واشنطن تنتهج سياسة أكثر تشدّداً تجاه لبنان بفعل ممارسات “حزب الله”

خاص “المسيرة” – واشنطن – العدد 1627

معركتا الجرود

يمكن القول إن وقائع معركتي جرود عرسال وجرود القاع والنتائج التي أفضت إليهما هي التي شكلت مصدر قلق واضح لدى الإدارة الأميركية على الرغم من استمرار التمسك على مستويي القرار “السياسي والعسكري” في آن لجهة مواصلة مساعدة الجيش اللبناني والقوى الأمنية في حربهما ضدّ الإرهاب وفي تعزيز وبسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها. ويلاحظ في هذا المجال ما يشبه توزيع أدوار بين السياسة والعسكر في واشنطن، فالمساعدات العسكرية لم تتوقف حتى الآن، ورسائل الدعم السياسية العلنية كذلك، إلا أن هذه المسلمات رافقها منذ فترة بعث رسائل واضحة إلى المسؤولين اللبنانيين بضرورة تدارك مسألة توسع سيطرة “حزب الله” على القرار السياسي والعسكري في لبنان، وهي خطوة غير محمودة ليس فقط بالنسبة للبنان داخلياً، بل ستترك آثارها على علاقات لبنان الإقليمية والدولية، فلا يمكن بالتالي تجاهل ما يقوم به “حزب الله” على أرض الواقع، وإدعاء المسؤولين اللبنانيين في المقابل أن كل شيء يسير على ما يرام، أو التعمية على المشكلة الحقيقية التي تفرضها ممارسات “حزب الله” على الصعد كافة، لأن ذلك يضرب مصداقية لبنان لدى المحافل الإقليمية والدولية ويضع علاقاتها مع المجتمع الدولي والدول الصديقة عند مفترق طرق، وقد ينعكس سلباً على كل منظومة الدولة التي لن ينقذها بالتأكيد مصادرة قرارها لصالح محور طهران-دمشق.

وفي ضوء ذلك، تؤكد مصادر مسؤولة في واشنطن، أن الولايات المتحدة لا تزال تراهن على تغيير جذري في أداء المسؤولين اللبنانيين قبل فوات الأوان، وعليه تشدّد هذه المصادر على أن واشنطن لا تزال تنظر إلى الجيش اللبناني بأنه الأداة الفعلية والوحيدة لمحاربة عناصر تنظيم الدولة الإسلامية وغيره من الجماعات الإرهابية على الجبهات وهو المدافع الشرعي الوحيد عن سيادة لبنان وأمنه وإستقراره. ورأت المصادر الأميركية أن الشراكة مع الجيش اللبناني ستتواصل لا سيما في سياق التحالف الدولي في القتال ضد “داعش”، وأن هذه الشراكة تتمثل في إستمرار إلتزام الولايات المتحدة بتعزيز قدراته عبر تقديم التدريب والمعدات التي يحتاجها لتعزيز قدرته على حماية لبنان والحفاظ على إستقراره. وأثنت المصادر على ما حققته القوى المسلحة اللبنانية من نجاحات واضحة في المعارك المباشرة والملاحقات الإستباقية ضد “داعش” وإرهابيين آخرين خلال الأعوام الأخيرة بما فيها إحباط هجمات خطط لها “داعش” وتدمير مقرات قيادية له وتوقيف مسؤولين في التنظيم في لبنان وقتل عناصر منه في أرض المعركة. وتبعاً لذلك ترى المصادر أن الولايات المتحدة لا تزال تعتقد أن أداء القوات المسلحة اللبنانية تأكيد قوي على الشراكة بين الولايات المتحدة وهذه القوات في الحرب ضد «داعش»، وهي لا تتمنى أن تصل يوماً إلى مراجعة سياستها في حال تراكمت التبعات التي تتركها سيطرة “حزب الله” على مفاصل الدولة اللبنانية حيث أبرزت هذه المصادر في هذا السياق مخاوف الولايات المتحدة حيال العمليات العسكرية التي يقوم بها “حزب الله” في لبنان والتي تخرق قرار مجلس الأمن الدولي 1701 عبر تحدي دعوة المجتمع الدولي إلى نزع سلاحه.

وتشرح المصادر ذاتها أن الإستياء الأميركي من أداء المسؤولين السياسيين ليس نابعاً من فراغ، حيث أن واشنطن قيّمت سلباً زيارة رئيس الحكومة سعد الحريري الأخيرة إلى واشنطن، فعلى الرغم من الترتيبات الكبيرة التي أعدت للزيارة والاستقبال والحفاوة الكبيرين اللذين لقيهما الحريري من خلال استقباله في البيت الأبيض بمستوى رئيس دولة وليس رئيس حكومة، فإن هذه الزيارة لم تعط الانطباع الحاسم بأن الحكومة اللبنانية ستحزم أمرها في التصدي لسطوة “حزب الله” الخارجية والأمنية في لبنان لا سيّما في ظل الوقائع الدامغة على ذلك والتي يدركها المسؤولون اللبنانيون قبل غيرهم، حيث أثبتت الدلائل العملانية والميدانية أن “حزب الله” خطط لمعركتي الجرود، فبالإضافة إلى خوضه معركة جرود عرسال لوحده، بدا أن الجيش اللبناني يقف في الخطوط الخلفية من عرسال داعماَ، حتى أن معركة جرود القاع ورأس بعلبك والتي نفذها الجيش اللبناني بحرفية عالية وبفضل الدعم الأميركي له، إلا أن الحكم اللبناني حكماً وحكومة خضعا في النهاية للتوقيت الذي فرضه “حزب الله” في وقف المعركة والدخول في مفاوضات مع تنظيم “داعش”، خدمة لـ”حزب الله” وطهران ومن بعدهما ما تبقى من نظام الأسد.

الجنوب وترسانة الحزب

وإلى جانب الملاحظات الجادة والقلق الواضح من مسار معركتي الجرود، برزت أيضاً ملاحظات أميركية قاسية وإستياء شديد إزاء الأوضاع في جنوب لبنان، وصولاً إلى إتهام قوات الطوارئ الدولية بأنها تغض النظر عن أنشطة “حزب الله، فعلى الرغم من التجديد العادي لمهمة هذه القوات فإن الولايات المتحدة لم تسقط من حساباتها الخروقات المستمرة للقرار 1701 تبعاً للتقارير الواردة إلى واشنطن ونيويورك من أن قوات اليونيفيل لا تقوم بمهامها كما ينبغي لمنع حزب الله من توسيع ترسانته العسكرية، حتى أن هذا الحزب بدأ في المرحلة الأخيرة بتطوير أسلحته وإرسالها إلى حيث يريد لزعزعة الاستقرار. وبناء عليه فإن الجانب الأميركي قدّم ملاحظاته على الأوضاع في جنوب لبنان وفق المحاور التالية:

أولاً: بالنسبة لما تحدّث عنه القرار 1701 لجهة تجنب النزاعات، أثبتت الوقائع أن أي نزاع كبير لم يحصل في جنوب لبنان منذ عام 2006، ولكن هذا لا يعني وجود سلام وأمن.

ثانياً: منذ عام 2006 وحتى اليوم ، حصل تدفق كبير للسلاح غير الشرعي إلى حزب الله، ومعظم هذا السلاح يتم تهريبه من إيران عن طريق سوريا ولا تحرّك الدولة اللبنانية ولا أجهزتها ساكناً لمنع وصول مثل هذه الترسانة إلى الجنوب اللبناني، وهذا الأمر يجسد فعلياً وجود سلطتين على الأرض وليس سلطة واحدة يفترض أن تنحصر بيد الدولة وحدها، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بقيام منظمة مثل “حزب الله” وهي مصنفة إرهابية من قبل الولايات المتحدة والكثير من الدول ببناء ترسانتها التسلحية والصاروخية دون أي حسيب أو رقيب.

ثالثاً: بات لزاماً على قوات اليونيفيل العمل مع القوات المسلحة اللبنانية الشرعية لوقف الانتهاكات التي يتعرض لها القرار 1701 ، أو على الأقل الإبلاغ عنها، حيث لا تقوم اليونيفيل بهذا الدور حتى الآن، ولا تنفع تبريرات السلطة السياسية في لبنان من أن تنفيذ مندرجات القرار 1701 قد ينعكس سلباً على إستتباب الأوضاع في الجنوب وعلى العلاقة مع قوات اليونيفيل لا بل أن ذلك سيؤدي إلى تثبيت هذا الإستقرار وسيمنع أي إنهيار دراماتيكي وخطير للأوضاع جنوباً اولاً بسبب زيادة ترسانة «حزب الله» الصاروخية، وثانياً بفعل ما قد يقدم عليه “حزب الله” من تفجير جبهة الجنوب مجدداً خدمة لأجندته الخارجية.

ولذلك تشير المعلومات إلى أن الولايات المتحدة ستواصل مراقبة الوضع وكل ما يفعله “حزب الله”  إلى جانب إيران، لأن هذه الأفعال تشكل مصدر قلق حقيقي، وبالتالي فإن الهدف من التحرك داخل الأمم المتحدة، هو العمل باستمرار على تجنب التصعيد. من هنا يفسر تحذير المندوبة الأميركية أنه إذا ما نظرنا إلى ما يقوم به “حزب الله” يمكن القول إن ذلك هو استعداد للحرب، مشيرة إلى أن الأمر مسألة وقت، وعلينا أن نوقف ذلك.

رابعاً: لا تتطلع الولايات المتحدة إلى تعديل التفويض الممنوح لقوات اليونيفيل بحد ذاته، وإنما تضمين القرار 1701 بنوداً تعززه الأمر الذي يجعل مهمة اليونيفيل واضحة للقيام بما كان يفترض أن تفعله منذ سنوات. وبالتالي الحؤول دون إطلاق يد «حزب الله: لتسليح نفسه وزعزعة استقرار المنطقة.

العقوبات على “حزب الله”

أما في ما يتعلق بالعقوبات على “حزب الله” في نسختها الثانية المعدلة فإن الأوساط الأميركية تستغرب التسريبات التي نقلت عن الأوساط المصرفية والسياسية اللبنانية قولها إن تعديلات جوهرية أدخلت على قانون تشديد العقوبات الأميركية مالياً على “حزب الله” عقب ضغوط كبيرة مورست من بيروت انطلاقاً من حدة المخاوف من أن تلحق مروحة التشريعات الجديدة ضرراً كبيراً على القطاع المصرفي والاقتصاد اللبناني بأكمله. وتذكر هذه الأوساط بسلسلة من المبادىء والأسس الدستورية التي تحكم العمل التشريعي والتنفيذي في الولايات المتحدة.

أولاً: بما أن الدول هي سيّدة نفسها، لا يمكن مطلقاً لأي جهة أكانت دولة أم منظمة أم تجمعاً أو حركة التدخل في شؤون الدول الداخلية ولا سيما في مهام السلطة التشريعية طالما أن قانون توسيع العقوبات على “حزب الله” يخص الدولة الأميركية وحدها، في حين يفترض بالدول السيدة أن تحترم ما يصدر من قوانين عن دولة أخرى وتعمل على تطبيقها. وعلى هذا الأساس فإن التعديلات على قانون العقوبات التي أدرجها المشرعون في مجلسي النواب والشيوخ تهدف في الواقع إلى فرض مرحلة جديدة من الحصار المالي على منظمة “حزب الله”، وتجفيف مصادر تمويلها.

ثانياً: على هذا الأساس فإن سعي الكونغرس الأميركي لردع “حزب الله” والجهات التي تدعمه مالياً وسياسياً، لا علاقة له بأي حال من الأحوال بالسياسات والزواريب اللبنانية الداخلية ولا حتى بالوفود الرسمية التي أتت وتأتي إلى واشنطن ومن بينها حتى رئيس الحكومة سعد الحريري الذي حاول التخفيف من وطأة العقوبات بحجة عدم تأثر الإقتصاد اللبناني بها، فكان الجواب بنشر مسودات التعديلات قبل أن يصل الى واشنطن من دون إعطاء الفرصة للوفد اللبناني بالدخول في التفاصيل التشريعية والتنفيذية لهذه التعديلات.

ثالثاً: صحيح أن النسخة الأخيرة من التعديلات على قانون العقوبات لم تشمل ذكر أسماء الشخصيات اللبنانية الحليفة لـ”حزب الله”، إلا أن هذه التعديلات أعطت الرئيس الأميركي وحده دون الوزارات أو الجهات المعنية بتنفيذ القانون صلاحية إدراج أي جهة لبنانية أو دولية أفراداً ومؤسسات على لائحة العقوبات في حال ثبت تورطها في تقديم دعم مالي أو مادي أو تكنولوجي لميليشيات “حزب الله”، وهذه الصلاحية تخدم الهدف الأساسي للعقوبات وهو تقليص نفوذ “حزب الله” في لبنان وفك ارتباطه مع المؤسسات اللبنانية.

في ضوء كل ما تقدّم فإن المستجدات الأخيرة ووجود إدارة جديدة في البيت الأبيض يقود حكماً إلى توقع سياسة أميركية أكثر تشدّداً تجاه لبنان، ليس من منطلق الضغط على لبنان إنما من واقع الحرص على الدولة اللبنانية وعلى قرارها السيد الحر المستقل، تلافياً لأي تداعيات قد تعيد لبنان إلى دائرة التوتر المباشر، وتجنب هذا الأمر ليس مصلحة دولية أو عربية وإنما يجب أن يكون وأن يبقى مصلحة لبنانية علياً بالدرجة الأولى. ومن هذه الخلفية يمكن فهم القرار الأميركي الذي تم تنفيذه سريعًا والذي قضى بمنع تنفيذ اتفاق “حزب الله” و”داعش” ومنع وصول القافلة التي خرجت من جرود القاع ورأس بعلبك ومن الأراضي السورية الى الوجهة التي تم تحديدها.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

خبر عاجل