تمثال مار شربل… فوق الجميع

كتبت كريستين صليبي في “المسيرة” – العدد 1626:

بتقنية واحترافية عالية إرتفع تمثال مار شربل على المنصّة المخصّصة له على تلّة الصليب في فاريا، ومعه ارتفعت الصلوات ونداءات الشفاءات لقديس الأعاجيب. إرتفع التمثال تاركاً للأجيال الصاعدة معلمًا دينياً يرسّخ التراث المسيحي في لبنان والمنطقة. كيف لا وشربل هو القديس الذي عبر حدود القارات ووصلت أعاجيب شفاءاته الى كل أصقاع العالم من دون إستثناء. وعلى رغم طول إنتظار اللبنانيين لهذا الحدث كان الاحتفال على وقع الأسهم النارية والصلوات في انتظار تكريسه في 14 أيلول حيث سيقام قداس احتفالي يرأسه البطريرك مار بشارة بطرس الراعي.

على أعلى تلّة في فاريا بعلو 1950 متراً، إرتفع أضخم تمثال لمار شربل يوم الجمعة 25 آب 2017، فأصبح للصليب الفادي المرتفع على التلة نفسها قديس يناجيه. وقد تمّ تثبيت التمثال على المنصّة المخصّصة له بدقة وتقنية واحترافية وفتحت الطريق أمام الزوّار وأهالي المنطقة الذين أرادوا المشاركة في هذه المناسبة، وأضيء التمثال وسط إطلاق المفرقعات النارية في سماء فاريا ورفع الصلوات. بعدها أُعيد إقفال الطريق المؤدية إلى التمثال وطُلب من المواطنين عدم الصعود لزيارته إفساحًا في المجال لاستكمال الأشغال وحفاظاً على سلامتهم، وقد تمّت تغطية التمثال الى حين موعد تكريسه في 14 أيلول بإحتفال ضخم يليق بالمناسبة.

وكان رئيس الجمهورية العماد ميشال عون أوعز الى المسؤولين بضرورة تعبيد الطريق المؤدية الى موقع تمثال مار شربل قبل الموعد المحدّد لتكريسه حيث سيحتفل بذلك غبطة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي وبحضور سياسي وإعلامي ضخم.

ومع ارتفاع تمثال القديس شربل على تلّة الصليب إشتعلت مواقع التواصل الإجتماعي بين مؤيّد ومعارض لهذه الضجّة الإعلامية، وبين مادح ومنتقد للمشروع في حدّ ذاته. إلّا أنّ هذه المشكلة لم تكن الوحيدة التي اعترضت هذا المشروع إذ وقعت خلافات عديدة بين شركة بيروت الدولية للصناعة البحرية والتجارة، التي عملت على تصنيع التمثال، والمساهمين الآخرين.

البداية من موضوع تمويل العمل حيث أوضح المعنيون أن شركة بيروت الدولية للصناعة البحرية لصاحبها الدكتور عبدالله ضو تكفلت بدفع مبلغ 590 ألف دولار من القيمة الإجمالية للتمثال، أي ما يقارب ثلثي التكلفة. فيما تبرّعت شركة ساسين للرافعات بكلفة نقل التمثال إلى أعالي فاريا وقدّرت قيمة المساهمة بنحو 50 ألف دولار. أما آل سلامة فتولوّا دفع 275 ألف دولار، وتبرّع طلال ملاعب بكلفة رفع التمثال بواسطة الرافعات وبلغت قيمة المساهمة 25 ألف دولار. وتحمَّل النحات نايف علوان وأشقاؤه قيمة كل أتعابھم في نحت نموذج التمثال.

أما عن السبب الذي دفع الشركة المعنية لصناعة التمثال على رغم كونها شركة صناعات بحرية فهو إتقانها إستعمال مادّة الألياف الزجاجية (Fiberglass)، الوحيدة التي يمكن إستعمالها لصناعة تمثال بهذه الضخامة، إذ كانت الشركة قد شيّدت فيللا من هذه المادّة وكان حدثاً صناعياً فريداً من نوعه.

العقبة الثانية التي واجهها المعنيون هي إفتقار السوق اللبنانية لمادّتي الألياف الزجاجية والرزين ما شكّل عائقاً أمام إنجاز التمثال في الوقت الذي كان مُتّفقاً عليه سلفاً. وحرص مصنعو التمثال على أخذ عدة اعتبارات تكفل صمود التمثال، منها إحتساب سرعة الرياح التي رصد قوتها الى 165 كلم في التصميم الإنشائي. كما احتسبوا إرتفاع الثلوج وثقلها ومخاطر تطويق التمثال بالجليد، ثم فوارق الإختلاف بدرجات الحرارة، كذلك مخاطر الصواعق العنيفة المدمرة على ھذه الإرتفاعات.

والى العقبات الطبيعية والتقنية، ثمة عقبات لوجستية واجهت المسؤولين خلال عملية عبور تمثال القديس شربل على الطريق المؤدية الى تلة الصليب في فاريا. والروايات تعددت حول من يقف وراء هذه العراقيل لأسباب شخصية وحسابات ضيقة. لكن القديس شربل كان كفيلاً بتذليلها.

لم يتمكن القيّمون على تمثال مار شربل من إكمال أعمال تقوية يد التمثال التي نُقلت في قاطرة خاصّة بها بسبب ضخامتها. وبهدف السيطرة على الإشكالات قررت الشركة المصنعة الانسحاب من الموقع مع فريق العمل واحتفلوا بارتفاع تمثال مار شربل في مقر الشركة في منطقة حارة صخر.

على رغم كل العوائق التي حصلت وعلى رغم محاولة بعضهم تحقيق مآرب شخصية من خلال هذا العمل إرتفع تمثال مار شربل على تلّة الصليب في فاريا وأسقط معه المصالح الشخصية والسياسية، إرتفع التمثال مباركاً بيده لبنان وشعبه وجيشه. وعلى رغم كل ما حصل من مشاكل كادت تحول دون إكمال تصنيع التمثال ونقله ورفعه على التلّة يبقى إجتماع كل المؤمنين تحت راية القديس شربل هو الأهمّ، ويبقى إيماننا بالله وإبنه المسيح وجميع قديسيه هو الأقوى.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل