معلوم أن القطاع العقاري يمثل واحدا من الركائز الأساسية للإقتصاد اللبناني. ولذلك فإن حركته تشكل مؤشرا واضحا على اتجاهات هذا الإقتصاد صعودا أو هبوطا. وفي هذا الإطار ثمّة من يتحدث اليوم عن تراجع كبير خصوصا في قطاع الشقق لامس حدود الخطر. ما مدى صحة ذلك، وكيف يمكن توصيف الوضع بالإستناد إلى الأرقام؟ في المقابل، ما أسباب هذا التراجع وما مدى تأثيره على الإقتصاد ككل، وكيف تتم معالجته؟ عند الولوج إلى التفاصيل يتبين أن هناك فرقا كبيرا في الحركة بين الشقق الصغيرة وتلك الفخمة والكبيرة. كما أن هناك فرقا في الإتجاهات بين أسعار الأراضي وأسعار الشقق…
عرف القطاع العقاري اللبناني، لا سيما الشقق الجاهزة، موجات صعود وهبوط في السنوات الأخيرة متأثرة بالعديد من العوامل المحلية والخارجية. لكن ما استدعى الكلام عن ملامح أزمة في القطاع، هو التراجع شبه المتواصل للأسعار منذ العام 2012 حتى اليوم من دون ظهور بوادر انفراج في المدى المنظور. هذا الواقع دفع المطورين العقاريين وتجار الأبنية إلى إجراء حسومات على الشقق وصلت إلى 40 في المئة.
مسار من التراكمات
التراجع المسجل منذ 5 أعوام متواصلة في أسعار الشقق واستطرادا في المساحات المبنية نظرا لتراجع الطلب، كان بلغ ذروته في العام 2016 حيث سجلت معاملات البناء تراجعاً في مجموع المساحات المسجلة بنسبة – 3.5 في المئة مقارنةً مع المساحات المسجلة في العام 2015، إذ بلغ مجموع المساحات الإجمالية المسجلة العام الماضي 9.935.308 أمتار مربعة يقابلها 10.294.346مترا مربعا للعام 2015. وقد أشارت الإحصاءات التفصيلية لنقابة مهندسي بيروت، إلى أنّ أعلى نسبة تراجع في مساحات البناء سجلت في محافظة بيروت حيث بلغت حوالى – 23.1 في المئة، يليها جبل لبنان بتراجع – 12.6 في المئة. أما في باقي المحافظات فقد تم تسجيل زيادة راوحت ما بين 13.3 في المئة في محافظة النبطية إلى 20.2 في المئة في محافظة البقاع.
وكان العام الماضي 2016، شهد تنفيذ عمليات بيع للعقار في بيروت، بأسعار تقل نسبتها عن 15 – 25 في المئة، عما كانت عليه في 2014. ولفت مطورون إلى أن التباطؤ انسحب على حركة مبيعات الشقق وعلى تصنيفاتها المختلفة في كل المناطق، على رغم استمرار ضخ السيولة لتمويل عمليات الشراء للطبقة المتوسطة، بسبب قلق المواطن اللبناني من الوضع.
اللافت بحسب المحللين أن هذا التراجع الذي حكمته أسباب عديدة، كان متوقعا له أن يتخذ اتجاهات إيجابية في العام 2017 بعد انتهاء الفراغ الرئاسي وشلل المؤسسات الذي ألقى بثقله على مختلف القطاعات. غير أن الواقع أظهر خلاف ذلك واستمرت الأسعار في الإنحدار ما استدعى استنفار القيمين على القطاع لاستدراك الأمر. إذ يرجّح عدد من الخبراء الاقتصاديين، تواصل تراجع أسعار الشقق والعقارات خلال الفترة المتبقية من العام الحالي، ولكنها لن تصل في أي حال إلى حدود الانهيار كما يشيع البعض.
ويشير خبراء العقار إلى أن أسعار الشقق في لبنان بدأت الارتفاع السريع منذ العام 2000، وبقيت الأسعار آخذة بالارتفاع حتى بلغت 100 في المئة في العام 2005 الذي شكل صدمة للمسار التصاعدي للعقار بعد الزلزال الأمني والسياسي الذي ضرب لبنان. وتابعت صعودها بقوة بعد اتفاق الدوحة وانتخاب رئيس في العام 2008 لتصل إلى أربعة أضعاف ما كانت عليه، بالغة الذروة في العام 2011. تلى ذلك فترة جمود وترقب مسار انعكاس الأحداث في سوريا والمنطقة على لبنان، لتبدأ الأسعار بالتراجع بعد فقدها القدرة على الصمود.
ويلفتون إلى أن العامين 2014 و2015 شهدا تراجع الأرباح في القطاع العقاري، مع هبوط مبيعات الشقق إلى نحو 30 في المئة، مقارنة مع العام 2011، واستمر التراجع حتى اليوم. ويتوقعون انخفاضا آخر في أسعار الشقق، لتصل نسبة الهبوط إلى 40 في المئة نهاية العام 2017، مقارنة مع ما كانت عليه في العام 2011.

أسباب التراجع
يعيد المطورون والخبراء تراجع أسعار الشقق إلى أسباب داخلية وخارجية، منها تراجع إقبال المستثمرين الخليجيين، معطوفا على تراجع الإقبال من المغتربين اللبنانيين والذي يبرره تراجع التحويلات نتيجة العديد من المؤثرات السلبية في معظم بلدان الإنتشار. إضافة إلى عجز الشباب ماليا داخل لبنان لشراء الشقق. فنسبة البطالة تتعدى الـ 25 في المئة، وتصل لدى الشباب المؤهل أكثر من غيره لشراء الشقق الى 35 في المئة. ثانيا تراجع اسعار النفط في الاسواق العالمية، وتراجع اسعار العملات الافريقية وتأثير كل ذلك على اللبنانيين العاملين في تلك الدول. ثالثا الخليجيون الذين كانوا يعمدون الى شراء الشقق تراجعوا عن ذلك بل إن بينهم من عرضوا شققهم للبيع بسبب الاوضاع السياسية في لبنان.
هذا التباطؤ في الإقبال على الشراء جمّد حركة مبيعات الشقق في لبنان على مدى السنوات الخمس الأخيرة. علما أن المساحات المبنية بلغت نحو مليون متر مربع، وتفوق قيمتها 3 مليارات دولار. وقد تم تسجيل تراكم كبير في عدد الشقق غير المُباعة منذ العام 2012 حتى الآن، إذ بعدما كان المطوّر العقاري يبيع 80 في المئة من عدد الشقق قبل إنجاز البناء، تراجعت هذه النسبة تدريجاً سنة بعد أخرى لتصل إلى 50 في المئة، بحيث بات عدد الوحدات غير المباعة يشكل نسبة 60 في المئة. ما أدى إلى تضخم في عدد الشقق بعد انعدام الطلب.
ويعتبر المطورون أن هذا المبلغ الضخم المجمّد يشكّل عبئاً كبيراً على أكتافهم، لجهة التزاماتهم تجاه المصارف. وهذا يعني أن المطورين يحتاجون إلى سيولة توازي هذا المبلغ لتسديد ديونهم للمصارف. من هنا يمكن فهم التسابق بين هؤلاء على خفض الأسعار لتحريك عمليات البيع والحصول على ما أمكن من السيولة. وهذه المنافسة تساهم بدورها في توسيع الهوة بين العرض المتزايد والطلب المتراجع، وبالتالي إلى مزيد من الإنخفاض في الأسعار.
وفي هذا الإطار، يقول رئيس جمعية منشئي وتجار الابنية ايلي صوما، إن المطورين العقاريين وتجار الأبنية باشروا تخفيض بناء عدد شققهم. «كنا نشيد سنوياً نحو 28 ألف شقة تتنوع بين صغيرة ومتوسطة وكبيرة، ولكن منذ خمس سنوات، أي تزامناً مع اضطراب المنطقة العربية، عمدنا إلى خفض عدد الوحدات المشيّدة تجنباً لأية أزمة طارئة وخوفاً من وقوع حرب أو فوضى أمنية في البلد. من هنا، قررنا تشييد نحو 15 ألف شقة سنوياً فقط، واعتمدنا تصغير احجام الشقق من 200 متر مربع وما فوق للشقة إلى 150 متراً مربعاً وما دون، وذلك تماشياً مع تحوّل الطلب إلى الشقق الصغيرة». وأكد أن عدد الشقق التي تباع بواسطة القروض المصرفية والمؤسسة العامة للإسكان هي التي تحرك السوق العقاري في البلد.
وللمساهمة أكثر في تحريك السوق، اقترحت جمعيات منشئي الأبنية والمطورين على رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وعلى رئيس لجنة المال والموازنة النيابية إبرهيم كنعان، تقديم حوافز للقطاع وخصوصاً لجهة التسجيل العقاري المجاني والإعفاء من الضرائب على مدى سنتين. وقد نجح الجمعيات المعنية في التوصل الى مجموعة اجراءات بينها موافقة المعنيين على مناقشة تعديلات أساسية على الضرائب العقارية تتوافق مع قوانين الضرائب العقارية والضرائب على ارباح رأس المال، وقد تبنى رئيس الحكومة سعد الحريري توحيد جهات التخمين العقاري.
لكن على رغم الوضع الصعب والأخبار المضخّمة عن أزمة في القطاع، يرفض صوما القول إن القطاع العقاري يعاني ركوداً، بل «يعيش هدوءاً»، بحسب تعبيره، مع الإعتراف بأن البيوعات العقارية تراجعت، وأن البيع يتم بسعر الكلفة.
نقطة مضيئة في الأفق
في محاولة لإنقاذ الوضع ولتحفيز القطاع العقاري في البلاد، بادرت المؤسسة العامة للإسكان منذ حوالى الشهرين، إلى خفض أسعار الفائدة على قروضها الجديدة من 4.67 في المئة و5 في المئة، إلى 3.25 في المئة و3.50 في المئة. ويهدف الخفض إلى تشجيع الطلب على شراء المساكن، من أجل دعم قطاع البناء وتصريف السيولة بالليرة المتراكمة لدى المصارف، فضلا عن تخفيف حدة التململ الاجتماعي.
وفي هذا المجال يقول حاكم مصرف لبنان رياض سلامة إننا نحاول على الصعيد العقاري، الذي يشهد تباطؤاً حالياً أن نفعّل النظام الذي بموجبه يستطيع المطور العقاري سد جزء من دينه بعقارات، ولذا نحرر الأموال التي تستعمل لإنهاء المشاريع وليستمر المطور العقاري في عمله، ولتبقى الفائدة على القروض السكنية مخفّضة لتفعيل قطاعات أخرى تتعلق بالبناء.
مصدر في المؤسسة العامة للإسكان قال لـ”المسيرة” إنه منذ أول العام 2017 حتى ظُهْر 21 آب الحالي كان عدد الطلبات المقدّمة للمؤسسة بلغ 94 ألفا و260 طلبا، وبلغ عدد المنجز منها 76 ألفا و300 طلب، بدأ أصحابها الإستفادة منها أو تسلم الشقق. ويشير المصدر في المؤسسة نقلا عن رئيس مجلس الإدارة المدير العام المهندس روني لحود أن الرقم المسجل لهذا العام حقق ارتفاعا في عدد الطلبات مقارنة مع الفترة المقابلة من العام الماضي، بلغ 200 طلب. وشدد على وجوب عدم الخلط بين النشاط العقاري في شكل عام وعمل المؤسسة العامة للإسكان.
ولفت المصدر إلى أن نسبة 85 في المئة من الطلبات المقدمة هي لشباب تراوح أعمارهم بين 25 سنة و35 سنة. وبسؤاله عن النسبة بين المناطق شدد على أن الثقل يتركز خارج بيروت حيث أن 96 في المئة من الطلبات هي لشقق خارج العاصمة، وهو ما يندرج ضمن سياسة المؤسسة تشجيع المشاريع خارج العاصمة والمدن. وكذلك تشجيع المشاريع ذات الكلفة المتوسطة والقليلة، أي لمن لا يتجاوز دخلهم عشر مرات الحد الأدنى. وأشار إلى أن محافظة جبل لبنان تسجل الحصة الأكبر، بنسبة 45 في المئة.
وحتى في المبيعات خارج المؤسسة العامة للإسكان، تتصدر منطقة جبل لبنان نسبة مبيعات الشقق والأبنية، إذ تحوز على نحو 27 في المئة من مجمل الوحدات المشيّدة، تليها بيروت الكبرى والبقية تتوزع على سائر المناطق. أما منطقة بيروت الصغرى (خط البحري الأول والثاني وفردان وصوفيل وغيرها من الشوارع) فحركة البيع فيها ضعيفة جداً، إذ يوجد فيها نحو 1500 شقة فقط وليس أكثر، ويراوح سعر المتر فيها بين 5000 و7000 دولار. وهذه المناطق لا ترتبط بالحركة أو النشاط السياحي أو العقاري، إذ إن زبائن هذه الشقق هم من اللبنانيين الأغنياء.
ولكن هناك من يسأل عن كيفية ومدى تأثير إقرار سلسلة الرتب والرواتب والضرائب والرسوم الملحقة، على القطاع العقاري؟ يجيب بعض الخبراء بأن رفع القيمة التأجيرية سينعكس حكماً على رسم التسجيل الذي من المتوقع أن يرتفع بنحو 80 إلى 90 في المئة، ما سينعكس على سوق الشقق، وسيرفع أسعارها وتكاليفها على المواطن، كما أنه سيخفّض مستوى البيوعات العقارية. فيما يرى آخرون أن الزيادات على الرواتب في القطاع العام سيتحول قسم منها حكما إلى شراء شقق وهو ما يرفع الطلب ويساهم في إعادة بعض التوازن إلى السوق.
غير أن الفريقين يُجمعان على أن المناخ الذي يعاود تحريك السوق، لا يزال يتطلّب مزيداً من الحوافز المشجعة المتصلة بالوضع السياسي، على رغم بعض التحسن فيه وعودة عمل المؤسسات. وأنه من المستحسن أيضا أن يتم خفض بعض الضرائب على القطاع العقاري سواء بالنسبة إلى المطور أو المواطن الذي يرغب في الشراء.











