عقود على نشاط “حزب الله” في الولايات المتحدة

 

أصيب الأميركيون بالصدمة عند سماعهم بعمليات اعتقال قامت بها الولايات المتحدة لعناصر من “حزب الله”، يقيمون ويعملون داخل الأراضي الأميركية لصالح الحزب، لأن عدداً كبيراً منهم لم يكونوا على اطلاع بأنه توجد عناصر من الحزب تنشط على أرض الولايات المتحدة.

ففي مطلع حزيران، ألقي القبض على رجل يقيم في البرونكس يدعى علي كوراني واتهم بجمع معلومات عن مطار “جون إف كينيدي” في مدينة نيويورك بهدف شن هجوم قد يقوم به عناصر من “حزب الله”. وفي الوقت نفسه تقريبا، ألقي القبض على سامر الدبيك من ديربورن، ميشيغان، واتهم بالسفر إلى بنما للقيام بعملية مراقبة ضد أهداف إسرائيلية وقناة بنما. وفي شباط، ألقي القبض على رجل ثالث، وهو فادي ياسين، واتهم بالتحضير لإرسال أسلحة إلى أحد أعضاء “حزب الله” في لبنان.

لكن اعتقال كوراني كان لا ينبغي أن يشكل مفاجأة، فقد كان “حزب الله” نشطاً داخل الولايات المتحدة منذ عقود، حيث شارك في مجموعة من الأنشطة التي تشمل جمع وغسل الأموال. غير أن اعتراف كوراني بكونه عضواً في جناح العمليات الخارجية لـ”حزب الله”، يشير إلى شيء أكثر خطراً.

يدير “حزب الله” جمعيات خيرية مثل كشافة المهدي، والمدارس الشيعية، ومؤسسة الشهداء، وهي كيانات تقدم الأموال الخيرية لأسر مقاتلي “حزب الله” وتمثل امتداداً للحزب في المجتمع. تعمل مؤسسة الشهداء في بلدان مختلفة وتحت رعاية مختلفة، وفي الولايات المتحدة كانت تُدعى “المنظمة الخيرية للنوايا الحسنة”، ومقرها في ديربورن وهي مسؤولة عن إرسال مساهمات الأعضاء والمؤيدين مباشرة إلى قادة “حزب الله” في لبنان.

يدير “حزب الله” أيضاً شبكة احتيال واسعة النطاق تضمنت مع مرور الوقت عدداً من الناشطين في عشر ولايات على الأقل، بما في ذلك ميشيغان، كاليفورنيا، فلوريدا، جورجيا، إلينوي، كنتاكي، ميسوري، نيويورك، كارولينا الشمالية وفرجينيا الغربية. كما أنشأ أيضا شركات في الولايات المتحدة، بما فيها شركة توزيع عطور، كانت بمثابة منظمات أمامية ساعدت على غسل الأموال للمجموعة الإرهابية الشيعية. كما شملت خطة أخرى شراء السيارات المستعملة في الولايات المتحدة وإعادة بيعها في إفريقيا، وهي جزء من شبكة عالمية لغسل الأموال شاركت أيضاً في إحدى البنوك اللبنانية وخلط الأموال التي حصل عليها “حزب الله” من خلال الإتجار بالكوكايين.

من بين جميع عمليات التزوير والتهريب والإتجار التي قام بها “حزب الله”، برزت إحدى أكثر عمليات الاحتيال ربحاً، وهي التي نفذتها مجموعة  لتهريب السجائر مقرها في شارلوت في ولاية نورث كارولينا. فقد تم بيع صناديق من السجائر تم شراؤها في الولاية المذكورة مقابل 14 دولاراً بضعف سعرها في ميشيغان. ويعتقد أن المجموعة قد جنت عشرات آلاف الدولارات عن طريق نقل وبيع السجائر غير الخاضعة للضريبة في جميع أنحاء الولايات المتحدة.

شارك “حزب” الله أيضاً في أنشطة ذات الصلة بالإنترنت في الولايات المتحدة. وخلال حرب تموز 2006 مع إسرائيل، قطع القراصنة الإسرائيليون الخدمة عن مواقع “حزب الله”، فرد قراصنة الحزب باختراق بوابات اتصالات الشركات ومقدمي الخدمات وخوادم استضافة المواقع في جنوب تكساس، وضواحي فرجينيا، بروكلين، نيويورك ونيوجيرسي.

لكن أعضاء “حزب الله” لم ينفذوا عملياتهم بسلام داخل الولايات المتحدة. فقد كانت عملية “ستائر الدخان” تحقيقاً استخباراتياً لمكتب التحقيقات الفدرالي (أشرف عليه قسم عمليات الإرهاب الدولي التابع للمكتب) أُجري في منتصف التسعينيات، وشمل إدارة المصادر واستغلال خطوط الهاتف. كانت العملية في جزئها الأكبر ناجحة، وأسفرت عن توجيه اتهامات جنائية إلى ستة وعشرين شخصاً متهمين بتهريب السجائر وغسل الأموال والابتزاز والاحتيال على الأسلاك والتآمر وتزوير التأشيرات ووثائق الزواج والدعم المادي لمجموعة إرهابية. وقد تم التحقيق في أكثر من 500 حساب مصرفي وبطاقات ائتمان كجزء من التحليل المالي للشبكة.

كما أجريت عملية استخبارات سرية أخرى هي “عملية مياه الحوض” لتعطيل أنشطة “حزب الله” في ميشيغان واستندت إلى معلومات جمعها في أوائل العام 1999 عملاء الاستخبارات السرية في الولايات المتحدة الذين يعملون مع فرقة العمل المشتركة لمكافحة الإرهاب في ديترويت. وركزت عملية “مياه الحوض” على العنصر المالي للمشروع الإجرامي لـ”حزب الله” في الولايات المتحدة، واكتشفت ما كان أكبر مخطط للاحتيال على بطاقات الائتمان في تاريخ الولايات المتحدة، يديره من توليدو، أوهايو، أحد سكان ديربورن ويدعى علي نصر الله.

ووفقاً لتقرير صادر عن دائرة أبحاث الكونغرس، استخدمت الولايات المتحدة تسميات إرهابية رسمية وقوائم لفرض عقوبات مالية على “حزب الله” وعقوبات هجرة على عناصره ومؤيديه. كما جمّدت الولايات المتحدة الأصول الخاضعة لسلطة قضائها، وحظرت على المواطنين الأميركيين تقديم الدعم المالي أو المادي للجماعة أو الدخول في معاملات مالية مع “حزب الله” والأطراف التابعة له، وحظرت دخول أفراد الحزب إلى الولايات المتحدة وأصدرت أمراً بترحيل المقيمين فيها.

إضافة إلى وضع بعض المنظمات على لائحة المجموعات الإرهابية، عزلت الولايات المتحدة  أفراد هذه الجماعات لاستهدافهم. وفي حزيران 2004، استدعت وزارة الخزانة الأميركية أسد أحمد بركات، أمين صندوق “حزب الله” في أميركا الجنوبية، وهو ممول إرهابي رئيسي وشخص اقترف كل جريمة مالية في القانون، بما في ذلك في أعماله، لتحويل أموال إلى “حزب الله”.

يتوجب على الولايات المتحدة وحلفائها الاستمرار في مكافحة تمويل الإرهاب من خلال العمل من خلال وزارة الخزانة والتعاون مع كيانات القطاع الخاص لتحديد ومن ثم اتخاذ إجراءات ضد تمويل الجماعات الإرهابية على الأراضي الأميركية، وخصوصاً تلك الجماعات التي تعمل بصفتها وكيلة لإيران. فـ”حزب الله” عانى من إصابات خطيرة في سوريا، لكنه أيضا يشعر بالتشجيع من نجاحات ساحة المعركة، وقد يسعى إلى ثني عضلاتها على الصعيد العالمي.

وإن لم يكن من أمر، ينبغي أن تكون الاعتقالات الأخيرة لأعضاء “حزب الله” داخل الولايات المتحدة بمثابة تذكير صارخ بأنه إذا استمر التوتر  مع إيران في الشرق الأوسط بالتصاعد، فإن طهران تحتفظ بالقدرة على ضرب المصالح الأميركية في جميع أنحاء العالم من خلال قوة وكيلها، “حزب الله”.

Colin P. Clarke

The National Interest

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل