كردستان تعزّز التحالف التركي ــــــ الإيراني

أيهما أكثر قدسية: حق الشعوب (أي شعب) في تقرير مصيره، أم المحافظة على حدود الدول باسم الخوف من الحرب سواء الأهلية أو بين الدول؟ أيضاً، هل اتفاق سايكس – بيكو مثلاً مقدّس، باسم الخوف أيضاً من الحروب الأهلية وبين الدول وصولاً إلى مخاطر التنافس بين الدول الكبرى التي مصالحها هي المقدّسة والباقي قابل للقِسمَة والطرح والضرب وصولاً إلى إزالته ومحوه من الوجود؟

العراق بعد 25 أيلول الجاري، هو حكماً غير عراق 26 أيلول. الأكراد في إقليم كردستان العراق سيقترعون حكماً بنعم كبيرة للاستقلال، لأنهم قرروا وضع كل الأسئلة والأخطار خلف ظهرهم، والتقدّم نحو تقرير مصيرهم مهما كانت كلفة ذلك غالية. في جميع الأحوال دفع أكراد العراق أكثر من أكراد سوريا وتركيا وإيران الثمن غالياً منذ العام 1963 حتى اليوم. مضى الكثير ولم يبقَ إلا القليل.

السؤال: ماذا بعد النعم الكبيرة؟

هل تقف بغداد مكتوفة الأيدي وتقول للأكراد ولقيادتهم اخترتم الانفصال، «الله معكم». ليس الأمر بهذه السهولة ولا بهذه البساطة. توجد قضايا سياسية واقتصادية قديمة ولها ارتداداتها الواسعة وحتى المشتعلة ليس على العراق وحده وإنما حتى على المنطقة. كركوك، بؤرة نارية، النزاع عليها لن يكون بسيطاً ولا سهلاً، إن بسبب الاختلاط السكاني أو بسبب ثرواتها. منذ الآن يقول مسعود البرازاني إنه «سيقاتل حتى آخر كردي من أجل كركوك»! الخلاف سيكون أيضاً كبيراً حول تقاسم الثروات النفطية

المتداخلة. وماذا عن التعامل السكاني – القومي – المذهبي. مشكلة صغيرة، قد تُشعل صداماً كبيراً. وماذا عن سُنَّة العراق العرب؟ ماذا سيختارون نظاماً وعلاقات بينهم وبين الأكراد وبينهم وبين الشيعة العرب؟

باختصار: العراق الذي كان قبل 25 أيلول، انتهى. السؤال كيف ستكون العلاقات بين مكوّنيه الكردي والعربي؟ وبين المكوِّنَين العربي السُنِّي والشيعي؟ وكيف يمكن تجنُّب الاشتباكات والحروب طالما يوجد خطر الانحياز بين هذه المكوّنات المُنتجة تحالفات متوقعة وغير متوقعة؟ وكيف ستتم التحالفات الخارجية الإقليمية والدولية مع هذه المكوّنات الثلاثة؟ أسئلة كثيرة بلا إجابات.

كردستان – العراق، لا تعني العراق وحده. تركيا وإيران وسوريا معنية مباشرة بنتائج الاستفتاء وما سيُنتج عنه. منذ الآن بدأت تتشكّل الارتدادات السلبية. الرئيس الإيراني حسن روحاني قال أمس لنظيره الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي سيزور إيران قريباً: «تعتبر إيران توجّهات الانفصاليين لا تخدم السلام والاستقرار في المنطقة». انفصال كردستان العراق عن العراق، يعني وحدة إيران وتركيا الجغرافية وأمنهما القومي مباشرة. جمهورية كردستان – مهاباد ما زالت قائمة في وجدان وذاكرة الشعب الكردي، والحرب في كردستان – تركيا قائمة ولم تتوقف منذ عقود. السؤال ماذا تستطيع إيران وتركيا أن تفعلاه مع كردستان العراق المستقلة؟ شنّ الحرب ضدّها. لن يخيف أكراد الدولتين، بالعكس سيشجعهما على القتال تمثلاً بإخوانهم الأكراد.

الصمت على الانفصال أيضاً يشجّع الأكراد في البلدين على العمل من أجل الانفصال ولو على المدى الطويل.

النتيجة واضحة. حق تقرير الشعوب، يضع كل الحدود المُعترف بها حتى الآن على الطاولة. إيران لا تخاف فقط من الأكراد وإنما أيضاً من البلوش والعرب وحتى الآذريين الطامحين لقيام أذربيجان الكبرى. المشكلة أكثر تعقيداً من رمي كامل المسؤولية على أكراد العراق. ما زرعته تركيا وإيران تحصدانه اليوم وغداً. لقد غذّت الدولتان توجّهات قومية أو عرقية والأخطر مذهبية، وهما اليوم تخافان من التطوّرات المقبلة.

هذا الخوف التركي – الإيراني المشترك سيعزّز بلا شك التفاهمات بينهما. الخطر المشترك على أمنهما القومي، سيقيم تحالفاً قومياً بينهما لمواجهة التطوّرات القادمة. مثل هذا التحالف يتطلب تقديم كليهما تنازلات مؤلمة لبعضهما البعض. إيران يهمّها بقاء الأسد في سوريا، والشيعة العرب في العراق. وتركيا يهمّها مستقبل التركمان والعلاقات مع السُنَّة العرب في العراق. «خُذ واعطِ». القاعدة الثمينة لتحالفات الضرورة والخوف. كل ذلك على حساب العرب ومستقبلهم ودولهم!

يبقى السؤال الكبير: ماذا عن موقف روسيا والولايات المتحدة الأميركية؟

لا يمكن التنبؤ منذ الآن ماذا سيقرّران طالما أن الاتفاقات بينهما: منها ما هو معلوم ومنها ما هو غامض، توضيحه متروك للتطورات، ومنها ما هو سرّي وهو دائماً الأخطر.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل