غزوات عرسال: محضر التحقيق

كتب نجم الهاشم في “المسيرة” – العدد 1627:

لا تعود القصة إلى غزوة عرسال في 2 آب 2014 فقط. تلك الغزوة لم تكن إلا محطة في حرب طويلة جرت على الحدود بين لبنان وسوريا وبدأت منذ اندلاع الصراع ضد النظام السوري في العام 2011 وانتهت عمليًا بعد عملية فجر الجرود التي نفذها الجيش اللبناني في آب 2017. قصة غزوة عرسال لا تنفصل عن قصة انتشار الجيش اللبناني على كامل الحدود الشرقية ولكن الفارق الكبير بين العام 2014 و2017 أن ما كان تنفيذه مستحيلاً لجهة القبض على منفذي الغزوة والإعتداء على الجيش وخطف عناصره وعناصر قوى الأمن الداخلي وقتها كان ممكناً حصوله في آب 2017 ولكنه عندما أصبح متاحًا تم تهريب «المتهمين» على دفعتين. وبالتالي بات من الواجب البحث عن الحقيقة الكاملة لما حصل في الجرود لأن مذكرة البحث والتحري عن الفاعلين كان يجب أن تصدر قبل انتهاء العمليات العسكرية وليس بعد عملية التهريب.

لا يمكن أن يكون التحقيق في الإعتداء على العسكريين في 2 آب 2014 مجرد ملف جنائي فقط. ولا يمكن أن يكون محصورًا بهذا العنوان وحده. ولا يمكن أن يتخطاه أيضًا إلى تكبير الحجر وتحميل مسؤوليات سياسية على خلفية الإتهام العسكري والسياسي لأن العملية تتحول إلى مجرد تصفية حسابات ووجهات نظر لا يمكن تثبيتها في ملف تحقيق رسمي. ولكن في الوقت نفسه لا يمكن أن تذهب الحقيقة إلى القبر مع تشييع الشهداء العسكريين في يوم الحداد الوطني.

هذا الملف مر بحقبات سياسية وعسكرية مختلفة. عندما بدأت الحرب في سوريا كان الرئيس نجيب ميقاتي مكلفاً تشكيل حكومته بعد إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري في كانون الثاني 2011 وكان ميشال سليمان رئيسًا للجمهورية وفايز غصن وزيرًا للدفاع والعماد جان قهوجي قائدًا للجيش، وفي ظل هذه السلطة حصلت عملية قتل الرائد بيار بشعلاني في أول شباط 2013 في عرسال بعد محاولة اعتقال خالد حميد وقتله. وفي آب 2014 كان تمام سلام رئيسًا للحكومة وسمير مقبل وزيرًا للدفاع والعماد جان قهوجي قائدًا للجيش وكان دخل لبنان عهد الفراغ منذ خروج الرئيس سليمان من قصر بعبدا في 24 أيار 2014.  أما عملية فجر الجرود فقد حصلت بينما الرئيس ميشال عون في قصر بعبدا والرئيس سعد الحريري في السراي والعماد جوزف عون في اليرزة. ولكن على مساحة كل هذه الأحداث كان هناك لاعب أساسي في كل المراحل هو «حزب الله» إلى جانب «جبهة النصرة» وتنظيم «داعش» وكل الأحداث التي عاشها لبنان على حدوده الشرقية كانت نتيجة هذا الصراع الحاصل في سوريا ولم يكن دور الجيش اللبناني على كامل تلك الحدود إلا ضمن حدود احتواء آثارها ومنع انتقالها إلى لبنان. وكان لا بد من أن يدفع ثمن تلك المرحلة وأن يتوِّجها بالنصر الذي حققه في فجر الجرود من دون أن تتم سرقة هذا الإنجاز منه ونقله من موقع المنتصر إلى موقع تحميله المسؤوليات عن الأحداث السابقة.

قبل العام 2011 كان انتشار الجيش اللبناني على الحدود الشرقية مع سوريا انتشارًا أمنيًا عاديًا، إذ إنه من العام 1943 ربما لم يسبق للجيش أن انتشر انتشارًا عسكريًا يحاكي احتمال حصول معارك ومواجهات. والتحول الأساسي الذي حصل في خلفية انتشاره كان بعد احتلال «حزب الله» بلدة القصير في حزيران 2013 التي كانت الحد الفاصل بين مرحلتين.

قبل القصير كان «حزب الله دخل المعركة في سوريا. في البداية أعلن أن تدخله كان دفاعًا عن مقام السيدة زينب في دمشق ثم تطور إلى الدفاع عن بلدات اللبنانيين  الذين يعيشون داخل سوريا. في المقابل كانت الحدود الفاصلة بين لبنان وسوريا تشهد اشتباكات متفرقة وكان بدأ أيضًا الحديث عن دعم «الثوار» السوريين عبر هذه الحدود وتحديدًا عبر وادي خالد وعرسال. وهذا الأمر استدعى من قيادة الجيش نقل وحدات جديدة إلى مناطق الحدود وتم إنشاء أفواج الحدود البرية لتنتشر من عكار إلى جرود عرسال وبريتال ولكن دائمًا ضمن إطار أمر عمليات يقضي بمنع تسلل الإرهابين وضبط المعابر، ولذلك بقي هذا الإنتشار بخلفية أمنية على رغم التسريبات حول تمدد «القاعدة» نحو لبنان والتخطيط لإنشاء إمارة إسلامية تبدأ في سوريا وتمتد إلى عكار في لبنان وصولاً إلى طرابلس، وقد تعرض الجيش في هذه المرحلة لانتقادات كثيرة على قاعدة أنه يلاحق من يدعم الثوار في سوريا ويغض النظر عن «حزب الله» الذي يساند النظام السوري خصوصًا بعدما كان السيد حسن نصرالله الأمين العام لـ»حزب الله» أعلن دخوله الحرب المفتوحة على أساس «أننا سنكون حيث يجب أن نكون» وأنه «إذا تطلبت المعركة مشاركة مئة ألف فيها فسنشارك».

في أول شباط 2013 حاولت قوة من مديرية المخابرات في الجيش اللبناني اعتقال خالد حميد في عرسال وقتلته ووقعت بعدها في كمين أدى إلى استشهاد الرائد بيار بشعلاني والمعاون ابراهيم زهرمان وجرح عدد من العسكريين والمسلحين. هذا الحادث رفع منسوب التوتر والتحديات الأمنية وسلط الضوء أكثر على وضع عرسال والحدود الشرقية. وتم وضع قيادة الجيش أمام مواجهة الإقتصاص من الإرهابيين أو اتهامها بالتقصير. كان الرئيس نجيب ميقاتي هو رئيس الحكومة وفايز غصن وزيرًا للدفاع. وكان قائد الجيش العماد جان قهوجي في زيارة خارجية اضطر إلى قطعها في اليوم نفسه والعودة إلى لبنان وعقد اجتماع للقيادات العسكرية المعنية. كان هناك تقييم عام للوضع عسكريًا وسياسيًا. لم يكن من الممكن القيام بعملية عسكرية واسعة في عرسال ولكن كان هناك قرار بالإقتصاص من الذين شاركوا في عملية الإعتداء على الجيش وقد تم بالفعل هذا الأمر على مدى الأعوام التالية حيث أن مديرية المخابرات تمكنت من الوصول إليهم واعتقالهم. لم تكن حكومة الرئيس ميقاتي حكومة 14 آذار ليتم اتهامها بأنها كانت وراء منع الجيش من الدخول إلى عرسال ولكن ميزان القوى العسكري في تلك المرحلة كان في مصلحة المسلحين والإرهابيين المنتشرين على كامل الحدود بين لبنان وسوريا من جرود عرسال إلى المناطق المتاخمة لوادي خالد وكانت طرقهم مفتوحة إلى لبنان وأي مغامرة عسكرية يقوم بها الجيش كانت تعني زجه في معركة ليست معركته.

في 19 أيار 2013 بدأ «حزب الله» معركة القصير التي أنهاها في 5 حزيران. أكثر من عشرين ألفاً من أبناء المدينة تم تهجيرهم إلى منطقة عرسال ليبدأ منذ ذلك التاريخ ملف النازحين السوريين ومخيمات عرسال. بعد عشرين يومًا فقط كان جيش النظام السوري يعيد السيطرة على منطقة تلكلخ وفي كانون الثاني 2014 استكمل العملية بالسيطرة على قلعة الحصن القريبة من وادي خالد قبل أن يقوم «حزب الله» بمتابعة العمليات في القلمون ويسيطر على بلدات عدة من فليطا إلى يبرود ورنكوس وغيرها ولتبدأ بعد ذلك مسألة ازدياد عدد مخيمات النازحين في محيط عرسال وليستمر مسلحو «جبهة النصرة» وتنظيم «داعش» منتشرين في المناطق الباقية في جرود عرسال وراس بعلبك والقاع.

في خلال هذه المرحلة وعلى رغم ما حققه «حزب الله» والنظام في هذه المناطق المتاخمة للبنان بقيت المبادرة في داخل سوريا بيد المعارضة ولذلك لم يتابع «حزب الله» عملياته العسكرية في القلمون وبقي الوضع معلقاً، ونتيجة هذه التطورات زاد الجيش اللبناني من نقاط تمركزه على طول الحدود وأنشأ ثكنات عسكرية وحصّن مواقعه وأقام أبراج المراقبة بمساعدة بريطانية بينما كان يتلقى مساعدات أميركية مستمرة لكي يبقى في جهوزية كاملة، وفي الوقت نفسه كان مضطرا لخوض مواجهات متفرقة في بعض مناطق الداخل خصوصًا خلال الحرب المفتوحة بين جبل محسن وباب التبانة في طرابلس.

عندما تم توقيف عماد جمعة على حاجز الجيس اللبناني في 2 آب 2014 في جرود عرسال لم يكن هناك تأكيد على هويته. عندما طالبت «النصرة» بإطلاق سراحه وتمسكت بهذا المطلب وتم التهديد بمهاجمة مراكز الجيش استفسرت قيادة الجيش من مديرية المخابرات عن هويته الحقيقية وتم التأكد من أنه قيادي في «جبهة النصرة». رفضت القيادة تسليمه وتعرضت المواقع العسكرية الأمامية للهجوم الذي شنته «النصرة» مع تنظيم «داعش».

بحسب المعلومات التي توفرت فإن تنظيم «داعش» تمكن في الليلة نفسها من نقل العسكريين الذي خطفهم إلى الجرود أما الذين وقعوا بيد «النصرة» فبقيوا في عرسال. لم يكن باستطاعة الجيش أن يقوم بهجوم شامل في اتجاه الجرود ولا بمهاجمة بلدة عرسال في ظل وجود نحو 40 ألف نسمة فيها ونحو مئة ألف لاجئ سوري. جرت محاولة لإعطاء فرصة للمفاوضات من أجل إطلاق العسكريين ولكن مع رفض إجراء أي عملية تفاوض لإطلاق عماد جمعة وعدد آخر من الإرهابيين من السجون اللبنانية ومع طلب الحكومة برئاسة الرئيس تمام سلام وقفاً لإطلاق النار من أجل إفساح المجال أمام وساطة وفد من هيئة العلماء المسلمين عادت «جبهة النصرة» ونقلت العسكريين إلى الجرود خصوصًا أن وفد العلماء تعرض لإطلاق النار عند دخوله إلى عرسال ولم ينجح في مهمته.

في مواجهة هذا الوضع ومع عدم القدرة على شن حرب تحرير تمكن الجيش اللبناني من إعادة السيطرة على المراكز التي خسرها وأقام خطوط دفاعية جديدة ولم يكن بالإمكان شن أي عملية لتحرير الأسرى لأنها بحكم الأمر الواقع كانت محفوفة بالخطر وغير مضمونة النتائج لأن الخاطفين كان بإمكانهم تصفية هؤلاء العسكريين فورًا كما أنه كان في استطاعتهم الإنتقال إلى الجرود لأن إمكانية تطويقهم عسكريا ودخول عرسال كانت تتطلب ثمناً كبيرًا وتعتبر مغامرة غير محسوبة النتائج وقد تجر على الجيش خسائر كبيرة إضافية لأن طريق المسلحين في الجرود إلى الداخل السوري كانت مفتوحة ولأن الجيش لم يكن يمتلك التجهيزات والمعدات العسكرية اللازمة لشن عملية كبيرة من هذا النوع ذلك أنه لم يكن يمتلك إلا طائرة سيسنا واحدة مع 19 صاروخًا استعمل منها 12 في عمليات استعادة المواقع. ومن هنا بدأت قضية العسكريين المخطوفين تسلك مسار السعي نحو إمكانية حلها بالتفاوض ولو عبر صفقة على غرار ما حصل في موضوع راهبات معلولا ومخطوفي أعزاز. ولكن الشروط التي وضعت لم تكن قابلة للتنفيذ ولم يكن هناك موافقة من «حزب الله» على إطلاق سراح أي موقوف من المتهمين بتنفيذ عمليات انتحارية داخل لبنان. ولكن ما تم منعه عن السلطة لجأ إليه الحزب في تشرين الأول 2014 عندما وافق على صفقة تبادل أسرى مع «النصرة» فتسلم أحد عناصره عماد عياد مقابل إطلاق العقيد عبدالله الرفاعي في الجيش السوري الحر.

لا يمكن قراءة الوضع العسكري في لبنان من دون الربط مع الوضع العسكري في سوريا. ولذلك فإن أي حديث عن حرب تحرير كان يمكن أن يقوم بها الجيش في العام 2014 يبقى مجرد مزايدات لا تستند إلى معلومات دقيقة. طيلة العام 2015 كانت المبادرة العسكرية في سوريا لا تزال في يد المعارضين. وللتذكير فإن مسافة 10 كلم فقط كانت تفصل «داعش» مثلا من الوصول إلى الحدود اللبنانية بعدما احتلت تدمر وتوجهت نحو بلدة صدد في حمص والتمكن من قطع الطريق التي تربط دمشق بالساحل السوري. في 30 أيلول 2015 بدأ التدخل الروسي في سوريا عسكريًا في محاولة لإنقاذ النظام من السقوط بعدما فشل «حزب الله» وإيران في هذه المهمة. طيلة العام 2016 كانت موازين القوى العسكرية تعمل ضد المعارضات وبعدما كان عنوان الحرب إسقاط النظام السوري تحولت الحرب إلى القضاء على «داعش» في العراق وفي سوريا. وطيلة هذه المرحلة الممتدة من آب 2014 إلى آب 2017 كان الجيش اللبناني يتلقى المزيد من المساعدات العسكرية الأميركية. الفارق مثلا بين المرحلتين أن الجيش بفعل هذه المساعدات تمكن من ربط مواقعه بشبكة اتصالات آمنة ومن أن تكون له عيون دائمة ليلا ونهارا في سماء المنطقة من خلال طائرة الدرونز التي أحصت وراقبت كل تحركات المسلحين وصار عنده بطاريات مدفعية بعيدة المدى ذكية التوجيه ودقيقة الإصابة وعدد أكبر من طائرات السيسنا والصواريخ الدقيقة الموجهة وتمكن من نقل قوى أكبر إلى الجبهة ومن إجراء عمليات تدريب وتنسيق نيران واسعة وإنشاء غرفة عمليات حديثة ومتطورة في انتظار الساعة الصفر التي يقوم فيها بما عجز عن القيام به في آب 2014 في ظل جهوزية عسكرية وسياسية بعد انتخاب العماد عون رئيسًا للجمهورية وتشكيل الحكومة برئاسة الرئيس سعد الحريري. ولكن «حزب الله» كان الأسرع في شن الحرب ضد «جبهة النصرة» في جرود عرسال الأمر الذي جعل الجيش أمام قرار لا عودة عنه بتحرير جرود القاع وراس بعلبك من تنظيم «داعش». وحتى عندما اقترب من الحسم كان «حزب الله» قد أجرى الصفقة على تبادل الأسرى مع «داعش» كما فعل مع «النصرة».

لماذا تم إخراج مسلحي «داعش» و»النصرة» من الجرود إذا كان المطلوب التحقيق في قضية الإعتداء الذي تعرض له الجيش في 2 آب 2014؟ وهل كانت عملية التبادل بالنسبة إلى «حزب الله» تحظى بالأولوية على مسألة التحقيق؟ وهل كانت كل هذه العملية العسكرية مقابل معرفة مكان دفن العسكريين المخطوفين فقط خصوصًا أن المعلومات كانت مؤكدة منذ شباط 2015 حول المصير الذي لاقوه؟

أكثر من ذلك: لماذا سمحت قوات التحالف بمرور مسلحي «جبهة النصرة» إلى إدلب في عملية التبادل مع «حزب الله» ولماذا منعت عبور عناصر «داعش» إلى دير الزور وماذا سيفعل «حزب الله» إذا لم تتم عملية تسلمه الأسير والجثامين المتفق عليها؟ وهل خسر الحزب في صفقة «داعش» ما حققه في صفقة «النصرة»؟ وهل يمكن الفصل بين ما حصل في آب 2017 وما حصل في آب 2014 وما قبله وما بعده؟ وهل المطلوب فقط توزيع اتهامات سياسية وتقديم ضحايا؟ أم تتويج النصر الذي حققه الجيش عسكريا بتحقيق إجماع شامل على دوره وعلى سلاحه وانتشاره الدائم على كامل الحدود؟

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل