.jpg)
يقول ارسطو: “ان السبب الاول لكل ما هو موجود هو السبب المحرك لا المتحرك…”
فالسبب الاول المحرك وغير المتحرك في المشهد السياسي والوطني اللبناني لطالما كان الرهان على الدولة القوية القادرة – فالدولة هي السبب الاول والمحرك الاول لتنظيم الشعوب ومأسسة الامم.
فابعد بكثير من مجرد تحرير جرود القاع ورأس بعلبك من “داعش” والخليط الارهابي، ان ما يقوم به الجيش اللبناني اليوم، هو رسم وترسيم لحدود الدولة والوطن ولسيادة القانون والمؤسسات، لا بل وضع دفتر شروط من يريد الايمان بالدولة السيدة الحرة والمستقلة على ارضها…
ففي وقت ينظر العالم بإعجاب الى جيشنا الوطني الباسل وهو يسطر ملاحم بطولية ضد الارهاب التكفيري والهمجي،لا يمكن الا وان نستخلص من تلك الوقائع العبر الاتية:
اولا: دماء الجيش وتضحياته ترسم الحدود الجغرافية والسيادية بين لبنان وسوريا، فما كان بالامس ترسيما مستحيلا للحدود الشمالية الشرقية بين البلدين بالديبلوماسية والسياسة بات امرا واقعا بدماء شهدائنا الابرار من قواتنا المسلحة الشرعية.
ثانيا: ان الدور الكبير الملقى اليوم على عاتق الجيش اللبناني يؤسس لمرحلة سياسية ووطنية جديدة عنوانها استعادة الدولة بمؤسساتها وقواها الشرعية، ويعيد زمام المبادرات الى الداخل اللبناني وعلى الحدود الدولية، فمرحلة التكليف والانابة والتوكيل انتهت اليوم مع مسك الجيش اللبناني زمام الامور وعودة الامر الاول والاخير له ومن خلاله عودة القرار السيادي الى مؤسسات الدولة الشرعية للعب ادوراها كاملة وغير منقوصة على كامل التراب الوطني في الصون والزود عن الارض والشعب والاستقلال.
ثالثا: ان المرحلة التي سوف تلي انتصار جيشنا الوطني في معركة تحرير الارض هي مرحلة اعادة البعض لحساباته من الجيش والقوى المسلحة الشرعية، لا سيما تلك المواقف المشككة دائما بقدرة جيشنا الوطني والمغيبة لدوره على الدوام بالف حجة وحجة، فاليوم ما حصل وما انجزه وسينجزه جيشنا الوطني يكتب حقيقة ساطعة بان السلاح الشرعي متى ما اطلق يكون هو الوحيد الجامع والموحد والممثل لكل اللبنانيين مهما بلغت الحجج والمبررات المعاكسة، فالجيش هو الاساس والدولة هي المحرك وكل ما عداها يتحرك حولها وفي مدارها وليس خارجها وبالانفصال عنها.
رابعا: ان تحرير الجيش الوطني للتراب الوطني من الارهاب دعوة صريحة مكرسة بدماء جنودنا الذكية وعرقهم وتضحياتهم، الى كل القوى والاحزاب والتيارات اللبنانية للالتفاف حول الدولة ومؤسساتها ووضع ثقتهم بهم وتوليتهم مصائرهم وائتمانهم على وجودهم … فلا نبالغ ان قلنا ان الجيش اللبناني في رأس بعلبك والقاع حاليا يضع اسس ومداميك عقد اجتماعي جديد بين اللبنانيين قوامه العودة الى المواطنة الصالحة والولاء للوطن اولا ولمؤسسات الدولة والعمل على تقويتها وتعزيزها بدل انتقادها ورميها بالحجارة والبكاء عليها. فالجيش اللبناني اليوم يكتب صفحة ذهبية ناصعة من صفحات نهوض الوطن وعودة سيادته واستقلاله وحريته الذاتية من دون منة او جميل من احد، فالحرية ثمنها باهظ ولكنها جميلة متألقة متى نعمنا بها.
يقول الفيلسوف وعالم الاجتماع “برغسون ” انه يجب ان نعترف للحتمية باننا غالبا ما نتخلى عن حريتنا في الظروف الاسوأ، فاليوم بات لزاما علينا كلبنانيين ومن بوابة رأس بعلبك والقاع ان نستعيد تلك الحرية المستقلة عن اي اعتماد على الغير، فالحرية الانسانية لا وجود لها في عالم يستمد وجوده من الغير … ولنا حق الخيار وحرية الخيار كلبنانيين وآن الاوان ان نختار الدولة والقانون والشرعية ونسقط الرهانات الاخرى كافة.
خامسا: تعيش المنطقة حاليا مرحلة مخاض التسويات وترسيم الحدود بين الدول والكيانات بدا من سوريا التي وصلت الى ما يشبه بداية نهاية الحرب الفعلية – لتبدا مرحلة رسم التسويات الميدانية فضلا عن العوامل التالية:
قلق اسرائيلي من تمدد ايراني في سوريا.
قلق تركي من انشاء كيان كردي.
بوادر تعاون تركي ايراني في جبال قنديل وسنجار ضد الاكراد، ما يمكن ان يقلب اوراق كثيرة في مقابل الاثمان المتوقعة.
الصراع السعودي الايراني المتأجج في المنطقة والانقسامات الخليجية المستجدة وارتداداتها الداخلية والاقليمية وانقلاب المشهديات التقليدية.
الموقف الاميركي المتردد حينا والمساوم حينا آخر في حساباته الاقليمية.
في مقابل الموقف الروسي الثابت والراسخ في تحالفاته وتوظيف مكاسبه الاقليمية دوليا وصولا الى انقلاب المشهد اليمني الداخلي بين صالح والحوثيين والمشهد الشيعي العراقي بين الصدر والمرجعيات الايرانية والشعور المزدوج بالانتصار في حسابات المنطقة بين معسكري الممانعة والاخر المناهض للتمدد الايراني في المنطقة.
كلها عوامل تعد بمرحلة دقيقة وصعبة على لبنان تجعل من الملح والحيوي، المراهنة اكثر فاكثر على الدولة وقواها الذاتية والمسلحة وعلى الجيش اللبناني لصون وحدة الارض والشعب والمؤسسات وتقوية حكم القانون والنظام.
فثمة حتمية تاريخية وجيو سياسية وانتربولوجية ودستورية وقانونية مفادها ان الدولة وحدها تبقى الحل والجيش وحده الى جانب القوى المسلحة الشرعية الاخرى يبقى الضامن الوحيد والاساسي للسيادة والاستقلال والحرية…
فالجيش الوطني ثبت مداميك تلك الحتمية ورسم لنا خريطة طريق معمدة بالدم والتضحيات والشهادة… فلا تخونوه مرة جديدة فنخسر الوطن …