الأقساط في المدارس الخاصة..رقم سرّي جديد لافتتاح العام الدراسي

 

كتب سيمون سمعان في مجلة المسيرة العدد 1627 لهذا الأسبوع:

 

تغطي هموم اقتراب العام الدراسي على ما عداها من القضايا التي تلاحق اللبنانيين في يومياتهم البائسة، فكيف إذا سبق افتتاح الموسم الدراسي كل هذا اللغط حول زيادة الأقساط، وتأخير بدء الدروس، وتعثّر المعنيين في التوصّل إلى حل. حطّت السلسلة على السكة فخرجت عنها جميع السِّياقات الأخرى وتوزعت في كل اتجاه، بما لا قدرة على مماشاته، ولا طاقة على تحمل تداعياته. زاد وجع الناس فعلا صراخهم: هل تُزاد الأقساط أم لا، وإذا زيدت فبأي نسبة؟ هل ستتأخر المدارس الخاصة في فتح أبوابها عن الموعد المحدد إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق؟ وإذا اتفق المعنيون على حل، فهل يكون على حساب الطرف الأضعف أي الأهل؟ … وهل تتأخر الإجابات الشافية قبل أن يفقد الناس حتى القدرة على الصراخ؟

منذ بدء الحديث جديا عن احتمال إقرار سلسلة الرتب والرواتب، وحتى قبل إقرارها في المجلس النيابي، بدأت المؤسسات التربوية الخاصة تلوِّح بضرورة رفع الأقساط بحجة تغطية ما قد يرتبه عليهم إقرار السلسلة من زيادة في المدفوعات. وعند إقرار السلسلة وبدء سريانها اتخذت مسألة الأقساط المدرسية منحى أكثر حدّة بلغ بالأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية التهديد بعدم فتح المدارس أبوابها قبل أن يتم التوصل إلى اتفاق يرضيها حول الزيادات على الأقساط التي قدرت نسبتها في حدود الـ 30 في المئة… وتلاحقت الإجتماعات وما زالت، وسط الترقب المقلق للأهل والإنتظار الحارق للتلاميذ.

الأطراف المعنية، حاول كل منها القيام بدوره كاملا حتى لا يأتي لاحقا من يحمّله أية مسؤوليات، نظرا إلى أهمية الموضوع المثار وحساسيته. فوزارة التربية نبهت من مغبّة الرفع العشوائي للأقساط ودعت إلى بحث الموضوع بروية ومسؤولية تجنبا لتحميل الأهل المزيد من الأعباء، ورابطة التعليم الخاص نبهت من اللجوء إلى أي حل يحرم المعلم في التعليم الخاص من المساواة بزملائه في التعليم الرسمي وحصوله على الزيادة المحقة على الراتب، وإدارات المدارس الخاصة لم تكن أقل شراسة في المطالبة بحقها في رفع الأقساط لتأمين تغطية الزيادة المطالب بها، متذرعة بأنه إذا كانت الدولة تغطي الزيادات على الأجور بفرض ضرائب جديدة، فإن تغطية المدارس الخاصة لهذه الزايادات لا تتم إلا عن طريق من اثنين: إما زيادة الأقساط أو مبادرة الدولة إلى دفع الفرق.

هذان التضارب في المصالح والتباعد في القراءات للواقع المعقد أصلا، دفعا الجميع إلى تهيّب الموقف ومحاولة إيجاد المخارج الممكنة التطبيق بما لا يُفني الديب ولا يميت الغنم. فعلى ماذا رست الأمور في آخر محصلاتها؟ وما هي الإتجاهات المحتملة لها إنقاذا للعام الدراسي من العثرات في بدايته؟

إستنفار عام ومتابعات

وزير التربية مروان حمادة أعلن أنه «يعمل على لجم الزيادات غير المحقة على الأقساط المدرسية، مع بقاء وحدة التشريع بين المدارس الرسمية والمدارس الخاصة، والتي تلحظ زيادة رواتب المعلمين في القطاعين الرسمي والخاص». ولهذا الغرض كان الوزير حمادة اجتمع مع الهيئات التربوية مطلع الأسبوع الماضي لمناقشة الاقساط المدرسية بغية التوصل الى حل يناسب الطرفين.

الإجتماع الذي ترأسه وزير التربية ضم المدير العام للتربية فادي يرق، رئيس مصلحة التعليم الخاص عماد الأشقر، نقيب المعلمين رودولف عبود ونائب النقيب وليد جرادي، وأربعة ممثلين عن اتحاد المؤسسات التربوية الخاصة هم: الأخت باسمة خوري وليون كلزي عن الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية، ومدير عام جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية عدلا شاتيلا ورئيس مدارس المصطفى الحاج محمد سماحة، وممثلين عن اتحاد لجان الأهل في كسروان والمتن وبيروت هم ميرنا خوري ومايا بردويل، ومعتز كيوان، وطانيوس القسيس، ونادين آصاف، إضافة إلى عدد من الخبراء والمتخصصين. وذلك بهدف النقاش والحوار الهادئ للتوصل إلى قراءة مبنية على مقاربة موحدة للقانون 515 الذي ينظم الموازنة المدرسية، بما فيها من مصاريف ورواتب للمعلمين وأقساط مدرسية.

وأكد الوزير حمادة «إن أمامنا قانونان نافذان ولسنا بصدد تغيير قوانين بل نحن بصدد تطبيق القوانين وأهمها القانون 515 الذي ينظم الموازنات المدرسية بالطريقة التي تحقق ما يطالب به المعلمون وما يرتئيه إتحاد المؤسسات التربوية، نسبة لاضطرارهم إلى رفع الأقساط أو عدم رفعها، وذلك بما يتلاءم مع خشية لجان الأهل والوضع الإقتصادي العام في البلاد».

ومع أن أية نتائج عملية لم تعلن عن الحوار المقرر له أن يستمر حتى التوصل إلى حل وسط، تقرر أن تكون هناك جلسات سريعة ومتواصلة تتبع الجلسة الأولى على أمل أن يخرج منها المتحاورون بنتيجة مرضية. لكن مراقبين متابعين لمسار الأمور قالوا إنه وبغض النظر عن النتائج التي يمكن التوصل إليها، إلا أن النقاشات كانت جدية. وشمول الحوار هذا الجمع من المختصين والخبراء، يشير إلى المستوى العالي في معالجة هذه المعضلة، ويعد بنتائج جيدة، وإن كان البعض سيصفها غدا بأنها كانت أفضل الممكن.

مصدر في وزارة التربية متابع لهذه اللقاءات قال لـ«المسيرة» إن ما يتمحور عليه الحديث أو المطالبات هو أن تتحمل الدولة فَرْق الزيادات في التعليم الخاص فلا تضطر إدارات المدارس الخاصة إلى رفع الأقساط لتغطية هذه الزيادة. ولكن يعلم الجميع صعوبة المضي بهذا الإقتراح. وما الحل المطروح في هذه الحال؟ يجيب بأن الأرجح ألا تتحمل الوزارة هذا العبء، مع الإبقاء على احتمال البحث في تقسيط الزيادة ولكن بعد الإتفاق على نسبة عادلة قد تكون بين 23 في المئة و26 في المئة وليس 30 في المئة كما تطالب المدارس الخاصة.

ويشدد المصدر المذكور على أن أكثر ما يجري العمل عليه هو التوصل إلى قراءة موحدة للقانون 515، وأن الوزارة تستعين بخبراء مال ومحاسبة لوضع قراءة علمية عادلة بعيدة عن الغوغائية. وهي تأمل في أن تتعاون إدارات المدارس وممثلوها معها لقناعة منها بأن هذا هو السبيل الوحيد للتوصل إلى حل، لافتا إلى أن المسألة معقدة حسابيا لأن الرواتب تختلف بين مدرسة وأخرى وحتى بين أستاذ وآخر ضمن المدرسة الواحدة.

وكشف أن الوزارة حضّرت ورقة تحت مسمّى «خارطة الطريق لعمل لجنة الطوارئ»، وهي ليست أبدا في حرب مع التعليم الخاص وليست بصدد التحامل عليه ولا التآمر عليه. ويهمنا حقوق المعلمين الذين انتظروا لسنوات هذه السلسلة، ويتمسكون بها عن حق. أما الأهل فهم الذين يدفعون الفاتورة في كل الأحوال، وهي لا تستطيع إلا أن تكون متعاطفة معهم حتى لا يتحملوا كل النتائج.

والجدير بالذكر أن الوزير حمادة كان دعا ​«المدارس الخاصة​ إلى الإلتزام بالتعميم الصادر عن الوزارة لناحية تقاضي الدفعة الأولى من القسط المدرسي للعام الدراسي 2017/2018 بقيمة 30 في المئة من أقساط ​العام الدراسي​ 2016/2017 ومن دون استيفاء أي زيادة».

البحث عن الرقم السري

حماوة الموضوع وأهميته جعلتاه بندا رئيسيا في المؤتمر السنوي الـ24 للمدارس الكاثوليكية بعنوان «الراعوية المدرسية في المدارس الكاثوليكية في لبنان: رؤية ومسارات» الذي عُقد مطلع الأسبوع الماضي في ثانوية الراهبات الأنطونيات – مار الياس – غزير. وقد تناول فيه البطريرك الراعي إشكالية الزيادة على الأقساط معتبرا «أنه يقع على السلطات المدنية واجب دعم الأقساط المدرسية من المال العام من أجل ضبط زياداتها، بهدف التخفيف عن كاهل الأهل ليتمكنوا من اختيار المدرسة لأولادهم بملء حريتهم، ووفقاً لضميرهم. وقال: «هذا مطلب بحكم الدستور اللبناني. وتجنباً لهذه المخاطر الاجتماعية التي تصيب الثقافة والتربية والوطن، نطالب باعتبار المدرسة الخاصة ذات منفعة عامة، ودفع رواتب المعلمين لقاء حق المراقبة».

لكن المصدر المسؤول في وزارة التربية يجيب بأن الدولة في الوضع الحالي للمالية العامة، عاجزة عن دفع ما يترتب عليها من زيادات للقطاع العام فكيف بإضافة تكاليف أخرى، عدا عن أنها تعتبر ذلك تعديا على الدستور وعلى حرية وخصوصية التعليم الخاص، كما أننا غير مرتبطين بمعلمي القطاع الخاص بأي علاقة تعاقدية مماثلة لأساتذة القطاع العام! موجها المسؤولية على لجان الأهل.

مسؤولون في لجان الأهل يُشددون على أن الخطوة الأولى يجب أن تبدأ بإعادة تفعيل المجالس التربوية التحكيمية، ويُلفتون إلى أن كتاباً بهذا الشأن تم رفعه إلى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، وأن الرئيس طلب من وزير التربية متابعة هذا الأمر باعتبار المجالس التحكيمية المرجع الوحيد لمراقبة موازنات المدارس الخاصة، وإلا كيف يمكن مراقبة 1046 موازنة والموافقة عليها. أما الخطوة الثانية فهي إعادة صياغة قانون جديد يجمع العائلة التربوية بدل القانون 515 الحالي «الذي لم يعد صالحا بعد 21 عاما على صدوره، في حين أن القوانين تصدر لفترة قصيرة وتحتاج دائما إلى تعديل لمواكبة التطورات».

وعند سؤال أحد مسؤولي لجان الأهل عن دور هذه اللجان في المراقبة أجاب: «من الآخر، لا لجان أهل في المدارس الخاصة. كلها تابعة لإدارات المدارس، فكيف تراقبها؟» ولفت إلى أن البطاقة التربوية التي يطالب بها الأب بطرس عازار غير قابلة للتطبيق والدولة غير قادرة على الدفع للقطاع الخاص. وسأل لماذا يُعتمَد تناقص الساعات للأستاذ ولا يُعتمَد لسائر الموظفين؟ وخلص إلى أنه لا بد لحل المعضلة القائمة من صياغة عقد جماعي جديد يعيد الثقة المفقودة بين أطراف التعليم الثلاثة: إدارات المدارس، والمعلمين، والأهل.

رئيسة إتحاد لجان الأهل في المدارس الكاثوليكية ميرنا خوري قالت لـ«المسيرة»: «نعم هناك مسؤولية على لجان الأهل ونحن لا نتهرب منها. ولكن في المقابل يجب ألا نحمِّل هذه اللجان أكثر من مسؤولياتها أو أن نظلمها. فالمدارس تُسلمُنا الموازنة قبل 15 يوما من موعد إرسالها إلى وزارة التربية، وهذه المدة غير كافية لدراستها والتعليق عليها، علما أنهم يلحّون علينا للإسراع بحجة نفاذ الوقت لتسليم الموازنات إلى الوزارة. فالأمر منوط بمسؤولية لجان الأهل، صحيح، ولكن أيضا بحسن نية الإدارات في المدارس الخاصة.

ولماذا توقِّعون إذن على ما لستم مطلعين عليه أو مقتنعين به؟ توضح خوري أن أقصى ما يمكن القيام به من قبل لجان الأهل هو عدم التوقيع على الموازنات. وقد حصل ذلك مرات عديدة من دون فائدة، وأخذت الموازنات طريقها في شكل عادي إلى التنفيذ في وزارة التربية. وتكشف أن القانون ينص على مراقبة الموازنة في الوزارة إذا كانت هناك ضرورة لذلك وليس مراقبتها حكما، وإذا لم يكن من سبب وجيه فالوزارة تقبل موازنة غير موقعة، وبالتالي فلا تأثير لهذا الإجراء غير التأثير المعنوي.

وتضيف خوري، اليوم الوضع مختلف، فنحن نلمس جدية كبيرة من قبل وزير التربية في التعاطي مع الموضوع برمته وفي شكل جذري. ولكي يكون لنا تأثير في الموضوع دعينا كل لجان الأهل إلى عدم التوقيع على الموازنات إذا تضمنت زيادات على الأقساط. وإذا التزم الجميع يمكن أن يصبح للأمر التأثير الطلوب، كاشفة عن سعي جدي لجمع لجان الأهل في كل لبنان في هيكلية واحدة لكسب التأثير المطلوب.

أما لناحية إمكانية التوصل إلى حل وسط تباعد الأفكار واختلاف القراءات والطروح، فقالت أنه لا بد في النهاية من إيجاد حل على الرغم من التباعد الظاهر حاليا، لأن الجميع يسعون إليه ويريدونه. أما النقطة الأساس الأخرى وهي انطلاق العام الدراسي في الموعد المحدد أو تأخره، فيجيب مصدر في الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية بأن الأمر لم يحسم بعد وكل الاحتمالات واردة في انتظار المداولات القائمة.

على ضوء ذلك، وفي محصلة الآراء والإستنتاجات، باتت هناك قناعة راسخة بأن الجميع أمام مسؤوليات كبيرة، وأنه لا بد من التعاطي بأقصى الجدية والعجلة، فالعام الدراسي انطلق والمواطنون، معلمون وأهل وإدارات، تكويهم الإستحقاقات والحقوق. ويبدو وسط هذا المشهد المضطرب أن الثابت الوحيد هو أن هناك رقما سريا جديدا لافتتاح العام الدراسي… يبقى البحث عنه هو المسألة!

 

 

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

خبر عاجل