
في 12 تشرين الأوّل من العام 2016، أعلن الأمين العام لـ”حزب الله”، أنّ ترحيل “داعش” إلى سوريا هو مطلب أميركي، فيما الإنتصار الحقيقي هو ضرب “داعش”، واعتقال قادتها والزّجّ بهم في السّجون، وأن يحاكموا محاكمة عادلة. كذلك توجّه إلى العراقيين قائلا: “إنّ الأميركيّين يريدون فتح طريق لـ”داعش” من الموصل إلى شرق سوريا، وتكديسه هناك بعد هزيمته في العراق وذلك سيؤدّي إلى تنفيذ عمليّات إرهابيّة، حيث تصل أيديه في العراق، ولتوقيف هذه العمليّات سيضطرّ العراقيّون الدّخول إلى شرق سوريا”. والكلام دائمًا لنصرالله. ما الذي تبدّل ليتحوّل نصرالله إلى المفاوض الأوّل لـ”داعش”؟ ولماذا تسارع إلى سرقة انتصار الجيش اللبناني البطل؟
من يتابع المسار التّصاعدي لهذا الحزب منذ لحظة تأسيسه، يدرك أنّ عمله يتجاوز إطار الدّولة حتّى الإقليم. وما حربه في سوريا إلا دليل على ذلك. ومسار نصرالله وحزبه في التّحكّم بأداء الدّولة التي تحضن وجوده السياسي، بات اليوم في خطر. ولا يمنّن أحد بحمايته بعد اليوم، لأنّ ما أقدم عليه الجيش اللبناني في عمليّة “فجر الجرود”، خير دليل على جدارة هذا الجيش كقوّة فاعلة وقادرة في حماية الدّولة والكيان. وهذه المسألة بالذّات هي التي دفعت الحزب إلى المُسارعة في نهب انتصار الجيش اللبناني، والحدّ من دوره، لتثبيت قصور هذا الجيش بغرض تثبيت دور الحزب كقوّة بديلة عنه.
أمّا في تحوّله إلى مفاوض بعدما أن كان “المحارب”، فهذه المسألة فضحت سبب وجود “داعش” الذي بات مرتبطًا على حدّ قول جبران خليل جبران بالمسبّب الذي إن زال، زال السّبب معه. فبزوال “داعش” تنتفي حجّة وجود النّظام الذي يدّعي محاربته. من هذا المنطلق، من واجب الحزب المحافظة على “داعش” لأنّه بعد الإنتهاء من كلّ المعارضين الحقيقيّين للنّظام، يبقى وحده سبب وجود الإحتلال الإيراني في سوريا. وهذه الذّريعة التي زالت من لبنان بفضل الجيش اللبناني. لذلك عدنا نسمع في اليومين المنصرمين موّال العدوّ الصّهيوني والموت لإسرائيل ليذكّر الحزب بعلّة وجوده التي ربطها أيضًا بالإرهاب الموجود في سوريا.
ومن الملاحظ أيضًا، ما أطلقه نصرالله في خطابه الأخير حول “الهويّة اللبنانيّة للطّائفة الشّيعيّة”، وهذا ما لم ينكره أحد في لبنان. فبعد ضرب الدّولة وإضعافها انتقل نصرالله لضرب الكيانيّة اللبنانيّة. وهو مسار واحد ابتدأ في العام 1982 منذ تاريخ وجود “حزب الله”. فما من لبناني يريد فحص الـDNA لأيّ لبناني آخر لتثبيت هويّته اللبنانيّة إلا نصرالله. وهذا أمر مرفوض بالشّكل والمضمون. فتاريخ المسيحيّين والموارنة بالأخصّ، متجذّر من عمر الأرز في لبنان. فلا يمنّنا أحد بوجودنا. نحن الذين دفعنا دماء فلذاتنا للحفاظ على حريّتنا في هذه الأرض. وارتضينا بعد الطّائف أن نكون في عمليّة شراكة مع الآخر المختلف لبناء الدّولة.
كما لم نسمح بضرب الكيان في الماضي القريب، كذلك نحن اليوم هنا. ومن لم يسمع دويّ أعمالنا فهذه مشكلته، فليعالج صمه عند “الحكيم”. أمّا الدّولة التي ارتضينا أن نسلّمها كلّ قدراتنا العسكريّة يوم كنّا عسكرًا، وارتضينا 4114 يوماً من الإعتقال لتقوم، فلن نسمح لنصرالله وكلّ من لفّ لفيفه، بأن يسلب منها القدرة على القيام. سارق الإنتصار اليوم وضارب الدّولة والكيان لن يستمرّ في غطرسته، فكما قاومنا العثماني أربعة قرون، والفرنسي أربعة عقود، والسّوريّ ثلاثة عقود، كذلك سنقاوم اليوم من يحاول القضاء على تاريخنا.