إبتسَم شهيد الجيش عند التلة: نحن الشهداء خلّوا إيمانكن كبير

كتبت فيرا بومنصف في “المسيرة” – العدد 1626:

يبتسم الداعشي سعيدا جذلا من نافذة الباص المكيّف الذي يقلّه خارج الأراض اللبنانية، يرفع سلاحه تحديا ليخبرنا انه خرج بشروطه، أخذ معه المال والسلاح والعائلة والحرية، وأهم الأهم، أخذ أرواح شهداء الجيش اللبناني وعاد حرا الى موطن إجرامه، الى مرقد عنزته المكلل بالآلاف من أمثاله، الى أرض النظام، أرض بشار الأسد، خرج رافعا إشارات النصر، وكيف لا بعدما تمم صفقة صفقات عمره مع «حزب الله»، أعطاه ثلاثة أسرى وترك لنا ثمانية شهداء نهشت أجسادهم ديدان الأرض، بينما خرج المجرمون من أرض لبنان تشيعهم الإنسانية المتهالكة على وحوش الزمان، وحوش الداخل قبل الخارج الذين «بفضلهم» تجرّحت عيون الأهالي بخناجر الدمع والخيبة، العيون المتفجرة ألما وقهرا لرؤية قتلة أبنائهم وهم يعبرون الحدود الى حياة جديدة، ببسمات التحدي ونظرات الوحوش الكاسرة، أي عدالة تقبل أن يستشهد الجنود مرتين ليتحرر المجرمون بصفقة واحدة؟!!

مر زمن قبل أن تدوي اللحظة التي كان يجب أن تنفجر منذ ثلاثة أعوام، منذ آب 2014 تاريخ اختطاف عناصر للجيش من قبل «داعش»، انتظرت اللحظة ثلاثة أعوام ليعلن أخيرا الجيش اللبناني انطلاق معركة «فجر الجرود»، وبدا للبنان أن فجرا جديدا بدأ يشق طريقه إليه، وهي كذلك، طلع علينا فجر مختلف، أشرقت من بعده شمس تحرير الجرود من الإرهابيين، كل لبنان كان هناك مع جنوده يحارب، هذه معركة نظيفة بلغة العسكر، وكان انتصارا نظيفا شفافا رقراقا على رغم عنف المواجهات، لولا تلك الشائبة الكبيرة التي أضفت طعم المرارة على النصر الكبير. لا ليس استشهاد سبعة عناصر للجيش، كل جندي مشروع شهيد، يعرفون أن لحظة تغيب عيونهم عن عتبة منازلهم وهم يهرعون للواجب، قد تكون تلك آخر لحظاتهم مع من يحبون، يعرفون أن العز لا يليق بالأرض وناسها إلا لحظة الاستشهاد لأجل بقائها، والبقاء أيضا للنضال لأجلها وهم فعلوها، ذهبوا الى جبهاتهم مكللين بالعنفوان وعادوا مكللين بغار النصر وغار الشهادة وتحررت معهم وبفضلهم الأرض، كانت الشائبة ان تباع الشهادة الغالية بالسعر الرخيص، أن يكون ثمن الاستشهاد حياة للمجرمين…

لما انطلقت معركة «فجر الجرود» فرحنا، رقصنا انتصارا قبل إعلان النصر، لأن وبعد طول انتظار، تسلّم الجيش اللبناني المهمة المؤجلة منذ ثلاث سنوات، تحرير الجرود وإطلاق العسكريين المخطوفين، فرحنا وخفنا أيضا، قلنا هذه معركة صعبة وقاسية وستستمر شهورا طويلة وسيستشهد لنا الكثير من العناصر، لم تكن قلّة إيمان فينا، إنما قلة معرفة مشوبة ببعض الخوف، لم نكن لنعرف حجم قوة الجيش اللبناني نعترف، لم نكن لنتوقع أن معركة قاسية كتلك، ممكن أن يحسمها الجيش بأيام ويطرد الإرهابيين كالأرانب المذعورة الى ما خلف الحدود، ويقتل من يقتل منهم بالعشرات، لم نكن بقلة خبرتنا العسكرية لنتخّيل الخطط المحكمة التي اعتمدها هذا الجيش، الذي ما زال يصر البعض عمدا وتحديا وهيمنة، على وضعه في خانة «غير قادر»، وإذ به وبأيام قليلة فرض إيقاع النصر النظيف الصافي ولوحده من دون مساعدة أحد، مهما حاول هذا البعض سلبه هذه المقاومة الشريفة، المقاومة اللبنانية الوحيدة الحقيقية على أرض الوطن لأجل الوطن.

وانتصر الجيش، حرر وغرز علم لبنان فوق تلك الجرود القاحلة، وأهم من ذلك، فعل الجيش ما لم يفعله أحد منذ سنوات الاحتلال السوري للبنان، أي منذ أكثر من أربعين عاما، أعاد ترسيم الحدود أو… لا، ثمة تعبير أصح، ثبّت الحدود، بدم الشباب ثبّت الحدود الفالتة منذ عقود، دمهم وقف عند زيح الوطن الفاصل بيننا وأوطان الآخرين، الغرباء، المحتلين الطامعين بعد بعودة «مجيدة» لهم، وإذ بالدماء النقية تجري نهرا غزيرا لتبني جدارا عاليا فاصلا، وإن لم يكن مشقوعا بالباطون، هو الحب حين يشقع دقات القلب المتراكمة. دماؤهم، بسالتهم، اندفاعهم للموت لتحيا الأرض، شقعت العز، غرزت الحدود حربة بوجه أي عدو، وفوقها ذاك العلم الغالي الغالي حتى الألم، حتى الدمع والضحكات والخوف أيضا.

كلفة النصر دائما غالية، جرحى الجيش بالعشرات، واستشهد ستة عناصر على أرض المعركة. لا تهم أسماؤهم وقد لا نريد أن نعرفها أحيانا، اسمه شهيد للجيش اللبناني، هذه طائفته ومذهبه ولونه السياسي، لم نسأل عما إذا كان أحمد أم شربل، ما نعرفه أن أحمد وشربل ارتفعا لتبقى الأرض في كرامتها وبقيت لكن، لكن وقف النصر عند أصعب اللحظات الآتية المحمّلة أصعب الحقائق، استشهاد العسكريين المخطوفين. وجدوهم رفاتا مشلّعة مغمورة بالتراب بعدما داستها ذهابا وإيابا آليات الغدر على مدار أكثر من سنتين، كانوا يعرفون مكان وجودهم والتزموا جريمة الصمت، عقدوا صفقة على دمائهم، صارت الشهادة صفقة وصار دم الأحرار يباع ببسمة إرهابي. عقدوا صفقة على دمائهم ليخرج الإرهابيون معززين مكرّمين على عيون الأهالي وذاك الدمع الحارق، تلك الخناجر التي تطعن قلوبهم وكرامتهم، صار الشهداء صفقة ليحمل إرهابي سلاحه وعتاده، كما قضت «الصفقة»، ويخرج مرتاحا مع عائلته سعيدا متحديا مرتخيا في تلك الباصات المبرّدة الى خارج الحدود، ودم الشهداء اليابسة على ما تبقّى من ثيابهم ازدادت يباسا، «ماذا تفعلون بي؟ صرخ شهيد، لماذا تريدون استشهادنا مرتين؟ أين الوطن الذي لأجله ارتفعت إليكَ ربي؟ أين أبي يرفع عني آثار الأيادي الآثمة التي لطّخت بدلتي، أين أمي تغسلني بدموع مريم العذراء الطاهرة، أين وطني المنهوب على أيدي التجار والعملاء والذميين؟ أين انتصار الجيش لماذا تسلبوننا هذا العز؟ حاكموا الإرهابيين، حاكموا من منحهم الحرية ليدوسوا على دمائنا، أعيدوا للأرض المجد الذي صنعه لأجلها الجيش، لا تقتلونا ونحن شهداء»…

جعلوهم قتلى، حاولوا أن يفعلوا ذلك، لكن الحقيقة دائما أقوى حتى من الشمس عينها، جيّروا الانتصار الى حسابهم الشخصي، وحسابهم فارغ  مهما علت أرقامه، من كانت الكرامة رصيده تسقط عند أقدامه مليارات العالم وأرصدته المدججة بالعار، وحدهم هم شهداء الجيش هم الشهداء، ولهم وحدهم مجد الانتصار والبقاء والنقاء، وكل ذاك الشرف المنهمر فوق أجسادهم المتحركة حتى ولو غرز فيها الموت كل أنيابه، أجسادهم تبقى متحركة نابضة لأنها حين انهالت فوق التراب، امتدت يد الرب لترفع الوطن الى مصاف الخلود، وهذه هي حقيقتهم الناصعة، حقيقة استشهادهم وانتصارهم. وحدهم صنعوا الحرية في تلك البقع الجرداء التي كانت مخيفة، وصارت خضراء حلوة غنّاء بوعرها تسرح فيها ريح الحرية، خضراء على رغم خلوّها من الأشجار لأن اليد الخضراء إياها، امتدت إليها وانتشلتها من ذل الإرهابيين ومن يدعمهم ويساندهم ويعقد معهم صفقات العار والانكسار.

ينهض شهيد من كبوة الموت، يقف فوق تلّة من تلال تلك الجرود المحررة، يغرز روحه قرب العلم الذي يرفرف بحرية الشعاع، هو يبتسم، على رغم النصر المسلوب وصفقة العار تلك يبتسم، لا تخافوا يقول، لم يكتب تاريخ حكاية الصغار إلا من خلال مجد الكبار، نحن كبار بالأرض وناسها، نحن نكتب تاريخ لبنان بدمائنا وليس بالأشعار والصراخ والتهديد واحتفالات النصر التافهة، نحن نرتفع شهداء لأجل هذه الأرض وقيمها، وليس لمجد باطل من رماد فداء لأوطان الآخرين، نحن نصنع النصر الحقيقي لتحتفلوا أنتم بالشمس والقمر ورائحة التراب عند أول مطرة، وأزرق البحر والساقية وعبق المواسم، لا تخافوا إبقوا في الإيمان بنا، إبقوا في الإيمان بلبنان مهما حاولوا سرقة هذا النصر وتلك القيم، لن ندعهم يسرقون أجسادنا ولا أرواحنا ولو بدا لهم أنهم فعلوها، لا لم يفعلوا شيئا غير أنهم ماتوا وشبعوا موتا ولو بقوا على نبض الحياة، الذل موت والكرامة حياة حتى في قعر القبر ولا قبور لنا، لم نمت ولن نموت، نحن شهداء، نحن الشهداء، نحن الحياة والمجد، نحن هنا صفقتنا الوحيدة أرواحنا مقابل كرامة لبنان، ونشهد أننا استشهادنا في صفقة دماء نظيفة مكللة بالغار وللبنان وحده غار البقاء والكرامة.

الإمضاء: شهداء الجيش اللبناني.

المكان: جرود لبنان الخضراء.

المعركة: تحرير لبنان من سارقي الأرض والعز والانتصارات الحقيقية… ومعركة التحرير مستمرة…

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل