الحوت: “حزب الله” بات خارج القرار في سوريا

كتب فادي عيد في “المسيرة” – العدد 1627:

رأى نائب «الجماعة الإسلامية» الدكتور عماد الحوت، أن «حزب الله» بات خارج طاولة القرار في سوريا، مشيراً إلى أن بيانه حول الحصار الأميركي لقافلة «داعش» التي خرجت من الجرود اللبنانية نحو سوريا عبر صفقة بين الحزب والتنظيم والنظام السوري، يشكّل حلقة من حلقات التخبّط التي يعانيها. وتساءل عن طبيعة العلاقة بين «داعش» و«حزب الله» بعدما قام الحزب بحماية ونقل مسلحي «داعش»، لتنفيذ دور مشابه للدور الذي لعبه في جرود القاع ورأس بعلبك ولكن في مكان آخر. وأكد أن معركة جرود القاع ورأس بعلبك، أثبتت جهوزية الجيش اللبناني، وقدرته على تحرير وحماية الأرض إذا واكبه القرار السياسي. ولاحظ أن ما من خطر على الحكومة الحالية، ولكن هناك خوف على مستقبل لبنان. «النجوى ـ المسيرة» التقت النائب الحوت، وكان الحوار الآتي:

كيف تلقّفت بيان «حزب الله» حول حماية مسلحي «داعش»؟ وما هي دلالات هكذا حماية برأيك؟

لا شك في أن هذا البيان هو حلقة من حلقات التخبّط التي يعاني منها «حزب الله» جراء حرصه على إعطاء جمهوره صورة المتحكّم بالمشهد في سوريا، بينما الحقيقة أن «حزب الله» بات خارج طاولة القرار في سوريا، والتي أصبحت محصورة بين روسيا وأميركا.

في كل الأحوال، إن الإخراج السيئ للمواقف، وسهولة توافر المعلومات للرأي العام جعلت من المشروع أن نتساءل عن طبيعة العلاقة بين «داعش» و»حزب الله» وإذا كان دور هذه المجموعات، التي أنشئت بفعل المخابرات السورية وتم اختراقها من الجميع، بتفخيخ الثورة السورية قد انتهى في منطقة القلمون المتاخمة للحدود اللبنانية فتم نقلها لمكان آخر لدور مشابه، مما يستدعي تأمينها وحمايتها من الإستهداف.

ما هو تعليقك على عملية التفاوض والصفقة التي حصلت إثر بدء الجيش اللبناني بالمرحلة الرابعة من عملية «فجر الجرود»؟

لقد حاول البعض أن يوهمنا أن هذه المفاوضات كانت من أجل الكشف عن مصير العسكريين المختطفين، كما حاولوا أن ينسبوا الفضل في ذلك لرئيس النظام السوري الذي وافق على استقبال صنيعته من مجموعات «داعش» ليعبروا إلى دير الزور.

إن أي محلّل للواقع الميداني، يدرك أن مقاتلي «داعش» كانوا محاصرين في عشرين كيلومترًا مربعًا، وأنهم حكماً كانوا سينتهون بين مقتولين ومأسورين ومستسلمين، أليس من المستغرب أن لا يستسلم أي عنصر من هذه العناصر للجيش اللبناني؟

في رأيي أن عملية التفاوض بالشكل الذي حصلت به، وقد سبقها قبل أيام في أحد خطابات أمين عام «حزب الله» محاولة إيقاع الحكومة بفخ التطبيع مع النظام السوري، الذي هو في حالة نزاع مع شعبه، كانت تهدف أولاً إلى الإيحاء بأن «حزب الله» هو المتحكّم في مجريات الأمور، وثانياً لإخفاء ما لدى هؤلاء المسلحين من معلومات في حال وقع بعضهم في أيدي الجيش اللبناني، وهذا كان مؤكد الحصول.

هل يحق لطرف لبناني مسلّح التفاوض من دون العودة إلى الحكومة؟ وما هو مصير الإتفاق الحاصل بين «حزب الله» و«داعش»؟

من البديهي أن الجواب على سؤالك هو كلا، ولكنني هنا أستغرب موقف رئيس الحكومة بأنه ورئيس الجمهورية قاما بتغطية نقل مسلحي «داعش» من الجهة اللبنانية إلى الجهة السورية، وهذا ليس من صلاحية الرئيسين، مع احترامي لهما، بل هو من صلاحية الحكومة صاحبة القرار بالحرب والسلم، فهل تم عرض الأمر على مجلس الوزراء؟ أنا أعتقد أن بداية وقف ممارسات الحزب الخاطئة هو بالبدء بممارسات دستورية وحكومية صحيحة والإصرار عليها، حتى وإن حاول الحزب معارضتها.

في ما يتعلّق بالإتفاق بين «حزب الله» و»داعش»، من الواضح أن «حزب الله» إذا لم يستطع إيصال هذه المجموعات إلى منطقة دير الزور لتوظيفها هناك، سيقوم بنقلها وتوظيفها في مكان آخر، خصوصًا أننا سمعنا اليوم أن هناك مجموعة من هؤلاء المسلحين العالقين في البادية السورية بفعل قصف قوات التحالف عادت إلى مناطق نفوذ النظام السوري، ولو لم تكن مطمئنة الى وجود حليف في هذه المناطق لما قرّرت العودة اليها.

ما هو تعليقك على معركة الجرود، وما هو الفارق بين معركة عرسال ومعركة رأس بعلبك والقاع؟

لا شك أن معركة عرسال قد ظهر أنها تمثيلية كبيرة، وأن الإتفاق بين المجموعات المسلحة في جرود عرسال و»حزب الله» كان سابقاً لإطلاق المعركة، لا سيما أن الإستثمار السياسي لها لم يتأخر من خلال محاولة «حزب الله» الضغط على الحكومة لتطبيع العلاقة الرسمية مع النظام السوري.

كنت أتمنى لو أتيح المجال للجيش اللبناني أن يخوض معركة جرود عرسال، فوحدها القوى الشرعية مخوّلة بإدارة المعارك على الأرض اللبنانية، فمعركة جرود القاع ورأس بعلبك أثبتت جهوزية الجيش اللبناني وقدرته على تحرير الأرض اللبنانية وحمايتها إذا واكبه القرار السياسي في ظل الالتفاف الشعبي حوله.

لماذا كان «حزب الله» يتخوّف من وقوع مجموعات من «داعش» في يد الجيش اللبناني؟

أعتقد أن «حزب الله» والنظام السوري كانوا متخوفين من سقوط بعض عناصر هذه المجموعات الإرهابية بيد الجيش اللبناني، وأن تُظهر التحقيقات معهم وجود قنوات تنسيق وتبادل أدوار بينهم وبين الحزب لرسم صورة معينة إن على مستوى تشويه صورة الثورة السورية، أو على مستوى استنفار جمهور «حزب الله» الذي يرى أن خيرة شبابه تُرمى في معارك الآخرين.

هل تؤيّد مطالبة رئيس الجمهورية بفتح تحقيق بعملية خطف الجنود ومن ثم تصفيتهم؟

طبعاً أويّد هذه الدعوة، على أن يكون التحقيق شاملاً ليكشف أيضاً من سعى لتخريب المفاوضات لاستعادة العسكريين الأسرى، وكانت قد وصلت إلى نهاياتها، خصوصًا أنه تمت استعادة مجموعة منهم فعلاً، وذلك من خلال القصف على مخيم اللاجئين في عرسال، واستهداف وفد «هيئة علماء المسلمين» الذي كان يقوم بالتفاوض بتفويض رسمي، وليكشف أيضاً من اعترض على مبادلة هؤلاء الجنود ببضعة موقوفين من غير المحكومين، وهدّد وتوعّد ثم قام بتأمين مئات من المقاتلين المسؤولين عن قتل هؤلاء العسكريين وتهديد الأمن اللبناني.

ما هو مصير قافلة «داعش»، وهل ستؤدي إلى مزيد من الإحراج لـ«حزب الله» في الداخل اللبناني، كما حصل في الداخل العراقي؟

أعتقد أن الإحراج والإرباك قد وصل إلى مداه وقد أصبحت الصورة واضحة والمعلومات متداولة. المهم الآن كيف نستطيع أن نستثمر هذا الوضع في التقدّم على طريق تقوية الدولة على حساب الدويلة.

كيف سيترجم هذا الإرباك على الساحة السياسية الداخلية، وهل الحكومة في خطر؟

لا خطر على الحكومة في الوقت الحالي، ما دام القرار الدولي بالحفاظ على الحد الأدنى من الإستقرار في لبنان حتى لا يتفلّت اللجوء السوري وينتشر في أوروبا والغرب. خوفي الحقيقي هو على مستقبل البلد في ظل حكومة قامت على مجموعة من الإتفاقات الثنائية، وليس على رؤية واضحة لمستقبل لبنان، وبالتالي نحن أمام مشهد إئتلاف حكومات داخل الحكومة وتبادل منافع بين أصحاب هذه الإتفاقات الثنائية، ولهذا أثره الكبير على الإستقرار الإقتصادي والإجتماعي.

هل تعتقد أن لبنان قادر على أن يبقى بمنأى عما يجري في سوريا؟

لبنان محكوم بحكم انتمائه العربي والجغرافيا بأحسن العلاقات مع سوريا، ولكننا هنا نتحدّث عن سوريا الشعب الذي يختار النظام الذي سيحكمه. أما بالنسبة للوضع الحالي في سوريا،فهناك حالة تنازع بين الشعب السوري والنظام الذي يحكمه بالحديد والنار وأدوات القتل المختلفة، وبالتالي لا مصلحة للبنان لا أخلاقياً ولا مصلحياً أن يكون طرفاً في هذا النزاع، وإنما يُنتظر حتى يحسم الشعب السوري خياره حول النظام الذي يحكمه ليقيم معه علاقات طبيعية.

بالإنتظار، من الطبيعي أن تبقى الخطوط الإدارية قائمة وعاملة لتنظم الشؤون اليومية من أمن عام وجمارك وحدود دون أن تتحوّل إلى تطبيع سياسي مع النظام، وهذا يحصل بين البلدان المتحاربة، فكيف إذا لم نكن في حالة حرب مع سوريا، وإنما في حالة النأي بالنفس من النزاع بين الشعب السوري المنتفِض لكرامته وحريته وإرادته، والنظام الذي يستخدم جميع الأسلحة الفتاكة في وجه هذا الشعب، عندها يصبح مفهوم النأي بالنفس أسهل بالتطبيق، وأكثر واقعية من كثير من الطروحات الزائفة التي يريد البعض تزيينها للبنانيين.

ماذا تعني لكم تجربة «داعش» كجماعة إسلامية؟ وهل هي صنيعة أنظمة معيّنة لاستعمالها؟ وهل ساهمت في تعديل الفكر الإسلامي؟

لقد شكّلت تجربة «داعش» تحديًا كبيرًا بالنسبة للجماعة الإسلامية. فلقد رفعت «داعش» مجموعة من الشعارات الجاذبة للشباب المُحبَط، في ظل ممارسات أطراف الثورة المضادة لثورات الربيع العربي، وكذلك ممارسات أطراف المشروع الإيراني التوسّعي في المنطقة، خاصةً وأن الوقائع أثبتت أن «داعش» كانت صنيعة أنظمة كانت تريد من خلالها تفخيخ ثورات شعوب المنطقة، وقد نجحت الى حد بعيد، كما أن مختلف المخابرات الإقليمية والدولية استثمرت في هذه الحركات الشاذة في نفس الإطار. هذه الشعارات شكّلت عبئاً على الجماعة التي سعت لاستنقاذ هؤلاء الشباب المُحبَط من التأثيرات السلبية والهدّامة لـ «داعش» وأمثالها، فبذلت جهداً كبيراً في التواصل مع جمهورها اللبناني، لا سيما الشباب منه، لتوعيته حول مخاطر هذا التفكير المنحرف وعدم صوابيته، وأرى أنها نجحت في مسعاها، فبقيت الحالات اللبنانية المتأثرة بهذا الفكر فردية ولم تتحوّل إلى ظواهر، وبقي الإسلام الوسطي الحقيقي هو الغالب على المسلمين في لبنان، وهذا يعتبر وسام يوضع على صدر الجماعة الإسلامية وأعضائها.

هل تعتبرون أن أي خسارة يصاب بها «داعش» تعنيكم بشكل مباشر؟ وما هو البديل عن «داعش»؟

طبعاً كل خسارة يصاب بها «داعش» تعنينا، فالمتتبّع للأحداث يرى أن الدور الرئيس لهذه المجموعات كان تفخيخ ثورات شعوب المنطقة والتصادم معها وإراحة الأنظمة الديكتاتورية الظالمة، ونحن منذ اليوم الأول لثورات الربيع العربي أعلنا وقوفنا إلى جانب الشعوب وخياراتها. كما أن أحد الأدوار الأساسية التي كلّفت فيها هذه المجموعات من مختلف المخابرات التي استثمرت فيها، هو تشويه صورة الإسلام لتحويله إلى «بعبع» تجب محاربته لتبرير ما تقوم به هذه الدول من جرائم بحق المدنيين خلفيتها الحقيقية استعمارية ـ إقتصادية مرتبطة بممرات أنابيب الغاز وسوق الأسلحة وأمن الكيان الصهيوني. وبالتالي نعم، أي انكشاف لدور «داعش» وأخواته، وأي أنكسار له عبر أي طريق أتى ليشكل فرصة أمام الشعوب لتستعيد التوازن في وعيها للتمييز بين الإسلام الوسطي الحقيقي، والجماعة الإسلامية جزء منه، وبين المجموعات الشاذة الموظفة.

هل انتهت الحرب في سوريا، وماذا بعد «داعش» فيها؟

للأسف يبدو أن هذه الحرب لم تنتهِ بعد في ظل وجود من لا يزال يفكر بطريقة الستينات وأن الشعوب يمكن أن يستمر حكمها بالحديد والنار، وبالتالي يريد أن يحافظ بأي ثمن على رأس النظام السوري، وهذا مخالف للمنطق إذ كيف سيغفر أكثر من ثلاثة أرباع الشعب السوري لهذا النظام جرائمه بحق المدنيين لا سيما الأطفال والنساء.

من جهة أخرى هناك من يحلم بإعادة رسم خارطة المنطقة وتقسيم المقسّم، ويبدو أن خريطة تقسيم سوريا واقعياً لم تتّضح على الأرض بعد، وآمل ألا تنجح هذه المحاولات.

كلا، هذين الأمرين يجعلانني غير متفائل بقرب انتهاء هذه الحرب رغم محاولات البعض إقناع اللبنانيين بذلك حتى يتسرّعوا بتطبيع العلاقة مع نظام، في رأيي، زائل حتماً عاجلاً أو آجلاً.

هل ستحصل الإنتخابات النيابية المقبلة، وما هو دور الجماعة الإسلامية في هذه الإنتخابات، وكيف ستكون تحالفاتكم الإنتخابية إن في إقليم الخروب والشمال والبقاع؟

أنا أخشى على الإنتخابات القادمة من خوف العديد من القوى السياسية لأحجامها الشعبية الحقيقية، مما قد يدفعها لمحاولة تطيير هذه الإنتخابات مجدداً. أما التحالفات فأعتقد أنه من المبكر الحديث عنها، ولكنها ستكون محكومة بقدرتها على تحقيق نتائج مرضية للجماعة في إطار حد أدنى من الإنسجام بالتطلّعات.

كيف توصّف علاقتكم مع «المستقبل» في هذه المرحلة؟

كأي علاقة بين مكوّنين سياسيين في البلاد، فيها محطات من الصعود ومحطات من التراجع. نحن نتواجد في مناطق مشتركة، نتفق على قضايا ونختلف على أخرى، وبالتالي العلاقة ممكن أن تكون قائمة على التكامل أو التنافس تبعاً للمواقف، أو توجّهات قيادة الجهتين.

لا شك أن قنوات التواصل مع تيار «المستقبل» قائمة، لأننا نعتبر أنه من مصلحة الوطن أن تكون الطائفة السنية متماسكة، وهذا يستدعي جدّية في الحوار وتنازلات من الطرفين، وأن لا تُختزل الطائفة بأحدهما أو بكلاهما، فالطائفة السنية زاخرة بالطاقات القادرة على المساهمة في المشروع الذي تتبناه الجماعة الإسلامية، وهو مشروع بناء الدولة بالشراكة مع الجميع، وبالتالي كل هذه العناصر تحكم مسار العلاقة بين الجماعة الإسلامية وتيار «المستقبل».

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل