#adsense

التعايش بالإكراه في لبنان

حجم الخط

هناك موقفان من حالة التعايش القائمة داخل حكومة الرئيس سعد الحريري. تعايش بالإكراه فرضته على الجميع القوة القاهرة التي انتهت إلى تزاوج الأضداد ، على رغم الخلافات الجذرية والجوهرية القائمة بين تيار “المستقبل” و”حزب الله”، حيال مواضيع الداخل وقضايا الإقليم المحيط بلبنان، بدءاً من الجارة الأقرب سوريا ، حيث الخلاف واضح وعلني في شأن مصير بشار الأسد ، وصولاً إلى العلاقات مع الدول الخليجية والموقف من المحاور الدولية.

موقف يقول أن هذا التعايش، على رغم سلبياته المعروفة، يظل أفضل من تفجير البلد. وعلى رغم ما في هذا الموقف من شعور وطني وحرص من “أم الصبي”، فهو في الوقت ذاته اعتراف صريح بسلطة القوة التي تفرض نفسها على الجميع في لبنان. وهي قوة مستعدة لفرض حالة شلل وتعطيل على كل المؤسسات، بدءاً من رئاسة الجمهورية إلى كل مؤسسة أخرى، وصولاً إلى التفجير الأمني، كما حصل في حوادث أيار 2008 المعروفة، أو في فرض الاستقالة على حكومة الرئيس سعد الحريري في كانون الثاني 2011 بفضل “الثلث المعطل” الشهير.

بكلام آخر، أثبت “حزب الله” في أكثر من مناسبة أنه مستعد لإرغام الحكم على التوجه إلى حيث يريد، خصوصاً في الملفات الأمنية التي تهم الحزب، ولتوزيع علامات الإشادة والثناء على من يستحقها، إذا كان سائراً في الطريق الصحيح، وتوجيه خطب الإدانة والتهديد لمن يغامرون في السير في الطريق “الخاطئ”. وقد سمعنا أخيراً الإشادة بالرئيس ميشال عون ، في خطاب الأمين العام لـ”حزب الله” الذي وصف رئيس الجمهورية بأنه “الرجل الشجاع والمستقل الذي لا يخضع لأي دولة أو سفارة أو ضغوط أو ترهيب”. كيف لا وهو الرجل الذي تم تعطيل الدولة أكثر من سنتين ومنع اكتمال النصاب في مجلس النواب على مدى 46 جلسة لإرغام المجلس على إنتخابه؟

أما الموقف الثاني، فيرى أن هذا التعايش الشاذ يضر بأي محاولة جدية لقيام الدولة بواجباتها، وممارسة مسؤولياتها في شكل جدي ومحايد ومتوازن حيال كل مواطنيها من دون استثناء. ويبرز بالطبع في مقدم دلالات فشل الدولة هذا عجزها عن منع حزب رئيسي على أرضها ومشارك في حكومتها وفي مجلسها النيابي، من الاحتفاظ بسلاحه، بصورة استثنائية وغير متاحة لأي حزب أو جهة أخرى.

والأسوأ من هذا الوضع أن أركان الدولة المستسلمين جاهزون في كل مناسبة لتبرير الفشل في دفع “حزب الله” إلى الانضواء تحت سقفها، ولإقناع أنفسهم والغير بأن لبنان قادر على التعايش مع هذه الحالة الشاذة. فحكومة لبنان مضطرة مثلاً للدفاع عما يقوم به “حزب الله” في منطقة عمل القوات الدولية في جنوب لبنان، كما فعلت أخيراً عند نقاش التمديد لهذه القوة في مجلس الأمن الدولي، وذلك رداً على الاتهامات الأميركية للحزب بخرق القرار الرقم 1701. بل إن رئيس الحكومة سعد الحريري الذي ذاق مرارات الوضع الشاذ الذي نتحدث عنه، وجد نفسه مضطراً للدفاع عن الحزب خلال لقائه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بالقول أن “حزب الله في الحكومة ولديه دعم في البلاد ولكن هذا لا يعني أنه يسيطر على كل لبنان”. كلام لا شك في أنه هبط سمناً وعسلاً على آذان قادة “حزب الله”.

أما آخر مظاهر العلاقة الملتبسة بين الدولة اللبنانية والحزب فهو ما انتهت إليه أخيراً معارك منطقة البقاع من صفقة لتهريب مسلحي “داعش” بعيداً من قبضة العدالة اللبنانية، لمحاكمتهم بجرم خطف جنود لبنانيين وإغتيالهم. وذلك من خلال ترتيب ثنائي اعترف الأمين العام لـ”حزب الله” أنه قام به مع الرئيس السوري لإخراج هؤلاء من معاقلهم إلى مناطق خاضعة لسيطرتهم عند الحدود السورية – العراقية. والأسوأ أنه تمّ تبرير تلك الصفقة بالقول أنها أمنت معرفة مكان جثث الجنود، كأن اعتقال أفراد “داعش” والتحقيق معهم لم يكن ليسمح بالحصول على تلك المعلومات. ليتبين بعد ذلك أن هدف الصفقة الحقيقي كان تسلم جثة عنصر في “الحرس الثوري” الإيراني وأسرى لـ”حزب الله” لدى “داعش”.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل