أسعد يوم في حياتي هو يوم استلامي بطاقتي الحزبية

كتبت أغنس الحلو  زعرور في المسيرة – العدد 1627:

 

جورج الدربلي أخو الشهيدين جوزف وعبد النور

أسعد يوم في حياتي هو يوم استلامي بطاقتي الحزبية

 

 

 

30 حزيران 2017، تاريخ حفر في ذاكرة جورج الدربلي. فهذا اليوم لم يأتِ عبثا، بل إنه التاريخ الذي حصل فيه على وسام شرف كلّل كل تضحياته خلال الحرب الأهلية. إنه التاريخ الذي رأى فيه أخويه الشهيدين وقبّل جبين كل منهما قبلة قواتية. إنه التاريخ الذي استلم فيه بطاقته الحزبية وهو المقاوم في «القوات اللبنانية» منذ ان كان في الرابعة عشرة من العمر. إنه التاريخ الذي «طار فيه من الفرح» في ذاك اللقاء مع «الحكيم»، الذي يعرف عائلته عن كثب.

جورج الذي أمضى ثماني ساعات ونصف من حلبا إلى معراب لاستلام بطاقته، لم تترك له الفرحة مجالاً ليشعر بالتعب أو الإرهاق. ولا ينسى جورج الدربلي أن الدكتور سمير جعجع فرح به وسأله أكثر من مرة أثناء الإحتفال: «كيفك يا جورج؟ انشالله منيح؟» وكيف لا يكون في أفضل الأحوال وهو المكلل بشهادة أخويه في سبيل القضية؟ لقد قدمت العائلة شهيدين على مذبح الوطن، وها هو جورج اليوم مقاوم بإيمانه ووجوده وحياته خير شاهد على ذلك.

دخلنا منزله المتواضع في حلبا العكارية فاستقبلنا بقلبه المفتوح قبل باب منزله. إستقبلنا جورج وأخته ياسمين ببسمة ارتسمت على وجهيهما، لكن وراء هذه البسمة ألم عميق وواقع أقل ما يقال فيه إنه صعب، وصعب جدًا. فجورج الذي حارب في صفوف «القوات اللبنانية» أثناء الحرب الأهلية نجا من كل مآسيها ولكن القدر لم يدعه وشأنه. فمن كان ليعتقد أن من سلم من الرصاصات والقنابل والكمائن لن يسلم من غدر الديناميت وهو يمارس هواية صيد السمك؟

أخبرنا جورج إبن ال53 عاما، كيف حصل الحادث الذي كلفه يديه وشبكة عينيه: «في أيار 1989 ذهبت لصيد السمك في الفيدار. كنت أرتعش من البرد وبالخطأ سحبت «الكبسولة» وانفجر الديناميت وكان ما كان. خسرت يديّ الإثنتين، وفقدت نظري حيث أنني لم أعد أرى سوى السواد بعيني اليمنى أما باليسرى فأحيانا أرى بعض الألوان المغبشة».

ولكن ما يثير الدهشة هو أن البسمة لا تفارق محياه. فهو يشعر بسلام داخلي قل نظيره. وإذا كان مفهوم المقاومة تغيّر لدى البعض اليوم واتخذ طابع العنتريات والإستقواء بالسلاح، إلا أن جورج الدربلي مقاوم بالمعنى الفعلي للكلمة. فهو الذي يتعايش مع وضعه كأنه لم يكن. لا يستطيع العمل، لم يتزوج وينجب أولادًا، لا يستطيع أن يرى نور الشمس ولكنه يرى نور الله. إنها المقاومة بعينها.

الدربلي، عائلة شربت العز والعنفوان من المنبع. من عكار التي كانت في كل المحطات للشرف والإباء عنوانا. فلا ينمو في الأبناء سوى ما زرعه الآباء. وما زرعه يعقوب وشفيقة الدربلي أثمر في أبنائهم حبا للوطن على حساب حب الذات. فجورج ليس الجندي الوحيد في العائلة. جوزف الدربلي وعبد النور الدربلي هما شقيقا جورج اللذان استشهدا وهما يدافعان عن وطنهما في الحرب.

وعند السؤال عن جوزف الذي عرف بـ«الدربلي» أجابت ياسمين «أخي جوزف هو تاريخ بحد ذاته. كان في الشوف عندما كان جورج في بيت كساب في مواجهة جيش النظام السوري. وكان مسؤول الإشارة والصيانة يهتم بكل الخطوط العسكرية والأجهزة في ثكنة القطارة. ولكنه استشهد في حرب الإلغاء عن عمر يناهز ال 27 عامًا، تخبر ياسمين بصوت متقطّع، «بعد حرب الجبل، كنت أصلي باكية ليحمي الله أخي جوزف الذي كان مضى وقت طويل من دون أن نسمع عنه أي خبر. بعد أيام رأيت ملامح محببة كثيرا على قلبي تقف على الباب وتحجب الضوء. فرفعت عيني ورأيت جوزف واقفا سليما معافى. انحنيت وقبلت الأرض وشكرت ربي لأنه أعاد إليّ أخي. ولكن قدر الشهادة كان مكتوبًا له.

أما عبد النور فاستشهد أيضا أثناء الحرب. كان مرتبطا بفتاة وكان يريد الزواج بها. كان جنديا في الجيش اللبناني وقد استشهد نتيجة تدهور سيارة جيب عسكرية. كان ذلك بعد شهرين فقط على التحاقه بالجيش.

الحرب لم تترك لعائلة الدربلي الكثير. وعند سؤال جورج عن أوضاعه يتنهد ويقول: «مستورة». ويضيف: «ألتقي الرفاق مرة أو مرّتين شهريا وهذا ما يعطي حياتي فسحة الأمل التي تنيرها.. «القوات» هي كل شيء بالنسبة إلينا».

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل