#adsense

النجف هو الأصل… لا قُمْ

حجم الخط

في جولة الزعيم الشيعي العراقي مقتدى الصدر الخليجية، معانٍ كثيرة يمتزج فيها الروحي بالسياسي والتاريخي. فقد كان واضحاً أنه أراد التأكيد، والتذكير، في زيارته السعودية أولاً والإمارات العربية لاحقاً، بأن شيعة العراق عرب ينتمون في النهاية إلى مدرسة النجف وفكره مهما بلغ شأو محاولات تحريف هذه الحقيقة التاريخية. وهذا يذكر بموقف المفكر والعلامة رئيس المجلس الشيعي الأعلى في لبنان، الراحل محمد مهدي شمس الدين، إذ كان لا يكف عن التشديد عند الضرورة على عروبة شيعة لبنان، بل يحذر ويقول أن النجف، وليس قم، هو الأصل. كاتب هذه السطور شاهد على ذلك في لقاء للعلامة مع مجموعة مختارة من صحافيي لندن العرب في مقر سفير لبنان السابق، محمود حمود، قبل أن يصير وزيراً للخارجية.

شمس الدين كان نجفي الهوى والعقل والقلب، إذ نشأ وترعرع ودرس في النجف قبل عودته إلى لبنان ، وكذلك الصدر ابن البصرة، درس في حوزة النجف أيضاً على يد والده محمد صادق الصدر . تحرُّك مقتدى الصدر الأخير نحو الخليج يأتي في وقت حرج من تاريخ الإقليم نتيجة التوسع غير المسبوق لإيران، بما يشكله من تهديد حقيقي لمنظومة دول الخليج العربية بحال من عدم الاستقرار ونتائج قد تكون وخيمة على أمن شعوبها. ودور طهران في التدمير المجتمعي والاقتصادي ومساعيها في التحريف المذهبي في المنطقة منذ سنوات عدة، واضح جداً ليس في العراق فحسب، بل أيضاً في سورية ولبنان والبحرين واليمن. والاثنان، شمس الدين ومقتدى الصدر ، يتفقان مبدئياً على العودة إلى الأمة طالما طال غياب الإمام المعصوم، وذلك على عكس سيادة “ولاية الفقيه” وفقاً لمفهوم رسّخه مؤسس دولة إيران الإسلامية الراحل الإمام الخميني .

واضح أن جولة الصدر في الخليج تعكس رغبة عارمة لدى طيف عريض من شيعة العراق عموماً بمن فيهم بعض من هم في مؤسسات الدولة، وربما كان بينهم رئيس الحكومة حيدر العبادي، لتأكيد هويتهم العربية في معنييها السياسي والروحي، والتي تتعرض لتهديد طائش نتيجة التوغل الإيراني في بلادهم. لإيران، كدولة كبرى في الإقليم، كل الحق، أن تحرص على مصالحها وحقها في حفظ مكانتها كقوة ذات تأثير ونفوذ، ولكن أن تتحول إلى قوة شر إقليمية تدوس على مصالح الدول الأخرى، صغيرة كانت أم كبيرة، فهذا مرفوض ويجب تقويمه. وموقف دول الخليج العربية الرافض هذه السياسة لا يعكس أكثر من حرص هذه الدول على الدفاع عن نفسها.

وإذا كانت حركة الصدر تجاه عرب الخليج تعكس رغبة عراقية صريحة في الانفتاح “على الأشقاء” والحوار معهم، كما يقول، فهؤلاء حريصون بالمقدار ذاته على التقرب من العراق وتصحيح العلاقات معه. فالأشهر الستة الأخيرة شهدت تحركا ديبلوماسياً مهماً بالاتجاهين بدأ بقيام وزير خارجية السعودية عادل الجبير بزيارة بغداد، تلته زيارة العبادي الرياض في حزيران الفائت، وبعدها زيارة لوزير داخليته قاسم الأعرجي العاصمة السعودية.

في 30 تموز الفائت استقبل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الصدر بحفاوة لافتة حفزت كثيرين من المحللين على قراءات شتى لمغزى اللقاء، وكيف يمكن أن يؤثر في سياسات العراق وفي التخفيف من سخونة المواجهة مع إيران . بعد ستة أيام، قام الصدر بزيارة دولة الإمارات واستقبله ولي العهد محمد بن زايد في أبو ظبي وأكد حرص بلاده أن يقوم العراق بدوره الطبيعي في تعزيز أمن العالم العربي واستقراره.

جولة مقتدى الصدر في البلدين تحمل رسالتين، الأولى موجهة إلى شيعة العراق والثانية إلى إيران . يقول لمواطنيه إننا جزء من العرب ومستقبلنا رهن بمصائر المنطقة العربية وشعوبها في الدرجة الأولى. ومن ناحية أخرى، يقول لطهران ومن يتبع سياساتها الإقليمية في بغداد، إن لديه خيارات عدة لمواجهة الهجمة الإيرانية في بلاده، إذ يمنحه الحوار مع عرب الخليج القوة السياسية اللازمة لتعزيز موقعه وتقديم نفسه على الأقل بمثابة الوجه العربي لشيعة العراق. ولا شك في أن إعلان الصدر أخيراً عن تحالفه السياسي مع نائب الرئيس العراقي السابق إياد علاوي ، الذي يتهم إيران ودولة قطر بمحاولة تقسيم العراق إلى إقليم شيعي وآخر سني، عزز من قاعدة الصدر الشعبية وحسن حظوظه في سباق الانتخابات العراقية في العام المقبل، وهو ما يصقل سمعته أيضاً كزعيم وطني عابر للطوائف.

لا شك في أن الصدر سياسي محنّك لا يريد أن يحرق كل الخطوط مع إيران والظهور كمن ينتقل من خيمة إلى أخرى، لذلك فإنه يحرص على التأكيد أمام قواعده أولاً وقبل أي طرف آخر، أن الهدف من تحركه يصب في مصلحة العراق أولاً وأخيراً، وفي مصلحة الاستقرار في الإقليم.

أما ماذا تريد السعودية وعرب الخليج من الصدر أو العراق، فالأمر يجب أن يكون عملياً وطبيعياً، إذ يخطئ من يعتقد أنها محاولة للاستدارة على الزعيم الشيعي في مسعى لشق صف الشيعة أو إضعافهم في العراق. فأي محاولة في هذا الصدد نهايتها الفشل المؤكد وهناك وعيٌ كافٍ في هذا الشأن. فقد مضت 14 سنة على عدم وجود أي علاقات ذات معنى بين السعودية والإمارات والعرب عموماً وبين العراق، وواضح إدراك الجميع الآن أن زعامات سنّة العراق فشلت لأسباب عدة ومعروفة طوال هذه المدة في المساهمة في إخراج العراق من حاله المضطربة التي تلت حرب أميركا في 2003.

والآن هناك فرصة لتصحيح الأوضاع ولإعادة بناء علاقات العراق العربية، يقدمها الصدر إلى العرب لتحقيق التوازن مع الوجود شبه المهيمن لإيران على الحياة السياسية في بلاده. الصدر لا يقول للسعودية والإمارات في هذه الحال: نريد استبدال إيران بكما، كما لا تدعو الدولتان العربيتان إلى إزاحة النفوذ الإيراني ولا تدعيان قدرتهما على ذلك. السيناريو المطروح والمرغوب فيه في أوساط قطاع شعبي وقيادي واسع، هو إعادة التوازن إلى علاقات العراق الإقليمية.

ويبدو أن مقتدى الصدر هو أفضل من يقوم بهذا المسعى من بين سياسيي العراق .

المصدر:
الحياة

خبر عاجل