على شط السعديات بعد 41 عاما… يا بحر شو بحكيلك

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” العدد 1625

على شط السعديات بعد 41 عاما… يا بحر شو بحكيلك

سمير كنعان دفنت 7 من أفراد عائلتي صليت على قبرهم وعدت إلى المعركة

هو سمير حبيب كنعان. ثمة من لا يعني له الإسم ولا يطنّ. لكن في الزمان والمكان الذي صار فيه سمير كنعان إبن عائلة الشهداء حبيب وسعيد وزوجته سعدى وأولادهما الأربعة يصير للإسم تاريخا في جغرافيا النضال والحياة التي تستحق معناها.

حصل ذلك قبل 41 عاما. وتحديدا ليل 19 كانون الأول 1976. في تلك الليلة التي يفترض أن يكون القمر فيها شاهدا على بشاعة أهل الأرض كان سمير في قسم كتائب الدامور. أصوات الرصاص والقذائف تلعلع هنا وهناك. البحر أمامه والمسلحون من كل حدب وصوب. لم يدرك سمير كما رفاقه أن  «داعشيي» ذاك الزمان كانوا هناك، في أرض المقاومة والصمود وسيكتبون بسلاحهم الأبيض ورصاصات حقدهم تاريخ مجزرة الدامور وتهجير أهلها بعد ساعات.

الخامسة فجرا وصل أحد افراد منزل آل متني المتاخم لمنزل عائلة كنعان إلى قسم الكتائب. كان مذهولا ويرتجف من الخوف. كيف لا وهو الناجي الوحيد أيضا من المجزرة التي طالت أفراد عائلته. سأل عن سمير كنعان. حضر الكتائبي ووقف أمامه. «خير شو القصة؟»، «المسلحين فاتوا بالليل على بيتكن وسمعنا صوت رصاص وصريخ وعويل وبكي… وما عدنا سمعنا شي». هناك في منزل حبيب كنعان مر «داعشيو» ذاك الزمان، وسطروا في الذاكرة رواية مروعة كُتبت بدماء الشهداء حبيب وسعيد وزوجته سعدى وأولادهم الأربعة غادة وحبيب وغسان ويوسف…

41 عاما مرت على الذكرى. 41 عاما وموج شاطئ السعديات يلطم الصخور من دون أن يرسو من وقفوا هناك في تلك الليلة، ليلة المجزرة والتهجير، على بر النسيان. ثمة من سامح، ثمة من طوى الصفحة في دفاتر الذاكرة وختمها بالشمع الأحمر، لكن ذاك اليوم يوم المجزرة والتهجير لم يكن أمام الداموريين إلا خيار واحد: ركوب البحر وإلا تلفظ أمواجه جثثهم بعد أن تعبث بأجسادهم فراعات البرابرة ورصاص الحاقدين الذين اقتحموا البلدة في ليلة من ذاك الكانون الثاني 1976.

سمير كنعان إبن الدامور لا بل إبن عائلة الشهداء الذي حول وجعه إلى حكاية نضال وحياة يأبى أن تسدل الستارة على تلك المجزرة التي حصدت 7 أفراد من فلذات كبده. هو أدرك منذ اللحظة التي كان شاهدا فيها على عملية نقل جثث أحبائه في سيارة من نوع بيك أب مخصصة لنقل الموز أن النضال مستمر.

بكى سمير؟ نعم وبمرارة. غضب. ثار. طبعا.  لكنه رفض أن يستسلم لوجعه، لأنين والدته وحزنها العميق لحظة تلقيها الخبر الفاجعة وصمتها الموجع الذي رافقها حتى القبر.. رفض سمير أن يرسو على بر النسيان وأصر أن يحمل البندقية ويدافع عن أرض الدامور التي ارتوت بدماء اهله ورفاقه. فأبحر من على شاطئ السعديات ومعه أبحرنا في الذاكرة إلى لحظات المجزرة المروعة على ارض الدامور تلك الأرض التي حوّلتها إرادة الحياة عند أبنائها يوم العودة إلى أرض القيامة.

يوم عاد سمير كنعان إلى الدامور وقف عند شاطئ السعديات وعاد به الزمن إلى تلك الليلة. ليلة 20 كانون الثاني 1976. هناك كان يقف وحيدا لأنه أراد أن يعيش تلك اللحظة مع ذاته، مع ذكرياته. وعلى صوت لطمات الموج التي كانت تتكسر على صدى ذكرياته استرجع أصوات الأطفال، صراخهم بكاءهم. شاهد دموع الأمهات اللواتي أضعن أولادهن وغرق في حزن المسنين القابعين على الصخور تحت المطر. شعر بالبرد، بصقيع الموت الذي لف الأهالي تلك الليلة. «ما بنسى هالمشهد كل عمري. راح يرافقني على العالم التاني وهونيك راح خبر خيي سعيد ومرتو سعدى وولادو كيف كملنا وما خلينا الشهدا يموتو مرتين».

قبل أن يفتح دفاتر صفحات المجزرة يتذكر سمير كيف أمضى ميلاد العام 1975 في المستشفى مع رفيق السلاح إيلي قرداحي: «كنا في مهمة عند أحد حواجز الجيش عندما انهمر علينا الرصاص. أصبت في ظهري ومكثت في المستشفى مدة أسبوعين وكان زمن الميلاد فاحتفلنا بميلاد الطفل يسوع في المستشفى. وما أن خرجت عدت إلى المركز حيث كنت أتولى مهام أمين السر اقتصرت المهمات على الأمور اللوجستية. المهم عندي كان أن أبقى إلى جانب الرفاق لأن الوضع الأمني كان ينذر بحصول شيء ما».

في 19 كانون الثاني 1976 وقع الهجوم الأول على الدامور. المسلحون دخلوا البلدة من ناحية الشرق وبدأت عمليات اقتحام البيوت لا سيما منازل  الرفاق في حزب الكتائب. «كان في ناس مدسوسة بيناتن لأنو البيوت اللي فاتوا عليا معروفة بالإسم والإنتماء للمقاومة المسيحية». في تلك الليلة كان سمير في مركز الكتائب الذي يبعد عن منزله مسافة كيلومتر ونصف. ولم يكن يعلم ما إذا كان أفراد عائلته في البيت أو في منزل جيرانهم من آل أبو فيصل. هو ودعهم على أمل أن يعود للقائهم قريبا وطلب منهم أن يأخذوا أقصى درجات الحذر وأن يلازموا البيت ولا يخرجوا منهمهما كانت الظروف وان لا يفتحوا الباب لمطلق أي إنسان، أي إنسان «لأنو في أشخاص اندسوا بين المسلحين».

لم يكن سمير الذي كان يبلغ من العمر 25 عاما كما كل المقاتلين وأهالي الدامور يأملون إلا أن يحققوا بنضالهم دحر المسلحين والفصائل الفلسطينية التي اقتحمت البلدة. كانوا على يقين بأن المعركة ستكلفهم الكثير الكثير من الشهداء لكنه شخصيا لم يتوقع أن يكون ثمن الشهادة ثلث أفراد عائلته.

في تلك الليلة كان يفترض أن يبيت أفراد عائلة سمير أي والده حبيب وشقيقه سعيد وزوجته سعدى المتني وأولادهما الأربعة غادة (14 عاما) وحبيب (10 أعوام) وغسان (8 أعوام) ويوسف (6 أعوام) في منزل جارهم حبيب أبو فيصل بعدما مكثوا فيه لليلتين. لكن الوالد وسعيد قررا أن يعودا لتفقد المنزل ومكثوا فيه.

هو القدر الملعون الذي دفعهم إلى العودة إلى البيت خصوصا أن المسلحين اقتحموا في تلك الليلة منزل حبيب أبو فيصل لكن الجميع كان يختبئ في الطبقة الثانية ومنهم من اختبأ على «التتخيتة» وداخل الخزانات. وعندما اقتحم المسلحون الطبقة الأولى من البيت ولم يجدوا أحدا ولم يسمعوا همسا ولا حتى أنفاس أهل البيت خرجوا وكانت وجهتهم منزل حبيب كنعان المحاذي لمنزل آل أبو فيصل.

قدر ملعون أراد أن يسطر ذيوله في تاريخ عائلة آل كنعان. ويروي سمير: «كنت في المركز والمعركة في الخارج على أشدها. كنا في حال تأهب وكنا نصد الهجومات من المركز ومحيطه. مع ساعات الفجر الأولى من صباح 20 كانون الثاني 1976 وصل شخص من آل متني إلى المركز. سأل عني. فتوجهت نحوه وتعرفت إليه. كان أحد أبناء جيراننا من آل متني الذي نجا من المجزرة التي لحقت بأفراد عائلته كما علمت لاحقا. سألته: «خير ليش وجك أصفر؟» كان يرتجف ويبكي. فأخبرني أنهم سمعوا ليلا صراخا من داخل منزلنا وأصوات رصاص وعويل امرأة وبكاء أطفال وهتافات تكبير. وبعد ساعات ساد صمت مريب. ما عدنا سمعنا شي…». كان صمت الموت.

كان سمير يقف مسمّرا يستمع إلى الرواية من دون أن يدرك عقله الباطني أن تفاصيلها جرت مع أفراد عائلته. سأل: «هل دخل أحد الجيران المنزل لتفقد أفراد العائلة؟ أجاب الراوي بالنفي. عندها حمل سعيد جعبته وقرر أن يتوجه نحو المنزل. حاول رفاقه ثنيه يقينا منهم أن الكارثة وقعت وبأن همجية ووحشية الداعشيين حطّت رحال حقدها في أجساد كل من كان في البيت، فرفض. عندها وافق رفاقه على أن يرافقهم شرط أن لا يصر على الدخول إلى البيت. أرادوا أن لا يطبعوا في مخيلته تلك الصورة الوحشية التي كانوا رسموها سلفا بناء على رواية جاره من آل المتني. وطلب من أحد الرفاق إحضار سيارة من نوع البيك أب كانت مخصصة لنقل كميات الموز بهدف نقل جثث الشهداء. كان بدوره يعلم أن شبح المجزرة نال من كل أفراد البيت الذين كانوا في داخله.

عندما وصل سمير ذكره رفاقه بالعهد الذي قطعه بعدم الدخول معهم إلى البيت. وما هي الا ثواني حتى بدأ مشهد قافلة الجثث يعبر من أمامه الوالد حبيب وشقيقه سعيد وزوجته سعدى وأولاد أخيه الأربعة. لم يرحموا أحدا. لم يترأفوا بصرخات الأطفال واستغاثات الأم الثكلى التي شاهدت أولادها يقتلون أمام عينيها. حتى الطفل الأصغر الذي سمع الجيران صراخه حتى آخر الحارة لم يظمط من رصاص الحاقدين. قتلوهم جميعا. لا بل أعدموهم «بس اللي بيبردلي قلبي إنو خيي سعيد كان معو رشاش. يعني كان عم بيدافع عن شرفو وشرف العيلة والأرض قبل ما يستشهد»، يقول سمير…

بحسب الرواية التي نقلها الجيران فإن المسلحين وبعدما اكتشفوا عدم وجود اي شخص في منزل حبيب أبو فيصل حيث كان يختبئ أفراده في العليّة وداخل الخزائن، اقتحموا منزل عائلة كنعان وحصلت مواجهة مع شقيقه سعيد الذي عثر الى جانب جثته على رشاش من نوع كلاشينكوف مما يؤكد انه حاول ان يدافع عن أفراد عائلته قبل أن يُقتل مع الآخرين. والمفارقة أنهم كانوا جميعهم في غرفة واحدة. «ولو بتعرفي هالغرفة شو مخباية قصص»…

ويروي سمير: «في تلك الغرفة كانت تعيش عائلة فلسطينية مسيحية استقبلها والداي بعدما تهجرت من فلسطين.. وكنا متل عيلة واحدة والوالد كان عرَاب الولاد»  قبل أن تغادر العائلة الفلسطينية لتسكن في مخيم ضبيه. وللصدف شاء القدر أن يقتل إبنها ذات يوم فجاءت الأم ترجونا مساعدتها للبحث عن إبنها بعدما كانت تظن أنه مخطوف على يد أحد الأحزاب المسيحية. وبعد اتصالات مع مراجع عسكرية في الجيش اللبناني وحزبية تبين أن ابنها قتل وكان مرميا في نقطة جرداء في منطقة ضبية. وخلال مراسم التشييع وقفت والدة القتيل وطلبت من كل فرد كان يتطاول بالكلام على الجيش اللبناني أن يصمت وكانت تردد» الجيش اللبناني والكتائب ما خصن. ممنوع حدا يسب أو يتطاول علين هاودي ولاد حرام اللي قتلولي إبني». وحتى اليوم لا تزال العائلتان تتبادلان الإتصالات خصوصا بعد انتقالها إلى خارج البلاد.

من أمام منزل آل كنعان انطلقت سيارة البيك أب المحملة بجثث شهداء آل كنعان إلى كنيسة مار الياس. سمير مشى وراءها في سيارة عسكرية ومعه شقيقه فادي (18 عاما) الذي كان يرأس فرقة الأشبال في قسم كتائب الدامور. وأمام المدافن صلى عليهم الأب منصور لبكي «ودفناهن من دون توابيت»… بهيديك الفترة كانت إمي عند أختي اللي عايشة بأميركا عم تساعدا بعدما رزقت بأول ولد. شوفي القدر. لو كانت إمي بلبنان كانت ع الأكيد راح تكون بالبيت وتكون الشهيدة رقم 8 بالعيلة. وبنفس الليلة  انقتل جوز أختي سعاد وما قدرت تجي تشارك بجنازة خيا ولا نحنا شاركناها حزنا ووجعا على استشهاد زوجها وبي ولادا».

الأولاد العشرة صاروا تسعة.  لكن أحدا منهم لم يتمكن من المشاركة في صلاة الجنازة على روح الأب والشقيق وزوجته وأولادهما الأربعة. وحده فادي وقف على قبر شهداء عائلته مع شقيقه سمير. بكى بمرارة، انهار «ما عدت أعرف كيف ممكن روقوا. وبلحظة الله لهمني لا بل روح بيي وخيي ومرتو وولادو الأطفال. مسكتوا ووقفتو على إجري وقلتللوا: عنا معركة وجود وبدنا نكملا. راح ندفن أهلنا وبعد راح ندفن شهدا أكتر لأنو المعركة طويلة وهاي معركة وجود ومصير وممنوع ننهار. بدنا نكفي لندافع عن الأهالي وإلا راح يسقط شهدا كتار».

بعد مواراة فلذات الأكباد في الثرى عاد سمير إلى الثكنة ولم يطأ من حينه عتبة البيت الذي شهد على مجزرة أهله. وبعد 24 ساعة دقت ساعة التهجير «يومها تلقينا أوامر من القيادة بلململة كل عتادنا والتوجه نحو السعديات. بتذكر إنو في راهبة إجت مع رجالين وطلبوا منا إنو نجمّع الأطفال والمسنين والنسوة وناخدن على شاطئ السعديات. هون عرفت إنو سقطت الدامور، وقلت بيني وبين حالي «راحت الدامور» وهيك صار». إخواتي راحوا قبلنا كل وحده مع عيلتا. حتى خيي فادي ما عرفت عنو شي. بس وصلت ع السعديات اكتشفت إنو المأساة هونيك كانت أكبر. أطفال عم بيصرخوا من الخوف من الجوع من البرد. المسنين عم تكتك عظامن تحت حرامات الصوف. ناس بلباس النوم لأنو ما حدا قدر ياخد معو صورة أو أيا قطعة للذكرى. كان المشهد مأساوي. بوقتا توزعوا الأهالي على قصر السعديات وقصر مكي. حاولنا نأمن للأهالي قدر المستطاع أكل أو على الأقل حليب للأطفال بانتظار وصول الباخرة اللي كانت بدا تنقل الأهالي على مرفأ جونيه. بتذكر يومها كان المرحوم داني شمعون بقصر السعديات. طلبت منو يعطيني جهازو اللاسلكي تا إحكي مع رئيس إقليم الكتائب بالدامور آنذاك جوزف الهاشم. طلبت منو يبعتلنا شباب على شاطئ السعديات لمساعدتنا بتجميع الأهالي ونقلن على الباخرة. وفعلها. يومها كان الرئيس كميل شمعون وزير داخلية. بعتولنا شباب من الطائفة السريانية من حزب الأحرار وبذكر إنو استشهد عدد كبير منن».

لا يزال مشهد المنازل التي كانت تتآكلها النيران والأراضي والمحاصيل الزراعية المشتعلة مطبوعًا في ذاكرة الرجل الستيني اليوم. هو الذي وقف عند شاطئ السعديات للمرة الأخيرة قبل أن يصعد إلى المركب ومنه إلى الباخرة التي أقلته واهالي الدامور والشباب إلى مرفأ حياة نضال جديد. ذاك المركب طبع في ذاكرته صورا وقصصا ومشاهد أطفال كانوا يتدافعون للصعود إليه. ثمة من وقع في قعر البحر وأُنقذ. ثمة أهالي أضاعوا أولادهم. وثمة عائلات تشتت وعادت لتلتئم على لقاء مغمس بالدم والدموع على شهيد لا بل قل على شهداء أبطال. كنت شوف الولاد هني وعم يوقعوا بالمي بسبب الزحمة والخوف والتدفيش اللي كان يصير. كل واحد كان بدو يخلّص إبنو بيو نفسو. من بين الأطفال إبن عديلي سقط بالمي من إيد إمو بس الله ستر وخلصوا الشباب. بقينا على هذه الحال مدة 48 ساعة وكان إلي حظ إنو إبقى للآخر. ما كنت متخيل إنو راح إترك الأرض اللي دفنت فيا عيلتي. بس الأمور كانت أكبر منا».

عندما وصل سمير إلى مرفأ جونيه اكتشف أن كل فرد من الأهالي كان يبحث عن نصفه الآخر. هو أيضا فتش عن شقيقه فادي ووجده عند أحد الأصدقاء في مدينة جونيه. «كان اللقاء مؤثر. هوي يبكي على كتفي وأنا إبكي وإضحك بعد ما تأكدت إنو بعدو حيا يرزق».

بعد أسبوعين على مكوث سمير وشقيقه فادي عند أحد الأصدقاء من آل صايغ بدأ يحضر أوراق الهجرة إلى أميركا. وهاجر إلى بلاد العم سام حيث تقيم شقيقته ناديا وشقيقاه ميشال وأنطوان. وحدها والدته التي عرفت بخبر استشهاد زوجها وابنها مع زوجته وأولاده الأربعة كانت الصامت الأكبر. خبر المجزرة نقله إليها أحد الأقرباء. ومن حينه تردت صحتها ووصلت الأخبار إلى لبنان مفادها أن أم سعيد ماتت من الزعل (توفيت في 1/1/2001). وعندما وصل سمير إلى الولايات المتحدة عانقته، عصرته  وقالت له: «قرب تا بوسك وشم ريحة سعيد وحبيب والولاد فيك». وبعد أيام قليلة قرر سمير أن يروي لوالدته حقيقة تلك الليلة المروعة. «خبرتا لأنو كان لازم تعرف إنو بيي وخيي ومرتو وولادو وكل شهيد راح بالمجزرة هني أبطال. منبكي علين. منسامح بس ما مننسى».

بعد خمسة أعوام على وصوله إلى بلاد العم سام كان ذلك في نهاية آذار 1976 عاد سمير وتزوج من نوال نوفل ورزقا بثلاثة أولاد: غسان الذي سماه على إسم الشهيد إبن شقيقه وابنتان جينيفير وستايسي.

اليوم يعيش سمير مع زوجته في لبنان لكن جلسات عمره تتمخض هناك في الدامور. لكن ليس في البيت الشاهد على المجزرة. «كان عنا بناية تانيي بالدامور بعدما فرزناها رممت شقتي واليوم بس بدي حس إنو بدي إتنفس وعيش وإرجع لعمر ما بندم عليه بروح ع الدامور».

وفي كل سنة يشارك سمير وأفراد عائلته في القداس الذي يقام في ذكرى مجزرة الدامور. هناك يقف على قبر الشهداء حيث لا تزال الغالبية مطمورة في المقبرة الجماعية التي صب عليها المسلحون الكلس قبل إعادة طمرها بالتراب، في انتظار أن يعاد فتحها بقرار رسمي وانتشال رفات الشهداء ودفنهم بالطريقة التي تليق بعظمة شهادتهم.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل