#adsense

مار شربل على أعلى قمة في فاريا… يا غافي وعيونك على لبنان والعالم

حجم الخط

كتبت كريستين الصليبي في “المسيرة” – العدد 1625:

علاقة مميّزة تجمع بين القديس شربل والناس، كل الناس من دون تمييز. فما أن تلفظ إسمه حتى تدمع الأعين وتخفق القلوب وتقشعر الأبدان للأعاجيب التي حصلت ولا تزال بشفاعته. هذا القديس الرهيب سُجّلت بإسمه شفاءات ومعجزات وأعاجيب كثيرة كانت آخرها أعجوبة فنّية! نعم أعجوبة هي إقامة تمثال للقديس شربل هو الأضخم في العالم، أعجوبة هي نقل هذا التمثال ونصبه على قمة يصل إرتفاعها إلى 1950 متراً، أعجوبة هي رفع التمثال في اليوم الثاني على انطلاق معركة «فجر الجرود» للجيش اللبناني ضدّ الإرهاب. وكأنّه في ذلك يؤكد للقاصي والداني أنّه موجود دائماً لحماية الوطن وأهله وجيشه. على وقع الزغاريد والتراتيل التي صدحت في كل المناطق الكسروانية إستُقبل التمثال الأعجوبة بالورد والأرز والمفرقعات. وبالصلوات والتراتيل وصل الى فاريا حيث سيرتفع على أعلى قمة فيها. ماذا عن هذا التمثال؟ لمن تعود الفكرة؟ من عمل على نحته وصناعته؟ «المسيرة» قابلت المسؤولين عن العمل وشاركت في «العرس الوطني» الذي أقيم لنقل التمثال لتعود بالتقرير التالي.

البداية من العرس الوطني الذي أقيم لنقل تمثال مار شربل الذي يُعدّ الأضخم في العالم كلّه إن من حيث الطول والإرتفاع وحتى الوزن.

الخامسة والنصف من فجر الأحد 20 آب 2017 انطلقت رحلة تمثال القديس شربل. من المشغل حيث تمّت عملية تصنيعه في حارة صخر في اتجاه جبل الصليب في فاريا، مرورا بمستديرة طبرجا ثم أوتوستراد جونيه- بيروت، صعودا نحو يسوع الملك وبلدات وسط كسروان وصولا الى جبل الصليب في فاريا، وقد ترافق ذلك مع تدابير سير اتخذتها المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي وإستعدادات لوجستية ضخمة.

منذ أن إنطلق التمثال من المشغل امتلأت صفحات مواقع التواصل الإجتماعي بصور وفيديوهات تنقل لحظة بلحظة الرحلة وقد صوّرها محبّو القديس الذين إنتشروا على الطرقات. هذا الحدث الوطني الكبير دفع بالناس والمسؤولين إلى التأهب من ساحل كسروان حتى جرده. واستوجبت عملية نقل التمثال إقفال الطرقات تسهيلاً لمرور موكبه وتأمين سلامة مروره تحت الجسور، خصوصا في الطرق الضيقة والتعرجات والطلعات وصولاً إلى جبل الصليب في فاريا.

لماذا كلّ هذه التدابير لنقل تمثال؟ وإلى أي مدى تصل ضخامته؟ يؤكّد النحات اللبناني العالمي نايف علوان، الذي عمل على التمثال، أنّه «بين أضخم التماثيل في العالم، إذ يصل إرتفاعه إلى 23,3 مترا، وعرضه 9,30 أمتار، ووزنه 40 طناً».

أول أكبر تمثال في العالم كان للقديس البابا يوحنا بولس الثاني الذي بلغ طوله 13 متراً وهو موجود في مسقط رأسه في بولندا، أما اليوم فأكبر تمثال هو للقديس شربل وقد يُدخل لبنان في كتاب غينيس.

وعن تفاصيل التمثال التقنية والهندسية، يوضح النحات علوان أنه بعد عدّة إجتماعات إعتُمد لون البيج للتمثال، وسيتم رفعه على التلّة بحيث يكون واقفاً حاملاً الكتاب المقدّس في يده اليسرى ورافعاً اليمنى لمباركة لبنان وأبنائه وكل من يمرّ من هناك.

عملية صنع التمثال استغرقت وقتاً قياسياً مع استعمال مواد خاصة لحمايته من العوامل الطبيعية. وعن الموضوع يشرح علوان: «بدأنا العمل على التمثال في شتاء 2016 في مشغلي في أيطو حيث تمّ تصميمه من باطون وحديد على الأرض. وكان الهدف أن يأخذ المجسّم الشكل الأفضل وأن نعطيه التفاصيل الأدقّ لملامحه، ثم تمّ جمع القطع بدقّة متناهية بشكل يستوعب المواصفات الضخمة».

تجدر الإشارة إلى أنّ التمثال قد أُنجز من مادة الألياف الزجاجية (Fiberglass) بأنواعها الملائمة لمتانة العمل على مدى عمره الافتراضي (400 سنة) مضافاً إليها الأنواع الملائمة من الريزين.

يتكوّن ​هيكله الخارجي مما يصطلح على تسميته GRP SKIN تختلف سماكتها على اتساع مساحة ​الهيكل الخارجي. أما القوائم والعوارض الداخلية المكوّنة لهيكل التقوية والتدعيم للهيكل الخارجي، فهي أيضا مكوّنة من مواد الفيبرغلاس أو ما يُعرف بـ GRP SANDWICH. أما الحشوة الداخلية لهذه القوائم والعوارض فهي مصنوعة من خشب الشوح المعالج بالطرق العلمية لحمايته من التحلل مع الزمن. وتمت صناعة التمثال في مشاغل شركة «بيروت الدولية للصناعة البحرية والتجارة» في المعاملتين التي تولّت عملية الصبّ، بإشراف مالكها عبدالله ضو».

بعد الدرس والبحث، نُقِل التمثال كاملا، من المعاملتين الى فاريا، بواسطة شاحنة نقل كبيرة، لكن من دون يده المبارِكة. وذلك بسبب طولها الذي يصل الى 8 أمتار، منعًا لتعرضها لأية أضرار، وتسهيلا لعملية النقل. وقد تمّ تركيبها لاحقا في فاريا على المنصة المخصّصة للتمثال والموضوعة على أعلى تلّة في فاريا ويصل إرتفاعها إلى 1950 متراً.

تكلفة التمثال وصلت إلى مليون دولار وقد أمّنها السيد إيلي سلامة الذي كان نذر للقديس شربل عند دخول إبنه إلى المستشفى لإجراء عملية جراحية خطيرة وقد تشفّع لمار شربل لينقذ إبنه ويشفيه. وبعد شفائه بشفاعة القديس شربل قرّر أن يقيم تمثالاً له في مسقط رأسه فاريا تحديداً إلى جانب الصليب على أرض تخصّ وقف الكنيسة.

ولفت علوان: «تمّت دراسة الظروف المناخية التي تعيشها فاريا على مدار السنة، ونحن بالطبع أخذنا في الاعتبار الظروف المناخية والعوامل الطبيعية التي تشهدها المنطقة خلال صناعة التمثال، من سماكة الثلج وسرعة الرياح التي قد تصل إلى 160 و170 كلم في الساعة على هذه القمّة». ويضيف: «العمل أنجز بأعلى مهنية والتمثال لن يحتاج إلى أية عملية صيانة قبل نحو 400 سنة وهو العمر الإفتراضي المقدّر له».

«حتى الآن ما زال الحديث عن تمثال ومنحوتة صخرية، لكن المشهد سيختلف عند من سيقصده ويقف متشفعًا عند أقدامه». وعند سؤاله عن أهمية التركيز على روحانية العمل يشرح علوان: «هذا التمثال، وعلى رغم ضخامته، سيفرض على المؤمنين الزائرين الصلاة والتضرّع والخشوع. في عملي على المنحوتات الدينية، وهي تُعدّ من الأصعب، أركّز على تفاصيل صغيرة سواء في الوجه أو في اللباس أو في الشكل الذي اعتُمد وذلك لإعطاء الروح للحجر. أعمل بطريقة تشعر المؤمن وكأنّ هذا القديس يخاطبه، وكأنّ هناك علاقة تجمع بين القديس والشخص الواقف أمامه».

عند رؤية التمثال لن يشكّ أحد بأن يد الله تدخلت في كل هذا العمل فجعل من المستحيل ممكناً، إذ يوم بدأ علوان رحلة نحت تمثال مار شربل كانت المهمّة شبه مستحيلة خصوصًا أنّه كان ينحت تماثيل صخرية معدّة لتصبح مزاراً دينياً. لكن العمل على تمثال بهذه الضخامة يتحمّل هذه العوامل كان أمراً صعباً.

وتميّز هذا العمل بالبعد الوطني الذي تحقّق من خلال إنجاز شركة «بيروت الدولية للصناعة البحرية والتجارة» التمثال. ويقول علوان: «صاحب الشركة عبدالله ضو هو من الطائفة الدرزية، أما فريق عمله المكوّن من دروز الجبل وسنّة طرابلس وعرسال ومسيحيي كسروان ومختلف الطوائف والمناطق اللبنانية، جميعهم عملوا على تنفيذ التمثال بإتقان يفوق المستويات العالمية وبحماسة كبيرة»

لا يتوقّف الموضوع عند ضخامة التمثال إنما تزامن نقله إلى المكان المخصّص لوضعه مع بدء معركة «فجر الجرود» التي يشنّها الجيش اللبناني ضدّ تنظيم «داعش» الإرهابي، وهذه رسالة إلهية محض يعبّر فيها الربّ عن رغبته في وقوف مار شربل على أعلى قمم لبنان لتبقى عينه ساهرة على الوطن.

وفقاً للتوقعات سيتمّ تكريس التمثال في قداس إحتفالي ضخم يُقام ليلة عيد الصليب في 14 أيلول المقبل وسيشارك فيه رسميون وسياسيون ورجال دين والمؤمنون الذين سيأتون من مختلف المناطق.

وفي انتظار الموعد الرسمي لتكريسه تترجّى قلوب اللبنانيين القديس شربل آلاف الأمنيات، وهو لن يبخل على أحد. هو الذي حقّق 14 أعجوبة منذ 16 تمّوز حتى 16 آب 2017 ما يؤكّد على محبّته للناس والإسراع في تلبية أمنياتهم.

لطالما قادنا مار شربل إلى طريق الملكوت مبعداً إيانا عن ضجيج العالم ومشاكله، وها هو اليوم يرتفع على اعلى قمم لبنان ليكون بمثابة شعاع روحي ومحجّ لطالبي شفاعته.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل