#dfp #adsense

البقاء مقاومة والملك لله… عائلتا أبو فرحات وجبور صوت صارخ في سردا الجنوبية

حجم الخط

 

 

 كتبت أغنس الحلو زعرور في مجلة المسيرة العدد – 1626: 

تخيّلوا المشهد. قرية تتكئ على الحدود الجنوبية عدد سكانها عائلتان. نعم فقط عائلتان. وإسمها سردا. في هذه القرية الجنوبية الصامدة تسكن عائلتا أبو فرحات وجبور. هما الصوت الصارخ في البرية، «نحن هنا، من هذه الأرض وسنبقى فيها، ومار يوحنا المعمدان صخرة صمودنا».

 

تقع قرية سردا على الحدود الجنوبية اللبنانية وتحوط بها مساحات شاسعة من الأراضي الجرداء والقليل القليل من المزروعات، وتبعد عن أقرب قرية مأهولة مسافة ربع ساعة في السيارة. تتعالى وحدها عن كل معالم المدنية وتبقى قرية مسيحية صغيرة مقاومة على التخوم. ومجرد أن تسكنها عائلتان، فهذه مقاومة في حد ذاتها. ووجودهم هناك ليس إلا تمسكاً بجذورهم وحبهم لهذه الأرض، أرض الجذور والأجداد والطفولة والبراءة.

من ماضيها المزدحم بالسكان والذكريات إلى حاضرها النائي. تحولت سردا من قرية يقطنها 600 شخص، وتضم 60 منزلا (بعد إعادة إعمارها طبعا) وكنيسة مار يوحنا الى قرية تصارع البقاء بعدد قليل من المنازل. أما غالبية الأراضي فتابعة للوقف الماروني ووقف الروم الكاثوليك وعائلتي فرنسيس ورزق.

عملية النزوح من قرية سردا بدأت عام 1930 بعدما قطع أهلها الأمل بامتلاك قطعة أرض يورثونها لأولادهم لاحقاً. وفي العام 1960 سجل خروج آخر قاطنيها الذي رحل مثقلاً بالخيبة. قصد أهلها العاصمة للعمل والمأوى ولتأمين حياة كريمة لأبنائهم. رحلوا عن قريتهم وهم لا يملكون أي شبر من الأرض فيها… ولكن ذكرياتهم عن القرية التي أمضوا فيها طفولتهم هي بمثابة حبة الحنطة التي وقعت في لاوعيهم وتحولت بيادر قمح، وهي التي أتت بعائلتي جبور وأبو فرحات ليبدأوا من الصفر ويبنوا عائلة ومنزلا وقرية.

يتذكر زكي أبو فرحات السبعيني، سردا التي كانت تعج بالناس عندما كان طفلا ، « كان هناك 60 منزلا في قريتي. كل منها يضم نحو 10 أشخاص. أما اليوم فنحن عائلتان فقط أنا وأولادي وجاري وأولاده. نزح أهلي إلى منطقة سن الفيل في بيروت، ولكن سردا بقيت حلما لم يغادر فكري فعدت إليها مع عائلتي.»

منذ عودته إلى سردا عام 1984 عمل العم زكي على تربية البقر وأنشأ مزرعة ولا يزال يعيش من خيراتها. ومن إنتاج المزرعة، تمكن من إعالة عائلته الكبيرة التي كانت تتألف من سبعة أولاد فقد منهم اثنين خلال الحرب. وكلمة «الحمدلله» لا تفارق لسانه. وبعد مساعٍ قام بها كاهن رعية مار جرجس – القليعة المونسنيور منصور الحكيّم وتكللت بالنجاح، استطاع أبو فرحات أن يمتلك قطعة أرض لبناء منزل عليها. فأصبح يملك منزلا له ولأبنائه في مسقط رأسه.

حول تأثير خطوة التملك يجيب أبو فرحات، «في الأيام الماضية كان «النوَر» ينقلون محاصيل الحقول إلى البيدر. وبعد انتهاء عملهم كان الأهالي يغضون الطرف عن استقبالهم بسبب نقص الطعام… كنت أعيش كما البدو الرحّل لا أملك قطعة أرض أو حتى خيمة أعود إلى كنفها في آخر الليل لأنام مطمئّن البال. أما اليوم فهذه المخاوف تبددت. فنحن نملك المنزل الذي نقطنه (مساحته دنم أرض) بالشراكة مع الوقف الماروني، كي لا نبيع هذا الملك لأحد. وبالتالي لم نعد غرباء في أرضنا!».

يدرك أبناء عائلتي سردا أن أحفادهم قد لا يعملون في الأرض وقد لا يستقرون فيها بسبب متطلبات الحياة وانتفاء سبل العيش وتحقيق الطموحات فيها. ولكن الأهل  زرعوا بذار محبة الأرض في نفوس أبنائهم وهي كفيلة بأن تعيدهم إليها مهما عصفت بهم الحياة. فابن العم زكي شيّد منزلا في محاذاة منزل والده، ولأن سبل العمل معدومة في القرية، قرر الانتقال للعمل في إحدى شركات التأمين ويعود إليها في عطلة نهاية الأسبوع. الحياة صعبة ولكن التمسك بالبقاء في هذه القرية هو ما يهوّنها على أهلها.

وعندما سألنا العم زكي عما إذا كان مردود إنتاج الحليب يكفيه، قال: «الآن إنتاج الحليب يعود إلينا بمردود يكفينا أنا وزوجتي. ونحن نصنع الأجبان والألبان من منتوجات الحليب ونبيعه إلى القرى المجاورة».

أعجوبة ضمن المخاطر الجمة

مر أهالي هذه القرية بكافة أنواع المخاطر خصوصًا خلال الحرب. ولكنهم لم يتركوا سردا، «لن أغادرها ولو قدموا لي العالم بأسره على طبق من فضة»، يقول العم زكي الذي يعيش اليوم نتيجة أعجوبة إلهية، ويروي: «في شباط 2006 أسقطت طائرات إسرائيلية صاروخاً في رأس الجبل حيث يقع منزلي، حيث كان يرابض عناصر «حزب الله»، ونجوت بأعجوبة. صعدت الى الجبل لتفقد قطيع الأبقار ولكنني قررت شرب الماء أولا. دخلت المطبخ وفي أقل من لحظة وجدت نفسي مرميا على الأرض وقد أحدثت قوة انفجار الصاروخ فجوتين في المطبخ وأنا على الأرض أصلي فقط كي أنجو. وعلى رغم توقف القصف الجوي بقيت تتردد أصوات الحجارة المتناثرة في كل الإتجاهات. عندما خرجت إلى باحة المنزل وجدت سيارتي التي كانت مركونة فوق الطريق تحت الركام من قوة الضغط. ولم يسلم قطيع الأبقار. واليوم أنا أعيش بفضل أعجوبة إلهية».

خلال حرب تموز 2006 غادرت عائلتا أبو فرحات وجبور سردا إلى بلدة القليعة المجاورة. وعلى الرغم من أن المنازل لم تهدّم إلا أن بقرات العم زكي كانت الضحية. ويروي العم زكي: «عند عودتي اكتشفت أن هناك خمس بقرات نفقت، وخمسة وجدتها مرمية على الأرض جلدها على حدا وعظامها على حدا: أكلتها الكلاب. أما الخمسة المتبقية فقد كانت نحيلة جدا لأن الحرب لا تطعم أحدا: لا إنسانا ولا حيوانا. وطبعا لم يعوّض علينا أحد. لكنني قررت البقاء وأعدت بناء المزرعة بفضل قرض مصرفي. ثم بدأت بأخذ القروض من المصارف وعاودت بناء مزرعتي تدريجيا.»

عانى زكي أبو فرحات وجرجس جبور الأمرّين بعد التحرير عام 2000. فكانت سردا موطئ قدم كل من سولت له نفسه المرور والتفتيش والعبث في المنازل.

أبو فرحات الذي كان يعمل في محل لحياكة الصوف في سن الفيل انتقل للعمل في المزرعة في سردا. أما جرجس جبور الذي كان جنديا في الجيش اللبناني، فعاد إلى قريته عام 1985 بعد التقاعد. وبدأ العمل في الزراعة ليعيل عائلته التي تتألف من 6 أولاد، ويعيش حاليا ثلاثة شباب منهم في سردا في منازل قريبة منه. وعند سؤاله عن المسافات البعيدة التي تفصلهم عن أقرب مستشفى في حال حصول أي مكروه لعائلته أجاب، « اليوم مع التطور الهائل في المواصلات والإتصالات لم يعد أي شيء بعيدًا. فعلى الرغم من غياب أي دكان أو مستشفى أو مستوصف حتى عن القرية، فإن 15 دقيقة في السيارة كافية للوصول إلى كل هذه المرافق الحيوية.»

ويؤكد جبور، «بعد أن أصبحت المنازل ملكنا وملك الوقف أصبحنا مطمئني البال بأن أولادنا وأحفادنا يملكون مرقد عنزة في سردا».

قرية للوقف الماروني والكاثوليك مختارها سنّي

نقلت عائلة أبو فرحات نفوسها عند النزوح إلى سن الفيل أما عائلة جبور فأبقت عليها في سجلات سردا. ويتوزّع أهالي سردا، وكلهم من الموارنة، في كل لبنان خصوصًا في قرية بيت لهيا في راشيا الوادي.

وسردا هي قرية مارونية وتابعة لوقف الكنيسة المارونية. ولكن عندما بدأت الدولة بالإحصاء عام 1932 أشركت البدو الرحل وهم من السنة في النفوس مع سردا. وتكاثروا وفازوا في الإنتخابات الإختيارية. ولحل هذه المعضلة، تم تقسيم سردا إلى أحياء من بينها حي سردا. وتم تعيين مختار مسيحي بالوكالة عن «حي سردا» وهو مختار القليعة.

ويروي جبور إبن مختار سردا السابق: «اللافت أن هذه القرية مسيحية وتعود ملكيتها للوقف الماروني، أما مختارها فمن الطائفة السنيّة، ولا يسكنها أصلا وحتى أنه لا يعرف شيئا عنها وعن أبنائها المقيمين. ولم يوافقوا على أن أكون عضوا في المجلس الاختياري لأن «العشيرة لا تقبل». فأصبحت القضية، قضية عشائر.» واللافت أن الغالبية تقيم في وطى الخيام والوزاني».

وفي حين أن عائلتي جبور وأبو فرحات استطاعتا التملك في سردا لم يستطع باقي سكان القرية الذين غادروها العودة والتملك. وكان هناك مشروع لإعطاء 500 م أرض لكل من يعود من أهالي سردا للسكن فيها، قرر 20 شخصا من أبنائها العودة، بحسب ما نقل الأهالي عن راعي أبرشية صور للموارنة المطران شكرالله نبيل الحاج. ولكن هذا المشروع لم ينفّذ بعد. ولا أحد يعرف أين أصبح مع العلم أن تنفيذه يعود بالمنفعة على الجميع. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل سيكمل من بدأوا المعروف طريقهم ويساعدوا سردا لكي تعود كما كانت؟

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل