للصمود، للنزاهة، لغد مشرق…. نحن هنا… قداس الشهداء

 

كتبت جومانا نصر في مجلة المسيرة العدد – 1626: للسنة الثانية عشرة نلتقي. وهذه السنة أيضا في معراب.

هناك سيكون اللقاء مع من نالوا نعمة الشهادة وسكنوا مجد السماء. هناك سيكون لقاء مع من لا يزالون يحملون على أجسادهم علامات الإستشهاد، ومع من أصغوا إلى نداء يسوع: «إذهبوا أنتم أيضا إلى كرمي» (متى 20:4)  فلبوا النداء وذهبوا،  ليصيروا النبيذ المعتّق في كرم الشهادة.

الخامسة من عصر العاشر من أيلول 2017 سنكون على الموعد الذي كرسه حزب «القوات اللبنانية» في مزمور القضية تعويذة وفاء لشهداء المقاومة اللبنانية، ولمن حاكوا قصتهم هنا على مذبح الشهادة «لما نحنا ما كنا»، ولو لم يكونوا لما كنا كلنا اليوم هنا نصلي وندق أجراسنا تحت سماء تنبض بالعز والكرامة والعنفوان.

هناك في معراب، وتحديدا تحت هذه السماء التي انقشعت عنها غيوم الذل والإستسلام سنخاطبكم أيها الساكنون فوق، سنتسامر وإياكم ونفلفش سويا في دفاتر الشهادة وصور الأحبة، وسنخطف من عمق صمتكم وقدسية شهادتكم حبات من مسبحة الإيمان والرجاء بوطن لم تبخلوا عليه فكنتم الذبيحة الطاهرة على مذبح الشهادة.

ذاك الأحد في العاشر من أيلول لن تكونوا وحدكم كما لم تكونوا يوما. ذاك الأحد سنكون نحن هناك حيث تسكنون، وأنتم هنا، حراس هذه الأرض اللي ما بينعسوا، ستكونون هنا رافعين الشعار… «نحن هنا»!.

باكرا أطلّ أيلول الكرامة هذه السنة. قافلة شهداء العسكريين الثمانية سبقت الموعد، وجاء أيلول المبلل بدموع أمهات الشهداء والآباء والأرامل معبًأ بنفحات الشهادة التي زنرت النعوش البيضاء بأرزة الكرامة والعنفوان.

تراه قدر اللبنانيين الشرفاء الذين آمنوا بوطن العزة والكرامة والسيادة؟ ربما. لكن أيلول استعجل الموعد هذه السنة فكان الموعد مع الشهادة، مع قافلة شهداء الوطن مغمسا بدموع وطن بكامله، وطن افترض البعض أنه دُفِنَ مع رفات شهدائه. لكن صدى صوت شهدائنا صدح من فوق من أعالي السماء صارخا… نحن هنا. عذرا أنتم في كل مكان. في كل ثنيّة من حبات تراب هذه الأرض، أنتم هنا وهناك حيث سكنتم رحاب السماء ولفحات عطر ايلول المبلل بشهادتكم.

مع اقتراب شهر أيلول لا تعود الحركة  تشبه نفسها في معراب. فهذا الموعد المكرّس في روزنامة الحزب لتكريم شهداء المقاومة اللبنانية لا يتغيّر ولا يتبدل مهما عاكسته الظروف. كل التحضيرات اللوجستية لإقامة قداس الشهداء الذي حدد موعده هذه السنة في العاشر من أيلول انطلقت وفق البرنامج المعد سلفا وتم توزيع المهام بدقة واحترافية على الأجهزة المعنية كافة. هنا خلية العمل لا تهدأ، والحراك لإنجاز كل التحضيرات اللوجستية تمتد حتى ساعات متقدمة من الليل. مهندسون، إعلاميون، مسؤولو أجهزة ومناطق… الكل يشارك ويتبع التعليمات الصادرة عن المسؤولين في الحزب وتحديدا رئيسه الدكتور سمير جعجع الذي يحرص المعنيون على إطلاعه على أدق التفاصيل، وهو يصر على معرفتها لأنه معني مباشرة بهذا القداس المخصص لشهداء القضية والوطن والأرض التي استشهدوا من أجلها. وأي فعل أسمى من أن يبذل الإنسان حياته فداء الآخرين؟

ثمة مشاورات تستمر حتى اللحظة الأخيرة لا سيما في ما يتعلق بالتفاصيل وفيها تكمن الإحترافية التي تتكامل وقدسية المناسبة. وتزامنا مع التحضيرات والترتيبات والبروتوكول التي تتوزع على الأجهزة المختصة داخل حزب «القوات اللبنانية» يُكب رئيس الحزب الدكتور سمير جعجع كما في كل سنة على كتابة خطابه الذي يضمّن سطوره تحية وفاء إلى الشهداء في مملكة الكرامة، ولا يغيب عن الكلمة المضمون السياسي وأحداث الساعة وتداعياتها. وما أكثرها في هذه اللحظة المصيرية من حياة الوطن. ومن هنا يتوقف المراقبون عند هذه المحطة سنويا وينتظرون اللحظة التي سيعتلي فيها رئيس الحزب المنصة وإلقاء الكلمة.

برنامج القداس لا يختلف عن السلف في الأعوام ال11. لكن التركيز الأساسي يبقى على جوهر المناسبة الذي يتمحور حول القداس. من هنا تكون نقطة الإنطلاق في ورشة التحضيرات والعمل على الأرض مركزة على تشييد المذبح والكنيسة وهي تبدأ قبل أيام من موعد القداس المحدد. رئيس اللجنة المركزية للأنشطة في حزب «القوات اللبنانية» إيلي يحشوشي أوضح أن لا تغييرات جذرية على الشكل الخارجي للكنيسة وهي تشبه إلى حد كبير تلك التي شيّدت في العام الماضي باستثناء بعض التعديلات الخارجية والتقنيات التي أدخلت ومنها كاميرات full hd التي ستتولى نقل وقائع القداس من داخل معراب عبر الهواء مباشرة على شاشة إم تي في وبإدارة المخرج مارون أبو راشد. بالإضافة إلى شاشتين عملاقتين مثبتتين على جانبي المسرح تسمح للمشاركين في القداس بمتابعة الحدث.

وكما في كل سنة يحرص المنظمون على تكريم الشهيد من خلال نشيد أو مشهدية أو حتى شعار يحفر في القلب والذاكرة. وهذه السنة ارتأى القيمون على رفع ثلاث شعارات على لوحات إعلانية على الطرقات تسبق الشعار الذي سيعتمد في قداس شهداء 2017 وهي: «للصمود» «للنزاهة» «لغد مشرق» وصولا إلى شعار القداس «نحن هنا».

ثمة من يسأل: من تكونون؟ والجواب يصدح من فوق من بيوتهم التي عمروها في رحاب السماء بالصلاة والرجاء والعنفوان: «نحن الشهداء الساكنين فوق. نحن الوردة التي نستمد من صمودكم ونضالكم رحيق الحياة وبسمة الشهادة نحن… نحن الشهداء الأحياء الساهرون على مسيرة نضالكم على هذه الأرض. تلك المسيرة التي نخوض معركتها اليوم بفضل دمائكم الطاهرة».

وتترافق الحملة الإعلانية مع بث أغنيتين على أثير موجة إذاعة لبنان الحر أعدتا خصيصا للمناسبة كتب كلماتهما الشاعر طلال حيدر ومن ألحان وتوزيع المايسترو إيلي العليا ويؤدي إحداها الفنان نقولا الأسطا فيما يشع صوت الديو الفنان زين العمر وميا حداد في الأغنية الثانية. أما على شاشة ال إم تي في فسيتابع المشاهدون فيلما تم تنفيذه وفق تقنيات عالية الجودة ويجسد في مضمونه الذي يرتكز على الصورة والموسيقى معنى الشهادة وقدسية الشهداء وقد وقع الفكرة إيلي يحشوشي. وكما في كل سنة سيقام القداس برعاية البطريرك مار بشارة بطرس الراعي بناء على طلب رئيس الحزب وتخدمه جوقة سيدة اللويزة بقيادة الأب خليل رحمة.

الخامسة إلا 5 دقائق يدخل رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع والنائب ستريدا جعجع الباحة بعد التأكد من دخول كافة أعضاء المجلس المركزي والأمانة العامة ورؤساء الأجهزة والمنسقين والشخصيات السياسية والحزبية والإعلاميين. والأهم الأهم أهالي الشهداء الذين يكونون على الموعد السنوي هنا في معراب ليتذكروا فلذات أكبادهم وليقرأوا في عيون الحكيم كلمات الشكر والوفاء لمن قدموا أبناءهم على مذبح القضية، مذبح الوطن.

ووسط ديكور وقعته هذه السنة رئيسة مركز الكحالة ريما بجاني وعلى أصوات كورال ينشد أغنية كتبها سعيد حديفة ولحنها رواد رعد  يدخل طلائع كشافة الحرية مع الشعلة وإكليل الغار، ويلي ذلك دخول نحو 60 راهبا وكاهنا حيث يعتلون المذبح المجهز بروحية القداسة ونفحات عطر الشهداء.

الكل في مكانه. صمت مطبق تخرقه عبارة المفكر شارل مالك: «إن ننس فلن ننسى…» ولن ننسى. ويبدأ القداس لا بل الحوار الروحي والهمس الخافت بين الشهيد وأمه ووالده وزوجته التي التحفت السواد باكرا وباكرا جدا. أما أجمل الحوارات فهي تلك التي تدور بين الشهيد وابنه الذي ودعه وكان لا يزال طفلا رضيعا. اليوم ذاك الطفل صار شابا، وصار يدرك أن والده الشهيد ما عاد مجرد غيمة تطفو ذات مساء صيفي. ذاك الطفل الذي صار شابا فهِم أن حكاية السفر الطويل لم تكن إلا أسطورة اخترعتها أمه الثكلى حتى لا ينام ويصحو على كوابيس. ذاك الطفل صار إبن القضية، لبس البزة الرسمية وعلّق على صدره زر «القوات اللبنانية» ووقف على المنصة مطلقا صرخة العزة والعنفوان: «نعم أنا إبن شهيد في «القوات اللبنانية» وأفتخر بصفة الشهادة التي زرعها والدي في هذه الأرض».

الحوار في ذاك المساء تحت سماء معراب لن يقتصر على الشهداء وأهاليهم إنما يشمل المشاركين وفي طليعتهم رئيس الحزب سمير جعجع. وكأنه في ذاك المساء يستجمع كل الصور، ويستعيد زفرات حكايات حواراته مع كل بطل صار شهيدا. وبصمت عينيه اللتين تغرقان في قطرات دمع أيلول تصدح تلك «شكرا» بكل فخر وعزة وعنفوان وكرامة.

الرسالة في قداس الشهداء سيتلوها هذا الأحد دولة نائب رئيس مجلس النواب ووزير الصحة غسان حاصباني فيما يتلو النوايا مسؤولون ورفاق في حزب «القوات اللبنانية». وبعد تلاوة كلمات الشكر يتم عرض فيلم وثائقي تحية للشهداء، تليه كلمة الدكتور جعجع.

انتهى القداس. لكن اللقاء مع حراس السماء لا ينتهي. هناك حيث نكون سيكونون. سنخاطب الحراس اللي ما بينعسوا، سنصرخ بصمتنا المدوي «نحن هنا، هم كلهم كلهم هنا ولن تقتلوا شهداءنا مرتين». سنحرّض الضمائر الغافية على قبور الذل للإعتراف بقدسية الشهداء وسنحفر في ثنايا الذاكرة صلاة ونضعها على هامة قبر كل شهيد ومعها إكليل من الغار يليق بهاماتهم. ومن قلب هذه المشهدية سيخاطب «كبير» من عظماء الفن المسرحي في لبنان الشهداء في مشهدية أقل ما يقال فيها إنها ستحفر في الذاكرة والتاريخ وتكرِّم شهداءنا الذين سكنوا السماء. شهداؤنا الذين صاروا فوق ومن شدة صلواتهم ودمائهم التي انبعثت ذات أيلول… نحن هنا.

فإلى الموعد المقدّس في معراب في 10 أيلول 2017.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل