
في بداية الكلام عن الإنتخابات النيابية نورد لمحة تاريخية عن مجلس النواب اللبناني، تسمية المجلس النيابي حصلت في العام 1928 في زمن الإنتداب بعد إعلان لبنان الكبير وقبل ذلك كان المعتمد تسمية مجلس الشيوخ، وحتى العام 1939 كانت المجالس النيابية مختلطة قسم من النواب بالإنتخاب وقسم آخر بالتعيين، ومع إعلان الإستقلال أصبح أعضاء المجلس منتخبون بالكامل مع تفاوت بعدد الأعضاء حتى وصلنا إلى مرحلة ما بعد الطائف ليصبح عدد النواب 128 بعد تعديل ما، أقرته وثيقة الطائف وذلك لزوم الأمر الواقع الذي كان قائماً آنذاك.
بعد هذا السرد السريع ننتقل إلى لبّ الموضوع والتغيير الجذري الذي طرأ على قانون الإنتخابات بإعتماد صيغة النسبية على أساس لبنان خمسة عشرة دائرة بعد تجاذب مرير للتخلّي عن قانون كان يضع في جيبة أشخاص معدودين، كتلاً نيابية كبيرة، في إنتخابات كانت أقرب إلى التعيين وكانت تجعل من الراغبين في تعاطي الشأن العام رهائن لدى هذا الزعيم أو ذاك وتساوي في ذلك المتموّل مع المتسوّل لمقعد نيابي، وقد ساهم هذا الأمر في إدخال المال الإنتخابي على نطاق واسع في إتجاهين: إرضاء رئيس اللائحة ورشوة الناخبين.
لسنا في صدد إدانة المرتشين ولكننا ندين الراشين بكل قناعة، فهم في إعتقادهم أنهم يشترون الأصوات ولكنهم في الحقيقة يبيعون أسماءهم في بازار من يدفع أكثر، هذا التعاطي التجاري في السياسة أوصل لبنان واللبنانيين إلى حيث نحن اليوم، فالتاجر يريد إستثمار أمواله بغية الربح ضارباً عرض الحائط المصلحة الوطنية من منطلق “حايد عن ضهري بسيطة” حتى وقعنا على رؤوسنا جميعاً.
اليوم ومع إقرار القانون الجيد، وليس المثالي، والذي ستجري الإنتخابات على أساسه، أصبح من الصعب إعتماد الرشوة في الإنتخابات ومن المستحيل التأكد من إلتزام الناخب خلف الستارة بما تم الإتفاق عليه تحت الطاولة وأصبحت الرشوة مجازفة لا يتحمّل مخاطرها التاجر، من ناحية ثانية تمت المحافظة على مبدأ أحقية الجميع في الترشّح وخصوصاً الشخصيات المستقلة ولكن تغيرت مقاييس ومعايير النجاح من حسن إختيار الحصان الرابح إلى حسن البرنامج الذي يحمله المرشّح لناخبيه.
“القوات اللبنانية” هي الطرف الأكثر إرتياحاً لمفاعيل قانون النسبية بعد سنوات من الإجحاف في حجم تمثيلها النيابي وبالتالي الوزاري، وهي تعمد اليوم إلى ترشيح حزبيين وتبنّي ترشيح مستقلين، يشكلون قيمة مضافة لبنانية صافية تشبه النهج القواتي في العمل السياسي والوطني، وبعد إنتهاء موضوع الترشيحات ينتقل البحث إلى التحالفات حيث تدعو الحاجة والمصلحة المشتركة من دون تمنين أو إجحاف. “أم الصبي” كشّرت عن أنيابها فأسلوب الوداعة لم يفضِ إلا إلى السلبطة، و”القوات” في حملتها متأكدة من ثقة الناس.
بعد معاينة العمل القواتي ستسقط قناعة الناس بأن لا شيء يمكن أن يتغيّر، فيعتكف البعض عن القيام بواجبهم في الإنتخاب وآخرون يقبضون ثمن الإسم الذي يسقطونه في صناديق الإقتراع على أساس أن “كلن أضرب من بعضن”، فيما القسم الأخير يمارس قناعاته ويخوض معركته متكئاً على ميزان الحق لا ميزان القوى، هذا هو القسم الذي تسعى “القوات” لتنميته وتوسيع قاعدته وتثبيت إيمانه بقدرته على التغيير، لأن “القوات اللبنانية” أثبتت له بأنها تستطيع أن تعالج الفالج وبتخرب الدني على رؤوس المتقاعسين كمان.
