
طال الإنتظار، والغيم يلفلف ملفّ العسكريّين المخطوفين لدى “داعش”. غموض ومحاولات فاشلة للتّفاوض، أو بالحرى كانت تفشّل كلّ مرّة لأسباب وأسباب. أمّا اليوم فبات الجرح عميقًا جدًّا مع انبلاج فجر الحقيقة ومعرفة المصير الأسود لأسرى الجيش الأبطال. الرّحمة والرّاحة أعطهم يا ربّ واجعلهم مع الشّهداء الأبرار والقديسين.
أمّا بعد، احرّ التّعازي التي نوجّهها لذويهم، يحقّ لكلّ لبنانيّ شريف أن يسأل، والأسئلة كلّها تختصر بأداة الإستفهام “لماذا”؟ ففي سياسات الدّول القويّة المنظّمات الإرهابيّة كما الإرهابي لا يُفاوضون ولا لأيّ سبب من الأسباب. أمّا في لبنان فالتّفاوض مشروع وله أشكال مختلفة. وقد رأينا الدّولة تفاوض فتخرج تنظيمًا إرهابيًّا بأسره من جرودها مدجّجًا بعديده وبعتاده. كما أنّنا شهدنا مفاوضات تولّاها “حزب الله” اللبناني كحزب وكطرف في النّزاع السّوري مع طرف آخر ليخرج أسراه، غامزًا من قناة الأطراف اللبنانيّة التي لم تفاوض النّظام السّوري لمعرفة مصير أكثر من سبعمئة أسير، حيث أطلق إعلامه شعارًا: “نحن قوم لا نترك أسرانا”. لكن السّؤال المطروح حول الدّور التّفاوضي الذي لعبه الحزب مع التّنظيمات الإرهابيّة يكمن في اللغة التي ينتهجها هذا الحزب والتي هي نفس لغة هذه التّنظيمات، وإلا كيف استطاع التّوصّل معهم إلى الحلول السّريعة؟ هذا من دون الإشارة إلى طريقة تعاطي التّنظيم الإرهابي مع الأسرى التي دلّت على أنّ هنالك أسرى بسمنة وآخرين بزيت. فأسرى الحزب عادوا أبطالا بأنظار محازبيهم محمولين على الأكفّ بينما أسرى الجيش اللبناني عادوا أبطالا بأنظار الأرض والسّماء ومحمولين بالقلوب.
سقط القناع عن وجه من امتهن التستّر وراء الحجج الإقليميّة والدّونكيشوتيّة. أراد الحزب أن يجعل من نفسه نقطة ارتكاز بملف عودة أسرى الجيش لكن حليفه وحليف “داعش”، أي النّظام السّوري لم يأذن له بذلك. حجب عن الدّولة بقدرة سلاحه غير الشّرعي قدرتها على المواجهة لاستعادة أسرى جيشها، ولو حتّى بالتّفاوض. فكانت النّتيجة تصفية أسرى الجيش اللبناني بعد أسرهم. فصار شهداء الجيش شهداء مؤامرة الحزب مع رعاته الإقليميّين وحلفائه المعهودين.
لماذا وقف الحزب على الحياد في معركة فجر الجرود بينما تنطّح لإخراج فيلم سينمائيّ من بطولته و”النصرة” أدّى إلى إخراج هذا التّنظيم بالطّريقة التي خرج بها؟ لماذا ذهب الحزب ليحارب “داعش” من الجانب السّوريّ بينما الحدود اللبنانيّة بالنّسبة إليه هي غير موجودة ولم يمنعه من تجاوزها سوى القرار الأممي 1701؟ فهل نحن بحاجة إلى توسيع رقعة هذا القرار لضبط سلوك الحزب داخل الحدود اللبنانيّة؟
زمن المؤامرات انكشف وولّى إلى غير رجعة. هي المؤامرة الأخيرة في سلسلة المؤامرات التي ابتدأت مع مشروع الحزب الذي أطلقه أمينه العام حسن نصرالله في العام 1982 عندما قالها للعلن بأنّ مشروع حزبه، هو إقامة الجمهوريّة الإسلاميّة في لبنان، تحت جناح الوليّ الفقيه الذي يعتبر نفسه جنديًّا في جيشه.
رحم الله شهداء مؤامرة الحزب، شهداء الجيش اللبناني، شهداء الأرز. ونسأل كلّ الذين ما زالوا يسيرون في مواكب الحزب الذميّة: ألم يحن الوقت بعد لتستفيقوا من غيبوبتكم؟ أم أنّكم تنتظرون نيران مؤامرة ما لتأكل ما تبقّى من كرامتكم الإنسانيّة؟