زياد دويري يا للعار!!

الاكيد ان لو صوّر زياد الدويري فيلما عن المقاومة الفلسطينية، او “مقاومة حزب الله”، واضطر لضرورات فنية وموضوعية للتصوير في القدس، لكان ممانعو الوطن “الكبار”، وتحديدا اعلاميوها “المنفتحين”على الابداع في كل الاتجاهات كما يقولون، لكانوا وصفوا الدويري بالمبدع الوطني المغامر القومي الكبير، ودافعوا عن دخوله القدس بالروح والدم لاجل صورة تلك المقاومة بوجه الاسرائيليين، ولكان الممانعون اياهم اعتبروا دخوله عاصمة فلسطين، هو الحامل جنسية فرنسية اضافة الى جنسيته اللبنانية، دخول الابطال نكاية وغصبا عن عيون الكيان الصهيوني الغاصب! لكن، لكن أن يصوّر الدويري فيلما لبنانيا جميلا نظيفا، يروي بشفافية وبموضوعية ظروف الحرب اللبنانية من وجهات نظر متنوعة، ومن بينها وجهة نظر “القوات اللبنانية” عبر شخصية مناضلة يجسدها الممثل عادل كرم، فهذه قمة الوقاحة، قمة “الانحدار” الفني، قمة العمالة، اذن فلنعلن الحرب على المخرج المثقف وبأي وسيلة، وليكن بداية عبر تحريك ملف قديم منسي في ادراج الامن العام، ملف يتضمن تهمة له بتصوير مشاهد من فيلم قديم له، “الصدمة”، في القدس، من ثم نجيّش الاقلام الممانعة  لتنهال عليه بتهم التعاطي مع اسرائيل وما شابه، ودائما بتلك اللغة الخشبية البائدة التافهة، وليكن ما يكون!!!

هذا لا يحصل الا في بلد يقول انه محرر، ولكنه في واقع الحال ما زال يرزخ تحت ابشع انواع الاحتلالات، اي الاحتلال المقنّع، غير المعلن، احتلال عسكري وفكري، يحاول ان يهيمن على كل شيء ويبدأ من الواجهة، الثقافة!! قد يكون الاحتلال السوري اندحر كأبشع ما يكون عن ارض لبنان، لكن ثمة ملائكة له هنا ما زالت تحاول ان تصنع له الامجاد فوق ارضنا، كما تفعل له فوق ارضه ايضا!!! لا يحصل الا في بلد محتل ان يعود مخرج سينمائي لبناني عالمي محملا بجائزة دولية من مهرجان البندقية السينمائي، عن فيلم لبناني صرف “القضية رقم 23″، وبدل ان يستقبل بالاحتفالات والتكريم كأحسن ما يكون على ارض المطار، واذ به يجرّد من جواز سفره ويساق الى المحكمة العسكرية للتحقيق معه بتهمة مستنبشة مستنهضة من غبار الملفات العتيقة من ارشيف الامن العام، اي تهمة التصوير في القدس لفيلم سابق “الصدمة”، وكأن يدا خفية امتدت في عتمة الغفلة وانتشلت الملف في وقت انطلاقة الفيلم الجديد في الصالات اللبنانية.

يا للعار، يا للهول يا دويري يا مثقف كيف تفعلها؟!الا تعرف ان في لبنان ثمة من يخشى انواع الفنون الراقية، وكل ما يمت للثقافة الحقيقية بصلة لانها تخرب العقول وتجعلها تتفتّح على افكار جديدة، وتنطلق من اسر الافكار الايديولوجية العتيقة المعلّبة التي لا تتناسب وجمهوريات الظلام وولاياته، فكيف تفعل يا رجل؟ كيف تحكي الحقائق كما هي بوجه من جهد لسنين وسنين لبناء سدود الظلام ليعيش الغربان وتموت الحقيقة ومعها الوطن والثقافة؟!  كيف تجرؤ يا رجل ان تفعلها الا تعرف ان قوى الشر في لبنان هي المهيمنة، وان الثقافة في لبنان صارت ترفا ممنوعا خصوصا اذا ما تجاوزت خطوطها الحمر، وان اقرب التهم في لبنان واكثرها شعبوية تماشي موضة عصر الجاهليين هي “التعامل مع العدو الصهيوني”، الا تعرف ذلك؟ في اي كوكب تعيش وبين سطور اي كتاب يا مثقف آخر زمان؟!

كتب، فيما كتبه، صحافي ممانع مثقف في جريدته العظيمة الممانعة “إن زياد دويري نوع من “أبو طاقية” ليبرالي، يتلطّى خلف المتاريس الفئويّة، وفي الوقت نفسه يبشّر بتجاوزها عن طريق الحوار والمصالحة والنظر إلى الطرف الآخر …لا يحقّ لزياد دويري أن يعرض فيلمه في لبنان، بل ينبغي أن يكون مطلوباً من العدالة… أما أن يُسمح لدويري بعرض فيلمه الجديد من دون اعتذار أو محاسبة، فهذا اعتراف لبناني رسمي بشرعيّة التعامل مع إسرائيل. ورسالة إلى كل من يرغب في القيام بـ«زيارة» فنيّة أو سياحيّة أو أكاديميّة أو… إلى الكيان الغاصب، أن يحذو حذو دويري. في هذا الظرف السياسي الدقيق الذي نسمع فيه تبريرات لبشير الجميّل ودبابته الاسرائيليّة وبشير هو البطل الفعلي لفيلم دويري الجديد” !!!

اليس في هذا الكلام ما هو ابعد من النقد والدعوة الى اعتقال المخرج؟ اليس فيه ما فيه من التهديد المبطن والتحريض على التعرّض للدويري؟! في اي جمهورية نعيش، واين حدود النقد الفني، وكيف سقط ذاك الخيط الرفيع ين النقد الجرىء المباشر وبين التعرّض المقصود  غير المباشر لحياة مثقفين ومبدعين في لبنان كل ما “يشوبهم” انهم ليسوا مع حزب المقاومة او مقاومة الحزب ومشاريعها “النهضوية” الكبيرة؟!

طبعا اطلق الدويري من المحكمة العسكرية واسقطت عنه التهمة، ولم نكن نتوقع غير ذاك التصرف العادل من القاضي صقر صقر، القصة ليست هنا، انما ما حاول جاهليو القرن الواحدوالعشرين ان يفعلوه بشخصية ثقافية لبنانية عالمية، وبدل ان يطير الرجل فرحا في المطار وهو يحمل جائزته الدولية، حمل ما لديه من كرامة ليواجه أبناء بلده بتهم دنيئة كمطلقيها تماما.

هذه القضية ليست رقم واحد في لبنان، حيث تتعرض الثقافة للاعتقال على مسارحه وشاشاته،  لكن الاكيد ان فيلم “القضية رقم 23” أمّن لنفسه افضل انطلاقة على الاطلاق، لان هؤلاء “التافهين” غير الممانعين، وانا اولهم، سينكبّون عليه كما لم يفعلوا يوما على فيلم لبناني، ولا يهم ان اعجبنا الفيلم ام لا، لان الاكيد ان ما يزعج الممانعين يعني هو مفرح لحقيقة الوطن، وسنكون بالالاف امام شباك التذاكر لنحضر “القضية رقم 23” وهذه قضيتنا هاليومين…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

خبر عاجل