#adsense

خاص “المسيرة” – واشنطن: لعنة التمييز العنصري تلاحق التاريخ الأميركي

حجم الخط

خاص “المسيرة”ــ واشنطن – العدد 1625:

الانقسام الطبقي المجتمعي في الولايات المتحدة الأميركية يبقى هو السمة التي تميّز هذه الدولة العظمى في العالم. فعلى الرغم من المخاض العسير الذي مرّت به من أجل تكريس وتعزيز سلطة الدولة في إطار فدرالي تحفظه القوانين العامة والدستور الموحد للبلاد، إلا أن التباينات الطبقية تبقى هي السائدة حتى يومنا هذا، وهي تزداد أو تخف تبعاً للسياسات أو المراحل التي تمرّ بها الإدارة الأميركية التي تتولى الحكم بالمداورة بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري. وبالتالي لا يمكن فصل ما يجري بين الفترة والأخرى في الولايات المتحدة إلا بالعودة إلى التاريخ الذي أدّى إلى نشوء الولايات المتحدة الأميركية.

حرب الاستقلال

قبل أن تعلن بعض الولايات الأميركية الإستقلال عن بريطانيا، أصدر المستعمر البريطاني قوانين جديدة أثارت الغضب والاستياء لدى الأميركيين إلى درجة أن بريطانيا أرسلت قواتها إلى كل من بوسطن ونيويورك حيث قتلت بعض المواطنين فيما سُمي بمذبحة بوسطن التي رد عليها الأميركيون بالاحتجاج المعروف «ببوسطن تي بارتي». وعاقبت بريطانيا المتمردين بإغلاق ميناء بوسطن وزيادة سلطة الحاكم البريطاني، وإجبار المستعمرين على إيواء وإطعام البريطانيين. ورد ممثلو المستعمرات البريطانية بتشكيل المجلس القاري الأول في فيلادلفيا والذي ضم ثلاثة عشر مستعمرة والذي أجبر بريطانيا على سحب القوانين القسرية. وفي الرابع من حزيران من العام 1776 أعلن المجلس القاري الرابع الاستقلال عن بريطانيا مكونا الولايات المتحدة الأميركية وبدأت بعد ذلك الحرب الطاحنة بين أميركا وبريطانيا حتى انتصر الأميركيون في عام 1781 في معركة يورك تاون في فرجينيا. ثم وقَّع الطرفان معاهدة فرساي في 1783 وكانت بمثابة إعلان نهاية الثورة الأميركية. وفي العام 1787 وقع المندوبون من جميع الولايات المتحدة على اتفاقية دستور البلاد التي تم التصديق عليها في سنة 1788.

واللافت أن الدستور الأميركي أعطى السلطات الأولى للشعب وليس للسلطات فإشتهرت عبارة: «نحن الشعب… نسن وننشئ هذا الدستور»، هذه الكلمات تتضمنها مقدمة الدستور وتعبر عن مبدأ سيادة الشعب، أو حكم الشعب،  لقد صاغ واضعو الدستور وثيقة للحكم، وعرضوها على الشعب لنيل موافقته، استنادا إلى المفهوم القائل إن السلطة السياسية النهائية لا تكمن لدى الحكومة أو لدى أي مسؤول حكومي، بل لدى الشعب. «نحن الشعب» نملك الحكم، ولكن بموجب ديمقراطيتنا التمثيلية، نفوض هيئة مؤلفة من ممثلين لنا منتخبين صلاحيات القيام بأعمال الحكم اليومية نيابة عنا، ولكن تفويض هذه الصلاحيات، لا ينال أو ينقص بأي شكل من الأشكال من حقوق الناس ومسؤولياتهم باعتبارهم هم أصحاب السيادة العليا، أن شرعية الحكم تبقى معتمدة على المحكومين، الذين يحتفظون بحقهم المكرس في أن يغيروا حكومتهم، أو يعدلوا دستورهم، بطريقة سلمية.

يوزع الدستور الأميركي السلطة بين مستويين من الحكم: مستوى البلاد ككل، أو المستوى القومي، ومستوى الولايات، بما يعرف بنظام الفيدرالية. وهو النظام الذي تتقاسم فيه السلطة حكومة مركزية أو قومية واحدة مع حكومات الولايات. قضى الدستور بأن تكون الحكومة المركزية صاحبة السلطة العليا في بعض المجالات، ولكنه لم يجعل حكومات الولايات مجرد وحدات إدارية تابعة للحكومة المركزية، فعلى سبيل المثال، تكون حكومات الولايات هي المسؤولة بصورة عامة عن إدارة ميزانياتها وعن سن وتنفيذ القوانين في العديد من المجالات التي تؤثر في حياة سكانها، فيما تتمتع الحكومة المركزية بإدارة السياسة الخارجية والدفاع.

إشارة إلى أن وثيقة استقلال الولايات المتحدة أعدّت من قبل لجنة مكونة من خمسة أشخاص، من ضمنهم توماس جيفرسون الذي كان كاتبها الرئيسي، وقام الكونغرس الأميركي بمناقشة الإعلان ومراجعته، ثم الموافقة عليه في الرابع من تموز 1776. وتركز المواد من الأولى إلى الثالثة على السلطة والصلاحية الممنوحة للفروع الثلاثة للحكومة الاتحادية، وهي: السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية.

وتحدّد المادة الرابعة العلاقة بين الولايات العديدة، وتركز المادة الخامسة على التوجيهات الخاصة لتعديل الدستور، والمادة السادسة توضح أن الدستور يشكل القانون الأعلى في البلاد، والمادة السابعة تقدم شرحا لعملية المصادقة على الدستور.

وعُدّل الدستور الأميركي 27 مرة، من ضمنها تعديل وثيقة الحقوق، وقد تناولت التعديلات الإضافية قضايا متعددة، شملت تجريم العبودية، وتمكين النساء من حق الاقتراع، وضمان حماية حقوق التصويت.

الأزمات الداخلية

ومنذ تاريخ الإستقلال لم تهدأ الساحة الداخلية الأميركية من الصراعات أبرزها تلك التي إمتدت جذورها من تاريخ العبودية قبل الإستقلال، حيث شهد المجتمع تمايزاً واضحاً بين البيض والسود، فكانت حركة مارتن لوثر كينغ البارزة والأساسية في التاريخ الأميركي ففي كانون الأول من العام 1955 نادى كينغ بمقاومة تعتمد على مبدأ «اللاعنف» أو «المقاومة السلمية» على طريقة المناضل الهندي مهاتما غاندي. وكان يستشهد دائماً بقول السيد المسيح : «أحب أعداءك واطلب الرحمة لمن يلعنونك، وادع الله لأولئك الذين يسيئون معاملتك». وكانت حملته إيذاناً ببدء حقبة جديدة في حياة الأميركيين من ذوي الأصول الأفريقية. فكان النداء بمقاطعة شركة الحافلات امتدت عاما كاملاً أثر كثيراً على إيراداتها، حيث كان الأفارقة يمثلون 70 في المئة من ركاب خطوطها، ومن ثم من دخلها السنوي. لم يكن هناك ما يدين مارتن فألقي القبض عليه بتهمة قيادة سيارته بسرعة 30 ميلاً في الساعة في منطقة أقصى سرعة فيها 25 ميلاً، وألقي به في زنزانة مع مجموعة من السكارى واللصوص والقتلة. كان هذا أول اعتقال لمارتن لوثر كينغ أثر فيه بشكل بالغ العمق، حيث شاهد وعانى بنفسه من أوضاع غير إنسانية، إلى أن أُفرج عنه بالضمان الشخصي. وبعدها بأربعة أيام فقط ففي الثلاثين من كانون الثاني عام 1956، كان مارتن يخطب في أنصاره حين ألقيت قنبلة على منزله كاد يفقد بسببها زوجته وابنه، وبعد أيام من الحادث أُلقي القبض عليه ومعه مجموعة من القادة البارزين بتهمة الاشتراك في مؤامرة لإعاقة العمل من دون مبرر قانوني بسبب المقاطعة، واستمر الاعتقال إلى أن قامت أربع من السيدات من أصول افرقية بتقديم طلب إلى المحكمة الاتحادية لإلغاء التفرقة في الحافلات في مونتغمري، وأصدرت المحكمة حكمها التاريخي الذي ينص على عدم قانونية هذه التفرقة العنصرية. وساعتها فقط طلب كينغ من أتباعه أن ينهوا المقاطعة ويعودوا إلى استخدام الحافلات وأفرج عنه.

بعد شهر من ذلك، نُسف منزل كينغ بالديناميت على أيدي البيض، وهنا شكّل كينغ مؤتمر القيادة المسيحي الجنوبي لنشر الأسلوب الذي اتبعه سود مونتغمري في كل أنحاء الجنوب.

وسجن كينغ عام 1960، مثل غاندي تماماً، بسبب حملات الاحتجاج السلمية ضد التمييز العنصري، وبدأ يطالب الحكومة الفيدرالية باتخاذ الإجراءات اللازمة ضد الظلم.

وبعد تولي جون كيندي منصب الرئاسة ضاعف كينغ جهوده المتواصلة لإقحام الحكومة الاتحادية في الأزمة العنصرية المتفاقمة إلا أن جون كيندي استطاع ببراعة السياسي أن يتفادى هجمات كينغ الذي كان لا يتوقف عن وصف الحكومة بالعجز عن حسم الأمور الحيوية. ومن هنا قرر كينغ في أواخر صيف العام 1963 بدء سلسلة من المظاهرات في برمنغهام، وعمل على تعبئة الشعور الاجتماعي بمظاهرة رمزية في الطريق العام، وفي اليوم التالي وقعت أول معركة سافرة بين السود المتظاهرين ورجال الشرطة البيض الذين اقتحموا صفوف المتظاهرين بالعصي والكلاب البوليسية الشرسة ، لكن المشهد كان على مرأى من كاميرات التلفاز ، ولم يعد ممكناً تعمية الأخبار على الناس.

ثم صدر أمر قضائي بمنع كل أنواع الاحتجاج والمسيرات الجماعية وأعمال المقاطعة والاعتصام، فقرر كينغ لأول مرة في حياته أن يتحدى علانية حكما صادرا من المحكمة، وسار خلفه نحو ألف من المتظاهرين الذين كانوا يصيحون «حلت الحرية في برمنغهام»، وألقي القبض على كينغ وأودِعَ سجنا انفراديا، وحرر خطابا أصبح في ما بعد من المراجع الهامة لحركة الحقوق المدنية، وقد أوضح فيه فلسفته التي تقوم على النضال في إطار من عدم العنف.

الوضع الحالي

لم يؤد وصول باراك أوباما وهو أول رئيس من أصول أفريقية إلى البيت الأبيض ومكوثه لمدة ثماني سنوات أي طوال عهدين متتالين إلى تهدئة الفوارق الطبقية داخل المجتمع الأميركي وشهدت فترة رئاسته الكثير من الاحتكاكات والاحداث ذات البعد العرقي وكان آخرها في حزيران من العام 2015  بحيث أطلق مسلح أبيض النار داخل كنيسة للسود في مدينة تشارلستون بولاية ساوث كارولاينا جنوب شرق الولايات المتحدة. وأسفر حادث إطلاق النار عن سقوط تسعة قتلى وحددت الشرطة دوافع الجريمة بأنها ذات أبعاد عرقية. وبعد فترة وجيزة ألقت الشرطة الأميركية القبض على المتهم الرئيسي في مجزرة الكنسية وهو شاب أبيض يبلغ من العمر 21 عاماً، ويعرف عنه كرهه الشديد للمواطنين السود، وينتمي لتيار عنصري يدعى «البيض الفوقيين».

ويمكن القول إن ما شهدته رئاسة أوباما قد انعكس حراكاً داخلياً دفيناً دفع بالمواطنين الأميركيين ذي البشرة البيضاء والذين ينتمون إلى عدد من الحركات القومية إلى التصويت بكثافة للمرشح دونالد ترامب الأمر الذي أدّى في كثير من الولايات إلى ضمان فوزه في الرئاسة، لكن ترامب ومنذ وصوله إلى البيت الأبيض وإحاطة نفسه بالعديد من المستشارين ذوي الأصول القومية ربما قد يكون ساهم في إعادة تظهير صور الأزمات المجتمعية الأميركية، ووضعت أحداث مدينة شارلوتسفيل في ولاية فيرجينيا ترامب في مأزق، حيث واجه انتقادات عاصفة واتهامات مبطنة تارة، وصريحة تارة أخرى، بسبب تعاطفه المكتوم مع تيار اليمين المتشدد، وبأن مواقفه وبعض سياساته تحفز وتشجع هذا التيار. حيث كان لافتاً دفاع الرئيس ترامب عن المتظاهرين من البيض الذين كانوا دعوا إلى مسيرة «توحيد اليمين»، احتجاجا على قرار لإزالة تمثال الجنرال روبرت أي لي وهو أحد جنرالات الحرب الأهلية في الولايات المتحدة، الذي كان مؤيدا لاستمرار العبودية في البلاد.

ولاقت تصريحات ترامب ترحيبا من ديفيد ديوك، الزعيم السابق لجماعة «كو كلوكس كلان» العنصرية التي انتشرت في فترة ما من تاريخ الولايات المتحدة، الذي كتب على تويتر يقول: «شكرا للرئيس ترامب على صدقك وشجاعتك لقول الحقيقة عن شارلوتسفيل وإدانة الإرهابيين اليساريين في حركة «حياة السود مهمة» وحركة «أنتيفا».

إلا أنه بين ردود فعل نحو 55 من السياسيين الجمهوريين والديمقراطيين جمعتها صحيفة واشنطن بوست، لم يؤيد تصريحات ترامب سوى المتحدثة باسم اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري كايلي ماكناني وانطلقت أيضاً دعوات متزايدة لإقالة ستيف بانون مستشاره للشؤون الإستراتيجية المعروف بآرائه السياسية اليمينية، وهذا ما حدث بالفعل وخرج بانون من البيت الأبيض وهو مهندس انتصاره الرئاسي والقوة الدافعة خلف أجندة مناهضة للعولمة وداعمة للاتجاه القومي.

وكشف مسؤولون في البيت الأبيض أن ترامب طلب من كبير موظفي البيت الأبيض حديثا جون كيلي بالقضاء على الخلافات الداخلية داخل فريق حكمه، مع الإشارة إلى أن فريق الرئيس شهد حتى الآن إقالة مايكل فلين مستشار الأمن القومي وراينس بريباس كبير موظفي البيت الأبيض وجيمس كومي مدير مكتب التحقيقات الاتحادي ومدير الاتصالات في البيت الأبيض أنتوني سكاراموتشي الذي دفع تعيينه أصلا السكرتير الصحفي شون سبايسر للاستقالة.

وبعد ساعات قليلة من اعلان خروجه المفاجئ من البيت الأبيض، عاد كبير الاستراتيجيين السابق في الإدارة الأميركية ستيفن بانون ليترأس الموقع اليميني المتشدد بريتبارت نيوز حسبما أفاد الموقع نفسه الذي احتفل بعودة البطل الشعبي إليه في منصب الرئيس التنفيذي .وفي أول تصريح له، قال بانون إن الرئاسة التي قاتلنا من اجلها وفاز بها ترامب قد انتهت.

ولكن هل أنتهت فعلاً رئاسة ترامب وهي التي أصرّ بانون على الدفاع عنها وهو خارج البيت الأبيض؟ للإجابة البسيطة والسريعة عن هذا التساؤل أفاد استطلاع للرأي أجرته جامعة مون ماوث في الفترة بين 10 و14 آب الحالي وشمل 805 اشخاص، بان ستة من اصل كل عشرة من أنصار ترامب يؤكدون انهم لن يتوقفوا عن دعمه مهما فعل.

وقائع من ثورة شارلوتسفيل

رفع المتظاهرون من اليمين المتشدد الأعلام الكونفدرالية للولايات، وحملوا دروعا وارتدوا خوذات واقية احتجاجا على قرار إزالة تمثال الجنرال روبرت إي. لي من تشارلوتسفيل، وهو الجنرال الذي قاد القوات الكونفدرالية أثناء الحرب الأهلية في الولايات المتحدة في الفترة من 1861 إلى 1865.

أشار تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز إلى أن المتظاهرين كانوا ينشدون بعض الهتافات التي جاء فيها: «لن تستبدلنا، ولن يحل اليهود محلنا”.

مسيرة المحتجين اليمينيين بدت مزيجا من عدد من الجماعات المختلفة، وكانوا يحملون دروعا وعصيا، ويبدو أن إعلان حال الطوارئ كان لها أثر بالغ، إذ بدأ المتظاهرون في التشتت.

حمل القوميون البيض، قناديل يرى مراقبون أنها ترمز إلى جماعات عنصرية انتشرت في فترة ما من تاريخ الولايات المتحدة باسم «كو كلاكس كلان»، كما أنشدوا بعض الهتافات التي جاء فيها «حياة البيض مهمة» أثناء مرور مسيرة لهم عبر مقر جامعة فيرجينيا في المدينة.

شوهد عناصر من القوميين البيض يحملون السلاح ويرتدون زي المليشيات العسكرية

وتعد تشارلوتسفيل مدينة ليبرالية، وصوت حوالي 86 في المئة من سكانها لصالح هيلاري كلينتون في انتخابات الرئاسة الأميركية في تشرين الأول الماضي.

على الرغم من ذلك، تحولت المدينة إلى مركز اهتمام القوميين البيض بعد قرار إزالة تمثال الجنرال إي لي.

اليمين الأميركي في التاريخ

في الفترة من 1861-1865 نشبت الحرب الأهلية الأميركية في الأساس بين الولايات الشمالية والولايات الجنوبية بسبب الرق.

قوات الكونفيدرالية الجنوبية، التي أيدت العبودية، استسلمت في النهاية إلى جيش الوحدة، وألغي الرق.

عدد من المدن وجد صعوبة في التعامل مع رموز الكونفيدرالية التي لا تزال موجودة حتى اليوم، إذ باتت الأعلام رمزا حاضرا، وأصبحت المعالم الأثرية لها مقرات رئيسية لمجموعات اليمين المتطرف في الأشهر الأخيرة.

يقول مؤيدون إن رموز الكونفيدرالية تشير إلى الحرية والتحرر، لكن معارضين يقولون إنها جذور للعبودية.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل