
ما إن أطلّ شهر أيلول حتّى بدأ شباب “المقاومة اللبنانيّة” بإعلاء الصلوات والقداديس للشهداء الأبرار. من وادي بعنقودين في جزين جنوبًا، إلى شرتون في عاليه جبلاً، والضبيّة في ساحل المتن الشمالي، ودير الأحمر في البقاع الشمالي، إلى العبادية في المتن الأعلى، وقرطبا والعبيدات في جبيل، إلى دوما في البترون وحتّى في عالم ما وراء البحار، في لوس انجلس في الولايات المتحدة الأميريكيّة. نحن لا ننسى شهداءنا الذين بفضل إخلائهم ذاتهم من أجل الوطن، بقينا في هذه الأرض المقدسة… وسنبقى إلى أبد الآبدين.
ما يميّز القدّاس الذي تقيمه “القوّات اللبنانيّة” عن راحة أنفس شهداء “المقاومة اللبنانيّة” هذا العام في العاشر من شهر أيلول الجاري، في المقرّ العام لـ”القوّات اللبنانيّة” في معراب، أمور كثيرةٌ.
نجتمع في معراب هذا العام على وقع انتصار مسلوب للجيش اللبناني حققه على إرهابيّي “داعش” في معركة فجر الجرود، في القاع ورأس بعلبك في البقاع. هذا الإنتصار الذي بفضل تضحيات شهداء الجيش اللبناني، الذين امتزجت دماؤهم بدماء شهداء “المقاومة اللبنانيّة”، قد بذلوا أنفسهم لنبقى. فالهدف نفسه والبوصلة موجّهة إلى قلب لبنان. الشهادة جمعت الجيش بـ”المقاومة اللبنانيّة” لأنّ الهدف هو لبنان. والمعارك التي يقودها “حزب الله” وغيره تحت مسمّى المقاومة التي يحاولون لبننتها، لا يجتمع هو مع الجيش لأنّه يبدأ من خارج حدود الوطن ويمتدّ حتّى فنزويلا غربًا واليمن شرقًا.
لقد أصبح لبنان بأكمله محرّرًا بحسب المواثيق والأعراف الدّوليّة التي تعترف بالـ 10452 كلم2 محرّرة. لكن ذريعة “حزب الله” التي تكمن في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، ما زالت قائمة لأنّ النّظام السّوري يرفض ترسيم الحدود في الجنوب مع لبنان. و”حزب الله” الذي يفاخر بعلاقته مع النّظام المجرم لا يبذل أيّ جهد لإقفال هذا الملف لأنّه يؤمّن بالنّسبة إليه الذّريعة للإحتفاظ بسلاحه غير الشّرعي. ونأمل ألا يضطرّ الجيش لخوض معركة فجر الجنوب ليستعيد حقًّا وطنيًّا مسلوبًا.
نحتفل هذا العام بالقدّاس الإلهي والجرح المسيحي الذي تركته حرب الإخوة قد اندمل إلى غير رجعة. لكن وجود بعض الأبواق التي ما زالت تنكأ الجراح بالإضافة إلى خروج البعض عن أدبيّات الإتّفاق الشّهير في معراب، كلّ ذلك لن يؤثّر سلبًا على الإستراتيجيّة التي لأجلها وضع هذا الإتّفاق.
والمؤسف أنّنا سنحتفل هذا العام برتبة القدّاس وما زالت سيادة الدّولة منتقصة وذلك بوجود بعض البؤر المسلّحة التي تأوي بعض الخارجين على القانون والمتمثّلة بمخيّمات الإخوة الفلسطينيّين. بالإضافة إلى مصادرة قرار الحرب والسلم من قبل الإبن الضّال الذي يملك السلاح غير الشّرعي، أعني به “حزب الله”، والذي يضع لبنان الدّولة في مواجهة المجتمع الدّولي بسبب فرضه أجندته الإستراتيجيّة – الإقليميّة على استراتيجيّة الدّولة. ولن يستقيم الوضع إلا ببسط الدّولة كامل سيادتها على كلّ أراضيها، بالإضافة إلى امتلاكها حصريّة حمل السلاح.
ناهيك عن الفساد المستشري في جسم الدّولة الذي نتج عن ثقافة الفوضى التي تمّ نقلها من بعض الذين شاركوا في الحرب وأصبحوا أرباب السلطة لأكثر من ثلاثة عقود من الزّمن.
لكن ما يريح شهداؤنا وجود نفس العزيمة التي امتلكوها عند الأجيال التي استلمت أمانتهم. فيا رفاقي الشّهداء دماؤكم تضجّ في عروقنا ولولاها ما حيينا. ونحن مستعدّون لملاقاتكم متى دقّ الخطر على أبواب الوطن. أمانتكم تجلّت في مشاركة وزرائنا في الحكومة، وفي إصرارنا على تثبيت لبنان الرّسالة والحفاظ على دوره في هذا الشّرق. أمانتكم هذه بقيت أمانة في أعناقنا لأنّنا ما اعترفنا بسيّد علينا إلا السيّد يسوع المسيح، كما حملتموه في قلوبكم وقت تأديتكم للشّهادة التي وصلت إلى حدّ الإستشهاد. أمانتكم تجلّت في قائد ما عرف الإنكسار تحت سياط جلاديه، فنقل عزيمتكم إلى الأجيال التي لم تعرفكم، ولم تعرفه هو حتّى.
المقاومة مستمرّة بالعمل والقلم والعرق والتّعب والسّهر كما كانت بالبارودة والمدفع والتّضحيات والدّماء الذّكيّة. لا خوف على لبنانكم، مهما اشتدّت الصّعاب، والوطن الذي تشرّب أرزه دمًا، سيبقى رغمًا عن أنوف المغرضين، شامخًا وأبيًّا، ولن تتبدّل كيانيّته أبدًا. نحلم باليوم الذي يجتمع فيه كلّ اللبنانيّون حول قدسيّة شهادتكم للحقّ وللحقيقة ليبقى لبنان لهم ولنا. ماذا وإلا..؟؟؟