الجمعيات دينامو “القطاع الثالث”… نشاط مُكثّف وتمويل واعد

وسط زحمة التجاذب في الإقتصاد التقليدي بين القطاعين العام الخاص، والتبارز في إمكانية الاستجابة للحاجات الاقتصادية -الاجتماعية بين مقاربات تراوح من أقصى المدارس اليسارية الى أقصى التوجّهات الليبرالية، برز بقوة “القطاع الثالث” كخيار جديد صاعد.”القطاع الثالث” أو ما يُعرَف بالإقتصاد الإجتماعي التضامني والتكافلي يشمل مختلف الجمعيات والمنظمات غير الحكومية والتعاونيات وصناديق التعاضد والمؤسسات الإجتماعية.

لقد بنى ذاته بسرعة قياسية في السنوات الأخيرة ليفرض نفسه اليوم قطاعاً منظّماً يدير أكبر رساميل من الداخل والخارج، ويخلق أكبر عدد من فرص العمل بأفضل الشروط لشباب طموح يبحث عن مميّزات “قطاع ثالث” متحرّر من حصرية القطاع العام ومن ربحيّة القطاع الخاص ليجعل الموارد المالية في خدمة الإنسان والمجتمع.

الذراع التنفيذية

وإن كانت مؤسسات وهيكليات قطاع الإقتصاد الإجتماعي التضامني متعدّدة إلّا أنّ أبرزها يبقى في لبنان مرتكزاً حول الجمعيات والمنظّمات غير الحكومية التي يتنامى عددها منذ العام 2010 ليفوق العشرة آلاف منظمة ناشطة وفاعلة بين آلاف المسجّلين لدى وزارة الداخلية، (منها جمعيات صغيرة محدّدة النشاط والأهداف)، وقسم كبير منها ناشط بالتعاون مع وزارات عديدة لا سيما منها وزارة الشؤون الاجتماعية، بين الاهتمام بالرعاية للأطفال والمسنّين وشؤون المرأة المسجونين، ذوي الحاجات الخاصة، وحقوق الانسان والحفاظ على البيئة والتنمية الشاملة، فضلاً عن التعاونيات المهنية وصناديق التعاضد المسجّلة لدى وزارة الزراعة والأندية المسجّلة لدى وزارة الشباب والرياضة.

وأكثر من ذلك فإنّ ميزة الجمعيات والمنظمات غير الحكومية، وهي المحرّك الأساس لنشاط القطاع الثالث الاقتصاد الاجتماعي التضامني، هي أنها أيضاً الذراع التنفيذية لتنفيذ أيّ مشاريع تندرج في إطار المسؤولية الإجتماعية لشركات القطاع الخاص الراغبة بالانخراط في هذا المجال الصاعد عالمياً، دعماً لجعل الاقتصاد في خدمة التنمية المستدامة، أكثر من الاكتفاء بتسجيل أعلى نسبة أرباح آنية.

علماً أنّ إيجابيات هكذا مشاريع لا تحسّن فقط صورة وسمعة الشركات المسؤولة إجتماعياً، إنما تنعكس كذلك على علاقتها بمختلف الأفرقاء المعنيين والمؤثرين والمتأثّرين بأعمالها من مستهلكين وموظّفين ومساهمين ومنافسين، إدارات عامة ومجتمع مدني.

وبذلك تقوم الجمعيات اليوم بدور كبير وإستثنائي ولا تمثّل فقط قطاعاً ثالثاً إنما صلة وصل كانت مفقودة بين القطاع العام والقطاع الخاص، لإيصال مطالب المجتمع الذي بات يفضّل تقديم التمويل المباشر للجمعيات والمنظمات غير الحكومية المعروفة والموثوق بها وبمهنيتها في إدارة المشاريع والتوفيق بينها وتقديم التقارير حولها الى الجهات المانحة.

من هنا، يبدو مفهوماً إستقطاب القطاع الثالث لأكبر فرص تمويل من الداخل والخارج للتعاون معه لتنفيذ مشاريع مسؤولية إجتماعية، وتشجّع الوزارات على التعاقد مع كثير من الجمعيات للمشاركة في مشاريع عديدة، كما تطمئن السفارات والمظّمات الدولية المانحة الى تمويل مشاريعه.

قطاع جديد ثوري

وإذا كانت غالبية الشركات الكبرى تخصّص قسماً مستقلاً لمتابعة مشاريع المسؤولية الإجتماعية، فمن الضروري أن تشبك معها الجمعيات والمنظمات غير الحكومية والتأكيد على أنّ أهداف هكذا شراكة تندرج ضمن إطار استراتيجيات المؤسسات وقطاعها وخصوصيّة أسواقها، لمعرفة نوع المشاريع الذي يهمّها محلياً أو حتى دولياً، والذي يجلب لها المردود غير المُعلن من تلميع صورة واكتساب رأي عام وحصّة سوق وأرباح مستقبلية من جميع النواحي. كما على الجمعيات معرفة مدى اهتمام المؤسسات باجتذاب الشباب وخلق فرص عمل ودعم لهم حرصاً على الموارد للأجيال القادمة.

كما من المفيد أن تثبت أنّ مشاريع المسؤولية الإجتماعية تحمل إنعكاسات إيجابية على نموّها ومروديّتها على المدى البعيد بما فيه من تحسين نتائج للمساهمين ورواتب للعاملين واستقرار في التعاون مع مختلف الأفرقاء المعنيين بالسوق.

وإذا كانت غالبية الشركات والمؤسسات تميل لاحتساب المردود والنتائج على المدى القصير المنظور، وحتى عندما “تستثمر” في مشاريع مسؤولية إجتماعية، يبقى على الجمعيات والمنظمات غير الحكومية الشريكة معها في تنفيذ المشاريع أن تساعدها على التفكير على المدى البعيد، ضمن استراتيجية شاملة تنقل المستثمرين من تنفيذ مشاريع تكتيكية للمسؤولية الإجتماعية لتصبح المؤسسة ككلّ مسؤولة إجتماعياً.

وبذك وخلافاً لما كان يُعتقَد من أنّ الجمعيات تقتصر على بعض الأعمال الخيرية التي يقوم بها متطوّعون ينعمون بوقت فراغ يسمح لهم بخدمة المجتمع، باتت اليوم الجمعيات في صلب بروز قطاع ثالث جديد وثوري يخطف الأنظار عن القطاعات التقليدية، يدير رساميل كبيرة ويخلق فرص عمل لشباب ينضمّون إليه بعد مباريات ودراسة ملفات ومقابلات ويعملون فيه بشهادات عليا وكفاءات مميّزة تعزّز سيرهم الذاتية وتحمل لهم فرصاً مستقبَلية في منظمات محلّية وإقليمية ودولية… هذا “القطاع الثالث” لا يزال رغم تألّقه في بداية رحلة طويلة لا سيما وأنه ينتقل من المشاريع التنموية الى إدارة الأزمات، وهذا ما يجعله ريادياً وإبتكارياً لا سيما في منطقة تغصّ بالأزمات.

في الواقع، لا يغفل عن أحد أن معظم التمويل الذي كان يأتي تحت راية ضرورة التنمية وإعادة توزيع الثروات بات اليوم يأتي أكثر تحت عنوان مواجهة الأزمات والنزوح، لاسيما بعد الأزمة السورية وانتشار عدد كبير من النازحين في البلدان المجاورة، خصوصاً في لبنان حيث نسبة النازحين هي الأعلى بالنسبة الى عدد سكان البلاد الأصليين.

وبالتالي أصبح اليوم عنوان التمويل الأساسي هو من ناحية دعم النازحين ومستقبلاً دعم عودتهم الى بلادهم وإعادة إعمارها، ومن ناحية ثانية دعم البلدان المستضيفة للصمود وإعادة تعزيز ما تحمّلته بنيتها التحتية ومقوّماتها الإقتصادية البيئية الإجتماعية.

المصدر:
الجمهورية

خبر عاجل