.jpg)
عندما اعلن الجنرال غورو لبنان الكبير في 31 آب 1920، لم يكن المقصود مجرد انشاء دولة مكونة من أرض وسلطة وشعب ومساحات جغرافية محددة، بل وبصورة خاصة انشاء دولة قادرة على حكم ذاتها بذاتها، بعيداً عن اي انتداب او وصاية او احتلال اجنبي .
يقول العلامة الدستوري الدكتور ريمون رباط: “ان ما يميز الدولة عن سائر المجتمعات البشرية ان مكوناتها الثلاثة متصفة بطبيعتها القانونية الخاصة بمعنى ان الشعب هو شعب الدولة وصلة افراده بها هي التابعية او الجنسية وان اقليمها هو المجال القانوني الذي تمارس الدولة في حدوده كامل سيادتها وان سلطتها هي ذاتية بحيث لا تنحدر مبدئيا وباصلها القانوني عن سلطة اي دولة اخرى وهو السلطان بمفهومه الدستوري الذي لا يبدو مقيداً الا بقواعد القانون الدولي في علاقاته الخارجية وباحكام قانونه العام وسائر تشريعاته في حياته الداخلية” … (للمؤلف – الوسيط في القانون الدستوري اللبناني – الطبعة الاولى 1970 – ص.331 وما يليها).
فاليوم وفي نظرة فاحصة للبنان الكبير، نسأل ماذا فعلنا بالدولة؟ واي دولة نبني؟ وبأي منطق دولة نتصرف؟
كيف لنا ان نحكم ذاتنا وقسم منا لا يزال يرى في المحيط موطنه؟
كيف لنا ان نكون شعب لدولة وقسم من شعبنا يتبع دولة اخرى وانظمة اخرى؟
كيف يمكن ان نُعتبر شعباً لدولة لبنان الكبير وقسم منا ينقص منه كل يوم ليزيد من دول اخرى؟
كيف يمكن ان تكون سلطة الدولة ذاتية في وقت تنحدر مواقف وسياسات قسم من اللبنانيين من سلطات رديفة وولاءات خارجية متحكمة باجنداته؟
كيف يمكن ان نكون شعباً لدولة نحمل جنسيتها ونجاهر بها وفي الوقت عينه نضرب بها عرض الحائط لنولي الغرباء على حساب دولتنا؟
بالامس وأمام انتصار باهر وطاهر ونقي لجيشنا الوطني في جرود القاع ورأس بعلبك، انقسم اللبنانيون حتى حول بديهيات الانجاز وانبرى من يقلل من وهج النصر بادخاله في بزارات الإنقسام الوطني حول السلاح غير الشرعي والتنسيق مع جيش نظام الاسد .
لبنان الكبير وجد ليحمل مشروع شعب كبير لا شعوباً صغيرة …
لبنان الكبير وجد لينهي التبعية والاحتلال والانتداب والوصاية والاستعمار الاجنبي لا للانتقال من تبعية الى اخرى ومن احتلال الى اخر ومن انتداب الى اخر ومن وصاية الى اخرى ومن استعمار اجنبي آلى اخر…
لبنان الكبير وجد في محيطه للانفتاح على الشعوب لا الانظمة، فبالاذن من الرئيس نبيه بري – اذا كانت العلاقات اللبنانية – السورية حاجة استراتيجية وبشرية – فان من يكون في اساس العلاقات الثنائية شعبين اولاً ثم نظامين… ان وجدا …
فالشعوب تصنع الانظمة لا الانظمة هي التي تصنع الشعوب والحال الأمثل في سوريا إذ ان نجاح رأس النظام هناك ولو مرحلياً في تصوير الحرب الدائرة على ارضه بانها حرب شاملة ضد الارهاب، لا يلغي حقيقة ساطعة لطالما حاول ويحاول طمسها بانه واجه ويواجه منذ العام 2011 انتفاضة شعب هب لنصرة كرامته وحريته… فتلك الحقيقة اخفتها غبار ما سُمي حرب على الارهاب من “داعش” الى النصرة الى سواها من منظمات ارهابية كان هو المسؤول الاول عن تكوينها على الارض السورية …
فالداعون للعلاقات مع سوريا لا يدعون للعلاقات بين شعبين وحبا بالشعبين بل بين الدولة اللبنانية (المصادرة في قسم كبير منها من قبل المحور الممانع) وبين نظام يكفي انه حالياً موضوع تفاوض وتقاسم وتقرير مصير على طاولة الكبار وبتدخل اللاعبين الاقليميين والدوليين …
لا نستطيع بناء لبنان الكبير بتجاهل نصف اللبنانيين لرأي النصف الاخر تماماً كما لا نستطيع بناء دولة لبنان الكبير على غلبة فريق على فريق اخر سواء اكان مذهبياً او طائفياً او اتنياً…
لا نستطيع بناء لبنان الكبير والحفاظ على ارثه بتحدي يومي يمارسه نصف لبنان ضد النصف الاخر، باستفزازات ومناحرات ومناكفات في مواضيع اصطلح وطنياً على تصنيفها بانها خلافية وبانها محيدة من النقاش الوطني امام الاولويات الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية الداهمة.
ان التمثيل الديبلوماسي المتبادل بين البلدين كان الحد الاقصى الذي يمكن للبنانيين ان يتوافقوا عليه بعد عهود طويلة من نكران النظام السوري لكيان لبنان الدولة السيدة والمستقلة، وعندما قبل اللبنانيون ومنهم السياديون بالتمثيل الديبلوماسي فقد كان من اجل وضع المدماك الاول لعلاقات ندية بين البلدين وبغض النظر عن تصرفات ومواقف السفير السوري في بيروت المخالفة لكافة المواثيق والبروتوكولات الديبلوماسية، قبلنا على مضض بوجوده ولا نزال، لكن ليس للانطلاق من هذا التمثيل للغوص اكثر في تثبيت علاقات خلافية وانقسامية بطبيعتها لا يوافق عليها قسم كبير من اللبنانيين حالياً، علاقات نعتبر حدها الاقصى النأي بالنفس خصوصاً وأن الحرب في سوريا وان انتهت ميدانياً الا ان حرب الخرائط والتقسيمات الى مناطق نفوذ لم تنته بعد ولا نظن ان احداً من المنظرين لعلاقات مع نظام الاسد يستطيع التنبؤ بمصير سوريا الذي عرفناه سابقاً.
البعض يريد بالعهد الجديد ان يتحول رويدا رويدا الى نسخة مطابقة لعهد الرئيس اميل لحود حيث كان الانقسام بين اللبنانيين على اشده وكانت ضريبة الدم للسياديين كبيرة، ونحن نقول إننا نرى في هذا العهد محاولة جدية للنهوض بلبنان الكبيروالخروج من حسابات الولاءات الصغيرة.