
انتصار؟ كيف يتماشى الانتصار مع الذل؟ كيف يمشيان على الدرب الواحد؟ كيف يرتفع الشهيد واذ به ينحدر فجأة الى قعر التراب؟ من يلملم يا الله تلك الدموع الحارقة ويضعها في قارورة عطر صغيرة بوسع الحزن، ويحملها الى قبر الشهداء ويرش فوقهم كل ذاك الالم؟ أين قبرهم يا الله، في صفقة الذل تلك أم في تلك الجرود المشققة التراب التي ينعق فيها غربان الزمان؟ أين قبرهم يا ربي بعدما ماتوا مرتين كأبشع ما يكون الموت؟ استشهدوا على ايدي رعاع الزمان ومن يحميهم ويأويهم، وماتوا، ماتوا فعلا حين تفاوضوا باسمهم لاطلاق المجرمين الى الحرية!!! من يفعلها؟ من يقوم بعمل مماثل الا هنا في لبنان حيث يتعمّد البعض ان يظهر عنوة ان الجيش جيشان، وان قوة الجيش وحدها غير كافية لحماية الارض والشعب والوطن، وان ثمة دويلة بديلة تتعمّد القيام بعمل الدولة وتفاوض عنها وباسمها، وان من يقتل الشرفاء في لبنان ممكن أن يحرَر ويعود الى الحياة يتمتع بلحظاتها الهانئة، مقابل اطلاق اسير من “حزب الله” ولو كان الثمن استشهاد ثمانية من أبطال الجيش اللبناني معليش!!!
أين قبرهم يا عم حسين، اين قبرهم يا كل أهالي الشهداء الذين قبعوا في الانتظار رهائن الذعر منذ آب الـ 2014 حتى اللحظة، وأتت اللحظة، استشهد الابناء، صار في امكانهم ان يحزنوا حتى الغيبوبة، لكن أيتحملون رؤية القتلة يُرحّلون تنفيذا لصفقة؟ لتحرير أسير؟ لاستكمال المسرحية المدمرة الذليلة التي عبرت تماما فوق دماء الشهداء؟! أي وطن هذا يا عالم؟ يا عالم… الاوطان الحقيقية تفاوض لاسترجاع بدلة لجيش حارب لاجل الكرامة ولا اقول رفات او ما شابه، فكيف اذا كانت رفاتا حقيقية؟! في أي عالم نعيش يا عم حسين، يا أهالي الذي لا اعرف اسماءهم فردا فردا، لكن أعرف بيتهم، صار الخيمة صار درب الالام ولعلها من درب الصليب ولا اسأل عن طائفة هؤلاء، كلنا طائفة واحدة، الالم، الخوف، اللبنان، ذاك الوطن المجرّح بالعملاء، أسأل آلامهم دموعهم وذاك القهر الذي يحفر في وجدانهم مقالع الاسى والغضب، أين قبرهم يا عالم، في الصفقة اياها ام في ارض وطن كلما اقترب من تحقيق نصر كبير فعلي، حفروا له هوة من الذل سحيقة؟!
لا، ليست لحظة انهيار الاهالي حين علموا بمصير أبنائهم هي المشهد، كنا نعرف ما ستكون عليه الحال حين يصل الخبر اليقين، ولعلهم في قرارة انفسهم عاشوا كل ذاك الخوف من تلك اللحظة التي توقعوها، وليس المشهد في انهيار الرجال والنساء وتهالكهم على دموع بعضهم البعض ومساندتهم الجبارة لبعضهم البعض، لحظة الانهيار الكبير هي الاعلان عن مضمون الصفقة، “الصفقة”؟ صار الشهداء صفقة لاطلاق المجرمين؟ وصار اسم القتيل على ارض الغريب لاجل الغريب “شهيد”؟ اليس هذا قبرا يا عم حسين ويا اهالي الشهداء؟! ومن قال ان القبر هو فقط حجر فوق رخام بارد تعيس، اليس القبر هو حين تدفن الكرامة في نعش الصغار؟!
لا أرثي شهداء الجيش الثمانية، هؤلاء كانوا مشاريع شهداء بالأساس، هؤلاء ارتفعوا، وللمرة المليون اكرر لا يسقط الشهداء، ومن يدخل الجيش يدخل عرين الشرف وثمن الشرف غال غال جدا أكبر من وطن، اوسع من استشهاد، ثمن الشرف هو الحب هو القيم هو الايمان، هو الارض الطيبة الخصبة، هو كل هؤلاء الجنود الذين تلفحهم أرض لبنان بذاك الطيب والعبق من بخور الارز، ولن اراقب القافلة حين يأتي الشهداء لاني كما غالبية اللبنانيين، لن احتمل مشهد المجرمين وهم يُرحّلون، سأصبغ صفحاتي بالاسود ليس حزنا على الشهداء وحسب، انما على حالي ووطني الذي بدل أن يقرع الاجراس فرحا بالانتصار حتى مع الشهداء، ها هو يقرع الاجراس والمآذن حزنا، لن نبكي بعنفوان كما اعتدنا أن نفعل ومن دون أن يكسرنا الحزن، لان شهيد الوطن فرح الارض، سنبكي بغضب وخيبة وسنشيح يوجوهنا عن ذاك المشهد ونشيّع في بالنا شهداءنا ونصلي لاجلهم ولاجلنا، هؤلاء الابطال، ابطال الجيش اللبناني في كل زمن ومكان وحرب وارض، لهم وحدهم تقرع أجراس المجد، وهم من صنعوا مجد هذه الارض، اما الاخرون؟ فلم يصنعوا لها سوى العار وليس لهم عندهاوعندنا سوى ذاك “المجد” المفترض من رماد…
