرة” – العدد 1625:

تظن بعض الشخصيات السياسية انها من خلال تنظيراتها اكتشفت البارود وقدمت للبنانيين خيارا غير مسبوق وفرصة تاريخية نادرة عليها التقاطها اليوم وقبل فوات الأوان، وآخر “إبداعاتها” في هذا المجال دعوة “القوات اللبنانية” و”المستقبل” إلى الخروج من الحكومة وتسليم البلد لـ”حزب الله”.

تظن تلك الشخصيات ان خطوة من هذا النوع كفيلة بتحميل “حزب الله” مسؤولية ما قد يصيب لبنان من عزلة دولية وإقليمية، وتشجيع المجتمعين الدولي والإقليمي على اتخاذ خطوات عملية لمواجهة تحويل لبنان إلى محافظة إيرانية، وبالتالي دفع “حزب الله” إلى التسليم بالشروط الدولية.

وتعتبر تلك الشخصيات ان “حزب الله” يستفيد  من الوضع الحالي، وان المساكنة معه تشكل غطاءً لدوره خصوصا انه يمسك أساسا بكل مفاصل السلطة، وان المطلوب تسليمه دفة الحكم والانتقال إلى المعارضة، وانه يجب الاستفادة من اللحظة الحالية بغية التقاطع  مع التوجه الدولي الجديد في ظل إدارة أميركية جديدة ومناخ خليجي ضاغط يمهد لتطويق “حزب الله” في استعادة للحظة 14 آذار، ولكن هذه المرة إخراجا للحزب بدلا من الجيش السوري.

ولكن ما فات تلك الشخصيات وتنظيراتها يتمثل بالآتي:

أولا، التحرك الدولي-الإقليمي لإنقاذ لبنان من الاحتلال السوري تأخر 15 عاما، ويكفي النظر من حولنا إلى الحرب السورية ومدى تقاعس دول العالم قاطبة عن إنقاذ الشعب السوري للتدليل على سوء اي رهان على الخارج الذي قد يتحرك لإنقاذ لبنان وقد لا يتحرك.

ثانيا، يتوهم البعض ان قادة العالم لا ينامون قبل الاطمئنان إلى أوضاع لبنان، ولا يستيقظون إلا وهمّ لبنان في رأس سلم أولوياتهم.

ثالثا، من قال ان تسليم لبنان لـ”حزب الله” سيستفز المجتمع الدولي الذي يتحرك على أساس أولوياته لا أولويات لبنان، خصوصا إذا استمر الحزب في استنساخ سياسة البعث السوري في الجولان في جنوب لبنان، وواصل الترويج لنفسه بانه رأس حربة التصدي للإرهاب؟

رابعا، من قال ان تسليم لبنان لـ”حزب الله” لا يشكل هدية مجانية للجميع على قاعدة مقايضات بين محاور النفوذ الإقليمية تسهل التسوية العتيدة.

خامسا، المؤسف ان البعض يستسهل فكرة تسليم البلد لـ”حزب الله” بمؤسساته العسكرية والأمنية والقضائية والإدارية في نسخة مكررة عن الاحتلال السوري للبنان. فهل يضمن هذا البعض عدم استخدام الحزب الأجهزة والقضاء لتركيب الملفات والعودة إلى الاستنسابية وزج المعارضين في السجون؟ هل يضمن هذا البعض عدم تفصيل الحزب قوانين انتخابية على قياس استبعاد كل خصومه والخروج بنتيجة تظهر ان مقاومته شرعية وضرورية ودائمة؟ هل يضمن هذا البعض عدم إقدام الحزب على تشريعات تشرع سلاحه ودوره؟ هل يضمن هذا البعض عدم إقدام الحزب على الإطباق على البلد والاستفادة من الفرصة التي لم تتح له منذ العام 2005 ليتحول من قوة طائفية حدودها تنتهي عند حدود طائفته إلى قوة احتلال على مستوى البلد تحترق نسيج الطوائف الأخرى؟

سادسا، يتعامل البعض مع “حزب الله” وكأنه “داعش” متناسيا ان الحزب أصوله إيرانية وبالتالي يتمتع ببراغماتية تجعله يتماشى مع السياسات الدولية من أجل تحقيق هدفه الأسمى وضع يده على لبنان، وتكفي العودة الى مرحلة إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري وتأليف حكومة الرئيس نجيب ميقاتي من لون واحد للمرة الأولى منذ العام 2005 وكيف تعامل الحزب ببراغماتية مع المجتمع الدولي الذي دعاه الى إعطاء حكومته الفرصة لتثبت نفسها، ولم يشأ عزل لبنان بل واصل التعامل مع المجتمع الدولي وقراراته التي هي ضد الحزب أساسا، فيما كل هدف الحزب ان ينتزع إقرارا دوليا بدوره.

سابعا، من الواضح ان الحسابات الصغرى والحقد الدفين والأفق الضيق والمصالح الخاصة والرغبة بالانتقام أعمت عقول هذا البعض وقلوبهم، فدفعتهم إلى تنظيرات تسيء للبنان وأهله وتعيده الى زمن الاحتلال السوري بأوجه أخرى، وسترتد أيضا على أشخاص هؤلاء المنظرين إلا في حال أهداهم “حزب الله” نيابة هي سبب مواقفهم وتقلباتهم.

ثامنا، النفوس الضعيفة وحدها تعتقد ان السلاح يصنع التوازن ولا سيما في لبنان حيث ان التسليح يتطلب قرارا فقط يمهد لترسيمات حرب جديدة، والنفوس الضعيفة وحدها ايضا تخضع لترهيب السلاح الذي لا يستطيع تبديل الوقائع ما لم يتم الرضوخ لهذا السلاح. ماذا لو قررت 14 آذار تحويل 7 أيار إلى 13 نيسان؟ وماذا لو لم ترضخ بعض الفئات للقمصان السود؟ وهل هناك من يعتقد ان الحزب فرض شروطه الرئاسية لولا المسار المعلوم الذي سلكه الملف الرئاسي؟ وهل هناك من يظن ان جماعة عددها أقل من الجماعات الأخرى، كون الطائفة الشيعية ليست كلها “حزب الله”، تسطيع التحكم بمصير الجماعات الأخرى؟

تاسعا، التوازن الموجود اليوم على مستوى البلد والحكومة هو توازن فعلي وحقيقي ودلت التجربة ان “حزب الله” يقاتل وحيدا وانه ليس باستطاعته أخذ البلد إلى خياراته وتوجهاته.

عاشرا، لكل مرحلة أدواتها وتكتيكاتها من الحرب العسكرية إلى المقاومة السلمية إلى التوازن بين مشروعين بعد العام 2005 عرف أشكالا مختلفة، والشكل الحالي يشكل تعبيرا عن استراحة محارب على المحورين في ظل قناعة متبادلة ان الحسم بالضربة القاضية غير ممكن وان ترييح الناس هو الخيار الأفضل بانتظار ما ستؤول إليه تطورات الخارج واتجاهاته.

فبالله عليكم أوقفوا تنظيراتكم المضرة بالبلد وأهله، وأوقفوا مزايداتكم على من كان ولا يزال رأس حربة المواجهة السيادية والميثاقية والإصلاحية، وأوقفوا رهاناتكم على أوهام تعيد لكم أدوارا اضعتموها نتيجة تنظيرات من هذا النوع ونتيجة أهدافكم السلطوية البعيدة كل البعد عن الثوابت الوطنية…

المصدر:
المسيرة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

خبر عاجل