.jpg)
لقد راجت في مرحلة فائتة بدعة مستوردة منحرفة قوامها “شعب وجيش ومقاومة “، وتبنّتها الحكومات المتعاقبة في بياناتها، إمّا تملّقاً أو خوفاً أو تحصيناً وتغطية لحالة هجينة.
هذه الثلاثيّة “المقدّسة” أو المعادلة المهتزّة، والتي لم تعد تنطلي على أحد، ولم يعد مقبولاً اعتبارها من الثّوابت “الوطنيّة”، لكونها في البداية غير وطنيّة، لأنها تضرب مفهوم الوطن ككيان والدولة كسيادة، وهي بالتالي تحكم بالإعدام على المشاركة المتساوية والإستقرار وحفظ أوزان القوى السياسية المتفاعلة على أساس ديمقراطي.
وقد أُضيف إليها حالياً قُطباً رابعاً أشدّ سوءا، هو الجيش السوري أو بالأحرى النظام السوري الذي عاث فساداً وإفساداً في النّاس، وتشليعاً في الكيان، وظلماً واستبداداً مكروهَين.
ولما كان النّظام الديمقراطي الذي ارتضاه اللبنانيّون يعطي الحاكميّة للشعب، وتستمدّ السلطة فيه شرعيّة وجودها وأدائها من الشعب نفسه، لم يعد مفهوم الشعب إذاً مفهوما مائعاً ولم تعد السلطة للعروش ولا للمُرشِدين. ولم يعد الشعب مجرّد عِباد يمكن اختزالهم أو فرض السّمع والطّاعة عليهم أو التحكّم بهم بما قسمه لهم وليّ أمرهم المَفروض. فالشعب سيّد نفسه، يُشهد له بالسيادة في المبدأ والقانون والدّستور، وله منزلة مدنيّة ويشكّل مع الأرض والنّظام السياسي – فقط – قوام الكيان الإجتماعي السياسي المُسمّى دولة أو جمهوريّة، ما يعني أنّ الشأن السياسي هو شأن عام قوّته الضاغطة هي الشعب.
لقد أعطت الدساتير الديمقراطيّة للشعب القوة لصناعة القرار، لتُلاشي بذلك الأوتوقراطيّة أوالحكم الإلهي بتسلّط فرد (أو جماعة) يُحكِم سيطرته على الناس وينتزع ولاءهم بالخوف، أو بديماغوجيّة سافرة تتوسّلها قدسيّة الحاكم لخداع الشعب، وإغرائه ظاهريّاً بأنّه يخدم مصالحه.
من هنا، قُدّر للشعب اليَقِظ (عَلَّ هذه العدوى يُصاب بها شعب لبنان)، أن يُسقط مسرحيّاتٍ بواسطة صناديق الإقتراع، ويهدم الشرعنة الزائفة لبعض البِدع – المتاريس التي تحتلّ الإنسان، وتخفي وراءها إستراتيجيّات ملتبسة لا علاقة لها بمصالح الشعب والوطن على السّواء.
والشعب هو كيان عضوي له إرادة مشتركة وهويّة جامعة، يسعى الى انتظام العيش وفق مبدأ القرار الحرّ المتميّز عن كلّ تبعيّة، ولا سيّما تبعيّة الدّاخل المُطَوِّقة، وهو الضمانة الحقيقية أو العصا السحريّة القادرة على غلق الباب أمام أيّ مغامرة متربّصة بالإستقرار في لحظة جنون. من هنا فإنّ موسميّة بعض الشعارات، ولا سيّما الأخيرة منها، لم تعد تمرّ ، حتى ولو صيغ لها ألف حجّة سفسطائيّة تُبطّن تهويلاً بقدرة غير شرعيّة. إنّ مدّ الجسور بين الشعب وبين تلك الشعارات المستهلَكة أضحى من الماضي، لأنّ الشعب الذي بات يرفض المسكّنات، حرّر نفسه من هذه الترويجات الإنتهازيّة التي تمثّل احتقاراً للسيادة، وتسطيحاً لفكرة البلد الآمن.
لا حاجة إذاً للمناورات وللإلتفاف على حقيقة أنّ الشعب بأكثريّة فئاته، يطالب بمستقبل موثوق، انطلاقاً من واقع ممسوك من شرعية دولته، ويستغني عن صُنّاع الثورة الملتوية، ويصدّ المتسلّلين الى الواجهة السياسية من راكبي الأحداث للسطو على موقع القرار، ولفرض معادلات تُسقط من اعتبارها تطلّعات الشعب التائق الى وطن حرّ لا تُحبَط فيه أحلام أجياله.
الشعب يريد، وبالخطّ الأحمر العريض، إسقاط الثلاثيّات والرباعيّات التي أصبحت مطيّة للإستئثار بالحكم وللإطباق على الوطن، لتحلّ مكانها أحاديّة “الشّعب” النّابض، سيّد نفسه وصاحب قراره والمُدافع عن حريّته، والمتلاقي مع ما قاله فرانكلين: “مَن يتخلّى عن حريّته خوفاً على أمنه، لا يستحقّ حريّةً ولا يستحقّ أمناً”.
بالله عليكم، لا تُجبرونا على أبغض الحَلال، أي المؤتمر التأسيسي ولكن ليس على أساس طائفيّ، بل للتوصّل الى تقسيمٍ كامل ونهائي بين لبنان اللبناني ولبنان السوري.