هنا قداس الشهداء يا قلب معراب

حمل سمير جعجع وردة حمراء واتجه بين الصخور الى مكان ما، ثمة مفارقة هنا، هذه وردة حمراء في ذكرى موت!!! يا قليلة الايمان، هذه وردة حمراء في ذكرى الحياة، الكلمة الاخيرة للقيامة والكلمة الاولى كانت لهم في ذاك القداس.

هنا معراب، وهنا استضاف الشهداء أهل الكرامة والى وليمة المسيح جلسوا، شربوا من كأسه خمرة الحب الخالص، تناولوا من جسده كل ذاك المجد، ومعا تحلّقنا حول تلك المائدة التي لا يلتقي من حولها الا من كانوا في الكرامة متشابهون، الشهداء والأهل والرفاق وكل الضيوف.

هنا معراب، وهنا تقال الكلمات التي لا تُلقى ولا تقال الا من منبر مماثل، هنا معراب وهنا تسرح روح شهيد بسلام، بمحبة فائقة، بإلفة مع وجوه الحياة المتماهية معها بحضورها وكأنهم أجساد حيّة تتنقل وتضحك وتتكلم ولا احد، لا احد يتكلم وبالصوت العالي اكثر منهم مهما بدا لوهلة انهم اوغلوا في صمت الرحيل.

مشى الشهداء على رؤوس الأصابع كمن لا يريد ان يخدش المشهد بأي حركة فائضة، او حتى باحساس لا يتجانس وتلك المشاعر العالية العالية بالرب يسوع، بحنان المناسبة، بالحنين للشهداء، بالدموع الرقراقة المتوثبة في عيون الامهات، عيون الامهات يا الهي، نظرات الاباء يا ربي كيف كانت تموج في المكان بحراً من الحب وذاك الاشتياق غير الملموس لكته يحفر في قلب القلب حضور من غابوا عن العيون وسكنوها بعنف الحب.  الشهداء هناك فوق في معراب، في ساحات الشرف التي ارتفعوا فيها الى رب القيامة، الشهداء يا حبا يا عمرا يا قلبا يرفض الا ان ينبض معكم لاجلكم، يا دمعة مالحة حلوة تكرج على خدود الكرامة، فتزين الملامح الحزينة بذاك الحزن السعيد الكبير النابض بعنفوان القيامة ورجائها.

اكتمل الحضور، لبس الشهداء حالهم، تعطّروا برذاذ السماء ووقفوا عند الابواب يطرقون على قلوبنا، ورد ابيض وشموع وذاك الشجن الحنون الرقراق، طاف القداس بنا والكلمات والاناشيد بهم، لا شيء يفوق تلك المشهدية الموغلة في الايمان، بدوا وكأنهم يطوفون بين الحضور، اين الدمعة؟ امسحيها امي انا هنا معك. اين العيون المشتاقة؟ لا تشتاق يا ابي زرعتني شهيداً في الصخر وزرعنا لكم لبنان الارز مغروزاً في عمق الصليب. هام الحب في المكان، ليس حباً مشرّداً، هو حب يعرف انه هنا محاصر بالامان، ان قطرات الدماء التي صارت وروداً حمراء ووزعت على الحضور، تعيش في عبق الذكرى، والعبق هنا مسيرة متواصلة لنبقى ونستمر ويبقوا فينا وطناً حراً نهائياً لا يستبدل، لا يحتل ولو احتل، لا يتغير ولو صعقته ابواب الجحيم مجتمعة…

انتهى القداس، صعد رفعت طربيه الى المرسح، طاف المبدع صوتاً وآداء بين الشهداء، حاكاهم واجابوه، حاورهم وردوا عليه، كل الكلام عن الحب والكرامة، كل الحكي ما بيشبه اي حكي ما بيشبه الا حالو وقت يكون هناك فوق في معراب في قداس الشهداء، جاء نقولا الاسطا، وجاء زين العمر وصعد مبدع الكلمة طلال حير الى المرسح، وانهالت الاغنية النشيد فوق الرؤوس كمن يقرع اجراس المقاومة، اجراس الوعد لاجل المقاومة ان دعا لها داع او “داعش” او “اذا اقتضى الأمر العودة ، عدنا” كما صرخ الحكيم في خطابه المدوي.

اناشيد وهتافات و”نحنا شبكنا الايادي تـ نخلص لبنان وانتو غرقتو السفينة تـ تخلّص الطوفان”، وليس بالضرورة التسلح بالبواريد لنعلن المقاومة، ثمة ما هو اقوى بكثير بعد، الايمان بالحق “لن نسكت عن الباطل ولو اعتقد هذا الباطل أنّ الأمر الواقع ومرور الزّمن ورضوخ البعض يكسبه بعض المشروعيّة، فالباطل يبقى باطلاً ولو تبنّته عشرات الألوف، والحق يبقى حقّاً ولو نادى به شخص واحد، فكيف إذا نادت به أمّة برمّتها”، جن المكان باصوات المقاومين، بدا المكان وكأنه ساحة حرب اسلحتها الوحيدة الايمان، الشجاعة، الكلمة الحرة القاطعة كالسيف وليس اقل “ادعوكم الى ثورة بيضاء عبر الانتخابات، اقترعوا لاصحاب الاكف البيضاء، اقترعوا للشجعان الذين لا يهابون شيئاً ويقولون للاعور اعور بعينو”…

لا اعرف كيف يمكن الا نكون واحداً من اثنين في لبنان، اما لبناني صميم حقيقي من دون حزبية معينة، او قوات لبنانية لاجل هذا اللبنان الخالص الصميم، كيف يا عالم يستطيع انسان ان يستخف بهذه القيمة العظيمة، ان يكون لبنانياً او “قوات لبنانية” لاجل تلك القيمة الفائقة الانسانية التي اسمها لبنان؟!

اسدل المساء ستائره فوق المكان، قبّل الرفاق بعضهم البعض، طبعوا الحب على عيون الشهداء، لبس الشهداء ضياءهم وقفوا الى جانب النصب التذكاري الذي زرع في المكان لاجلهم، صخر من قلوب شقع على صخر كرامة تتربع فوقه تلك الارزة، حملوا ورود القلوب التي انهالت عليهم، وضعوها على ابوابهم، تركوها مفتوحة ليدخل الحب وتسرح هنا رياح النضال، نظر الشهداء الى الليل وهو يتهالك فوق المقاعد الخاوية، عند الاسماء،  قرب النصب، فجأة عبرت نسمة ولا ورقة شجرة اهتزت “ما تخاف ما فلّينا من هون منبقى طالما كرمالنا في ابطال باقيين وطالما السما حارسة هالارض وسآل هالقديسين شو بيحكو عن لبنان” وذهب الشهيد ليرتاح قليلاً من عناء الحب في يوم طويل نعرف متى يبدأ عادة، ولا ينتهي الا في لقاء مماثل جديد، في قداس شهداء جديد هنا من معراب الى كل الدنيا…ونام الليل في الكرامة مطمئن العنفوان.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل