ونده الشهيد «زيح شوي أيلول أنا بدي دق الجرس»…

 

 

كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1627:

 

 

ونده الشهيد «زيح شوي أيلول أنا بدي دق الجرس»…

يا شهداء المقاومة اللبنانية يا حبّ الحبّ

 

 

 

 يمسك أيلول بالحبل، يقف الى صخرة الكنيسة ويبدأ بقرع الجرس، ينده على الرفاق، تعالوا الى اللقاء بهم، انهم هنا في كل الأرجاء ينتظرون، تعالوا الى وليمة اللقاء على مائدة يسوع حيث الشهداء ينتظرون، ويكمل أيلول جولته، ارخى عنه الورق الأصفر ولبس كل عبق الحنين ذاك، لبس الشهداء وسكن في طنطنة الجرس ينده على مواسم الحب تلتف حول من جعلوا من ذاكرة الوطن فوحة الشهامة، التفّ الشهداء حول أيلول، حاصروه ببعض من دمع، بكثير من رجاء، اشتقنالكن كتير ناطرينكن على مذابح يسوع، في مواسم أيلول، في الحصاد حين تقطفون السنابل المثقلة بقمحها… وفجأة التفت شهيد الى أيلول «زيح شوي يا ورق الحنين خلّيني أنا دقّ هالجرس إمي بتعرف دقتي، وخلّي بيي يعرف إني بعدني هون ويركض ليّي ع طنطنة قلبي»….

كمن يدخل غرفة المؤونة بالضيعة ويفتح الكوارة وإذ تتدفّق المواسم، ندخل بيتهم من كوارة أيلول فتنهمر أسماؤهم من مواسم البطولة، تنهمر حكاياتهم ومعها كل تلك القرى والمدن والجبال والسهول التي عبقت من رائحة استشهادهم، كيف لا يجف التراب يا ربي على رغم دعسات الزمن، كيف تبقى الأرض طرية عمرا بعد عمر ربي حيث روتها الكرامة من دم شهيد؟ لا يجيب أيلول عن أسئلة مشابهة، إذ لا تُسأل الارض عن أسرارها ولا السماء عن أقدارها، فهذه أعجوبة الطبيعة كما هو الشهيد شفيع كرامتها.

ندخل من كوارة أيلول الى مواسمهم وتبدأ الحكايات مطرا، من أين نبدأ، من قنات دير بللا وكل ذاك الشمال، أم نعود الى عين الرمانة والأشرفية وكل ذاك العرين المقاوم؟ نصعد صوب البقاع الى زحلة الأسود ودير الأحمر بيت المقاومين، أم ننزل صوب عاريا والكحالة وقرى الألف شهيد، نتجه صوب الدامور، نذهب الى القاع، نعرّج على القليعة، أم ننده عليهم في الجبل؟ تتدفق مواسمهم ومطارحهم ويقف أيلول مذهولا بالحب، ما زال أيلول على رغم كل تلك السنين، عاشقا مراهقا رازخا تحت وطأة الحب، وكأنها دهشة الحب الأول على رغم أن النبيذ تعتّق من زمان زمان، وخمرة قلوبهم المسكوبة في عمرنا وعمر الأرض، صارت هي الأرض، هي المواسم، هي الحصاد، فكيف لا زلنا نذهب الى لقائهم وكأنه أول مواعيد الحب؟

هو كذلك، موعد حب، ولذلك نلبس أحلى ما عندنا ونتزيّن بأجمل الزينة، وأحلى ما عندنا هو الوفاء، وأجمل زينتنا عيونهم العالقة على شغاف العمر لا تزيح، والله لا تزيح، نمشي وبقربنا يصرخ الشيخ بشير عابقا بالكرامة، يهمس فوزي الراسي، يضحك رمزي عيراني، يجيبه شلومو، يقترب سمير وديع، يحاكيه سليم معيكي يبتسم بيار ضو… وأسماء وشباب شباب بعمر لبنان، بعمر يسوع شيخ الثوار قائد الحب الأبدي السرمدي، شباب لا يشيخون، لا يكبرون الا في الشهادة، يتجمهرون باقة ضياء، يحاصرون أيلول «زيح يا أصفر بدنا ندق الجرس» ويزيح أيلول الأحمر خجلا منهم، من وطن يفعل المستحيل ليتناساهم، كي لا يكتب أسماءهم بشهب النار والنور على صفحات التاريخ المجيد الذي حُفر بالدم، بالدم، دماؤهم، وجعلنا نحن الباقون بسببهم، أحرارا حتى لو كنا في قعر قعر الأغلال والعبودية ولسنا كذلك، ولم نكن يوما على رغم ما عانيناه من احتلال واعتقال واستشهاد، ولن نكون لأنهم هم كانوا يوما هنا وصنعوا لنا كل تلك القيم، صنعوا منا الثوار الأحياء والشهداء، صنعوا لنا حكاية لبنان الحلو، لبنان الإيمان الساطع، لبنان المدلل المتغاوي على ذاك الشاطئ الأزرق الحلو، هم من نسجوا من أيلول حكايات وحكايات وجعلوه شهر المواسم الملتهبة حبا وشغفا وإيمانا وحنينا.

يا الله يا أيلول يا كتاب القراءة أيام المدرسة حين نفتحه ونقرأ حكاية شهيد، ونكتب موضوع إنشاء نُسأل فيه عند آخر السطر «صف شعورك وعواطفك حين تقرأ حكاية شهيد في المقاومة اللبنانية»، ونبدأ بالكتابة بسطور بدائية بريئة مكتظة بالمشاعر الحنونة الرقراقة «أشعر بالفخر لأن في لبنان شهداء دافعوا عن لبنان وماتوا لأجله وأجلنا و…» وتصرخ المعلمة «لأ ما تقولوا ماتوا يا حلوين، شبابنا ما بيموتوا، شبابنا ارتفعوا عند ربنا والشهدا بيضلوا فوق ما بينزلوا ع التراب وما بتبلعن الأرض، شبابنا أرواح حلوة عايشة فينا، ملايكة حارستنا بالسما أوكي؟» ونصرخ جميعا بسعادة فائقة ونحن نطمئن في سرّنا أن «خي الشباب ما ماتوا ومش لازم نزعل» فنصرخ بصوت واحد «الشهيد ما بيموت الشهيد ما بيموت» ونهرع الى الورق نكمل موضوع الإنشاء لنكتب «نشعر بالسعادة الفائقة أن الشهداء ما زالوا بيننا أحياء ولن يموتوا طالما لبنان باقٍ» ونأخذ علامة 16 على عشرين إذ لا يمكن أن تتجاوز العلامة في الإنشاء هذا الحدّ، والى هذا الحد قصصهم تعيش فينا وبيننا، الى هذا الحدّ نعيش فيهم ومعهم يومياتنا ونكتب سطورنا من خلالهم، ويفرح بنا أيلول أننا جعلناه شهر المؤونة، ومؤونته من بطولاتهم…

نفتح صفحات الرفاق، ها هي مدروزة بأيلول الشهداء، صورهم أخبارهم ذكرياتهم، ثمة الكثير من الصلاة هنا، يعبق الجو بالبخور، معهم فقط يتحول الكلام الى بخور، وتنهمر الأسماء من كل اتجاه، تتزين الصفحات من حضورهم، في كل بيت لنا شهيد وربما أكثر، بيوتنا حقل الكرامات العالية بيوت العز والمقاومة، في كل بيت ام تناجي ابنها وأب يمسح فخر الاستشهاد عن مقلتيه، وابنة تحاكي والدها، وشاب يسأل كيف استشهد أبي؟

صورهم، صورهم يا إلهي كيف تنطق، تصرخ فينا «أوعا تستسلموا خلّوا إيمانكن بالأرض وبربنا كبير، ما تخلّونا نموت، نحنا الشهدا». هؤلاء لم يموتوا، مستحيل، مستحيل أن يموت شهيد عندنا إلا إذا تحولت الشهادة الى مجزرة النسيان ونحن لا ننسى، نزرعهم في الوعر ورودا وفي السهل مواسم خضراء، وفي الجفاف ينابيع متفجرة، هؤلاء نحن ونحن هم، هؤلاء حنين أيلول ومواسم الخير في آب وعبق نوّار وثلوج كانون وزهر الربيع كله، هؤلاء تلك الهامات المرتفعة على تلال الكرامة ان هم راحوا انتهينا، وان هم بقيوا بقي لبنان ولبنان لا يزول.

«وحياة تراباتكن لبنان بسببكم ما بيزول» يصرخ أيلول غاضبا سعيدا متفجّرا بهم، ثم يلتفت إليهم مرخيا حبل الجرس «إقرعوا الأجراس، قربوا يا شباب قربوا أنا مش أيلول أنا إنتو، وهيدا الشهر إلكن، إنتو عازمينا ع الضو، دقّوا الجراس وخلي الصوت يدوِّي بالدني، إلكن يا ضو المقاومة شمعة مضواية وصلا من قلب النور ع قلب السما مطرحكن»…

ويختفي أيلول في حصار الحب، ويقرع الشهداء أجراس الكنائس معلنين وجودهم كرامة على هامة لبنان، ونهرع نحن الى وليمة القداس نتحلّق من حولهم نلتقط إشاراتهم من شذرات الضوء المتناثر من حولنا، يا إلهي أي دفق من الحنان هذا، أي قلب يحتمل بعد كل ذاك الحب، كيف يمكن أن نرى بوضوح وجوههم تلك التي غابت عنا وإذ بها تحضر بعنف الشوق؟

يا الله شو اشتقنالكن يا شباب، يا قلب قلبنا، يا عمر أعمارنا، يا كرامة نسجت فينا عنفوان الزمن الذي لا تقدر عليه جيوش العالم مجتمعة، يا نحن الذي تسكنون فينا ولن نغيّر مساكننا يوما إلا لنعيش معا في قلب بيت يسوع على أرض لبنان، حكاية ذاك الحب الخمري المستحيل الحنون الشغوف المتناهي، حب الأرض العابق من مواسم أيلول، العابق بكم ومنكم وفيكم، يا شهداء المقاومة اللبنانية يا حب الحب…

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل