هل المعركة تتخطى “داعش” لتصل إلى حقول النفط!؟

خاص “المسيرة” – واشنطن ـ العدد 1627

سباق أميركي روسي من أجل السيطرة على دير الزور

يبقى العنوان الكبير المتمثل بهزيمة تنظيم “داعش” في سوريا والعراق، من ضمن تفصيلات المعركة الكبرى القائمة في هاتين الدولتين، ولئن تبدلت وقائع القتال من الحدود العراقية إلى الحدود السورية، فإنها تدل بشكل واضح على حجم النزاع الإستراتيجي القائم في هذه المنطقة، ليس فقط من أجل تحقيق النصر على تنظيم “داعش” في النهاية بل لجهة ما ستؤدي إليه المعارك من رسم جديد لخارطة المنطقة الجيو- سياسية مع ما ستقود إليه حكماً من تقاسم للنفوذ بين اللاعبين الدوليين والإقليميين بدءاً بواشنطن، فموسكو، مروراً بتركيا، وإيران ووصولاً إلى العراق فسوريا.

وعلى هذا الأساس تتجه الأنظار إلى ما ستؤول إليه الحرب من أجل إستعادة السيطرة على مدينة دير الزور بعد تراجع الحديث عن أهمية مدينة الرقة التي أعلنها تنظيم “داعش” عاصمة لخلافته، والواضح أن النهايات التي ستفضي إليها معركة استعادة هاتين المدينتين ولا سيّما تحديداً دير الزور سترسم الحدود السياسية والعسكرية والاقتصادية والديمغرافية التي ستفرزها الحرب السورية، خصوصًا بعد التطور العسكري الذي تمثل بفك جيش النظام السوري الحصار عن القوات التابعة له داخل منطقة دير الزور.

أهمية دير الزور

دير الزور هي أكبر مدينة في شرق سوريا. وهي تقع وسط محافظة غنية بالنفط تحمل الاسم نفسه، وكانت موطنا لأكثر من مليون نسمة، حيث كان يعيش حوالى 210 آلاف نسمة في المدينة، قبل أن تبدأ الحرب الأهلية السورية في العام 2011. ولكن بسبب سنوات من الصراع بين قوات النظام السوري وجماعات المعارضة السورية، وظهور الجماعات المتطرفة مثل “داعش”، اضطر مئات الآلاف من الناس إلى الفرار. وبحسب آخر التقديرات فإن نحو نصف مليون مدني لا يزالون يعيشون في هذه المنطقة التي تخضع حالياً لسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية الذي ينتشر في معظم أنحاء المحافظة منذ منتصف العام 2014.

ولا يزال النظام السوري يسيطر على جيب داخل المدينة، بما في ذلك قاعدته الجوية التي خاض تنظيم الدولة الإسلامية منذ ثلاث سنوات معارك عدة للسيطرة عليها من دون نجاح.

وتحتوي محافظة دير الزور على أكبر مخزون نفطي سوري خام حيث تضمّ نحو 40 في المئة من ثروة سوريا النفطية وعلى سلّة الغذاء الزراعية فيها.

التنافس الحاد على هذه المحافظة

يجمع المراقبون على أن المعركة ضدّ تنظيم “داعش” في دير الزور متداخلة ومعقدة مما يؤدي إلى صعوبة توقع من سيفوز في هذه المعركة في نهاية المطاف وبما يفضي إلى كسر هذا الطرف أو ذاك من اللاعبين في الأراضي السورية، ودخل طرفا الصراع في سوريا في سباق مع الوقت من أجل الوصول إلى مشارف هذه المدينة والبدء بطرد “داعش” منها. ويرى المراقبون أن السيطرة على دير الزور من قبل مسلحي نظام الأسد المدعومين من الروس والإيرانيين سيسمح تحديداً لإيران وحلفائها بالوصول السهل إلى سوريا عبر العراق، بالإضافة إلى السيطرة على إيرادات الموارد الطبيعية للمقاطعة.

وفي الوقت ذاته، تدعم الولايات المتحدة وشركاؤها في التحالف الدولي، الذين يسيطرون على الحدود السورية مع الأردن والعراق، الجماعات السورية المعارضة المعتدلة، وتمدهم بالمساعدات من أجل الاتجاه شمالا نحو دير الزور، لأن نجاحهم في التمدد نحو هذه المنطقة سيحسن وضع الجماعات المعارضة في محاولتها السيطرة على المدينة بالكامل ولوحدها.

وتكشف المعلومات إن جماعة جيش مغاوير الثورة السورية المعروفة أيضا باسم جيش المغوار الثوري، وهي ميليشيا معارضة تدعمها واشنطن، تتفاوض مع التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة من أجل نقل أفراد من هذه المجموعة إلى بلدة الشدادي السورية، التي تبعد نحو ثمانية وثمانين كيلومتراً شمال شرق دير الزور، وتعمل هذه الجماعة على تشكيل جيش وطني مع جماعات معارضة اخرى في الشدادي من أجل اطلاق معركة استعادة دير الزور.

ووفق المعلومات فإن المحادثات مع قيادة التحالف وتحديداً مع القادة الميدانيين الأميركيين تضمنت مناقشات حول الطرق المحتملة لنقل المقاتلين المتواجدين حاليا بالقرب من قاعدة التنف التي تقع في منطقة الحدود السورية والاردن والعراق، وترجح المعلومات أن يعمل التحالف الدولي على تأمين مرور آمن الى الشدادي او نقل المقاتلين عن طريق الجو بواسطة المروحيات، ويعتبر المراقبون أن هذه العملية ستكون في الوقت ذاته صعبة وحاسمة، حيث أبلغ قادة الجماعات عدداً من القادة العسكريين في التحالف الدولي تصميمهم على المضي في نقل عناصرهم حتى من دون مساعدة التحالف وبالتالي العمل على نجاح خطوة تشكيل نواة الجيش الوطني في الشدادي. وبحسب المعلومات يتواجد في هذه المنطقة نحو ثلاثة آلاف مقاتل من المعارضة السورية وهم ينتظرون التعليمات العسكرية النهائية للبدء في إعادة تجميع قواهم والاستعداد لهجوم على دير الزور. تجدر الإشارة إلى أن بلدة الشدادي التي تقع في جنوب محافظة الحسكة، سيطرت عليها عناصر من قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من قبل الولايات المتحدة في شباط من العام الماضي بعد أشهر من سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية عليها.

إلا أن خطة تجميع عناصر المعارضة لا تزال تعترضها عقبة رئيسية تتمثل في رفض قوات المعارضة ولا سيما فصائل جيش مغاوير الثورة التعاون مع قوات سوريا الديمقراطية التي تضمّ عناصر سورية كردية وخصوصاً أعضاء حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي. من هنا يرى الخبراء ان التحالف الذى تقوده الولايات المتحدة سيحاول على الارجح تخفيف التوتر بين المجموعتين. وأكد الخبراء أنه إذا فشل التحالف في هذا الأمر فإن رفض التعاون بين الفصيلين المعارضين واللذين يحظيان بدعم الولايات المتحدة، سيزيد من تعقيد الخطة الاميركية لبناء وتمكين القوات المحلية لمحاربة “داعش” وضمان الاستقرار في المناطق السنية.

الموقف الأميركي

ولم تشأ مصادر عسكرية من التحالف بقيادة الولايات المتحدة تأكيد أو نفي وضع خطة عملانية شاملة لمعركة استعادة دير الزور، لأن ذلك يعود بحسب مراقبين إلى انتظار ما سيؤول إليه التصرف الروسي في معركة استعادة المدينة وعدم اقتصار دوره على دعم قوات نظام الأسد، لكن الأميركيين أقروا بوجود تنسيق وثيق بين التحالف بقيادة الولايات المتحدة وجماعة جيش مغاوير الثورة في المعركة ضدّ “داعش” في المنطقة الشرقية من سوريا.

وينظر الأميركيون إلى مغاوير الثورة بوصفهم شريكاً موثوقاً به وقوة قتالية فعالة في الحملة ضدّ “داعش”، وقد حصلوا على تعهد أميركي بمواصلة دعم جهودهم لهزيمة “داعش” في سوريا.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أوقف برنامجا أميركيا سريا لتوفير الأسلحة والإمدادات لبعض الجماعات المعارضة السورية في جنوب سوريا وبالقرب من دير الزور. وأنهى القرار دعم الجماعات المسلحة مثل “جيش الأسود”، الذي كان يركز بشكل رئيسي على محاربة قوات النظام السوري. لكن الولايات المتحدة تواصل دعمها للجماعات المعارضة الأخرى، مثل جيش مغاوير الثورة.

وفي سياق رسمها للخطوط الحمر في الجبهة الجنوبية كانت الطائرات الحربية الأميركية قد دمرت في شهر أيار الماضي قافلة تابعة للنظام كانت متوجهة إلى مخيم التنف، وتلا ذلك إسقاط طائرتين إيرانيتين على الأقل.

وعلى الرغم من الضربات الأميركية لمنع القوات الموالية للنظام السوري من التحرك إلى أبعد من ذلك، فإن الجيش السوري، الذي تدعمه الغارات الجوية الروسية والميليشيات الشيعية حقق مؤخرا تقدما كبيرا في الأجزاء الغربية والجنوبية من المقاطعة القريبة من دير الزور، فيما تمكنت المعارضة في الجنوب المدعومة من الولايات المتحدة من التقدّم أيضاً نحو هذه المنطقة.

وأصبحت صورة الخارطة العسكرية تتوزع بين قسمين الأول وتتقدم فيه قوات النظام السوري المدعومة بالطائرات الروسية وقوات العمليات الخاصة في الاتجاه الجنوبي–الشرقي، بما في ذلك على امتداد الضفة الغربية للفرات. فيما يحارب التحالف الدولي وقوات سوريا الديمقراطية شرق الفرات.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل ستسبق قوات التحالف والجماعات المعارضة المعتدلة، عناصر النظام السوري في الهجوم على دير الزور والسيطرة عليها؟

يرى عدد من الخبراء أن قوات التحالف ولا سيما القوات الأميركية لن تدخل في مواجهة مفتوحة ومباشرة مع قوات الأسد ومن خلفها القوات الروسية، إلا أن التحالف الدولي سيعمل على السيطرة على جزء من محافظة دير الزور، بما فيها حقول النفط. وكان لافتاً أن قوات التحالف الدولي قامت مؤخراً بإنزال عسكري في الجزء الغربي من محافظة دير الزور، لإجلاء المدنيين وجمع المعلومات عن الوضع في المنطقة. وبحسب المعلومات المتوافرة فإن الخطة العسكرية للهجوم على دير الزور ستتضمن هجوم قوات سوريا الديمقراطية من محافظة الحسكة، حيث سيكون هدفها الأول مدينة الميادين الواقعة على الضفة اليمنى لنهر الفرات. غير أن الاتفاق الأميركي ـ الروسي قد يعرقل هذه الخطة وهو يتضمن فقط قيام قوات التحالف و”قسد” بعمليات عسكرية في المناطق الواقعة شرق الفرات.

ولكن يبدو أيضاً أن الخلافات بين روسيا والتحالف الدولي، بدأت تشتد مع تقدم قوات النظام السوري على ثلاثة اتجاهات استراتيجية نحو دير الزور ولذلك ستبقى هذه المحافظة من أهم أهداف كل من التحالفين الأميركي والروسي ومسلحي “داعش”، ويمكن الاستخلاص أن من يسيطر على دير الزور سيتحكم في واحدة من أهم أوراق الأزمة في سوريا.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

خبر عاجل