
من أبرز نتائج الحرب الكونيّة الثانية على القارّة العجوز فوز إسرائيل بنصيبها في الوطن العربي من خلال وعد بلفور بعد التّقديمات اليهوديّة للحلفاء، فضلاً عن أنّ النّازيّة التي عادت الصهيونيّة في الظّاهر، لأنّهما تمتلكان نفس الأهداف من حيث السيطرة على العالم وإدارة شؤونه من خلال الحكومة الواحدة أو مفهوم الدّولة الواحدة القويّة، لكنّهما أي النّازيّة والصّهيونيّة، عملتا لتغيير شكل العالم وفقًا لمصالحهما الخاصّة. فهل تنجح الصّهيونيّة حيث فشلت النّازيّة؟
إنّ سقوط النّازيّة وانتهاء فكرها أدّى بشكل أو بآخر إلى تفوّق المشروع الصّهيوني. وشكّلت الولايات المتّحدة الأميركيّة أرضًا خصبة لإدارة هذا المشروع. فسيطر اليهود على فلسطين وكانت الهجرة اليهوديّة من أوروبا إلى الشّرق الأوسط. وقد كان لهتلر فضل في تحقيق هذه الهجرة بعد الهولوكست المزعومة. فما كان من نتائجها إلا ان أفرغت أوروبا من اليهود الذين شكّلوا في القرون الماضية اليد العاملة في أوروبا، إن كان في المجال الصناعي أو الزّراعي.
وفي إطار محاربة امتداد الإسلام السياسي، استقدمت أوروبا إسلاميّي شمال أفريقيا في ظنٍّ منها أنّهم بعد ثلاثة أجيال، أي ما يقارب الثلاثين عامًا، سيصبحون أوروبيّين نتيجة العولمة التي سيعيشون في كنفها. فتنتَج أجيال تفصل بين الدّين والدّولة، وتكون محكومة بأنظمة علمانيّة تؤمّن لأوروبا ما أفقدها إيّاه اليهود بهجرتهم.
إلا أنّ المنتصر الأكبر بالحرب الكونيّة الثانية، أي الولايات المتّحدة الأميركيّة، كان لها حسابات من نوع آخر. لقد أيقنت أنّها ستعاني من اجتياح إسلاميٍّ بعد عجز أوروبا عن تأمين أدنى مقوّمات العيش لهذه الشّعوب لأنّها أثقلتها بالدّيون وبالمصائب القوميّة والإثنيّة، ما أنتج فيها أزمات اقتصاديّة وحروب زعزعت ثباتها طيلة القرن العشرين.
وبعد مرور أكثر من سبعة عقود من الزّمن أيقنت أميركا أنّ الإسلام لم يتمّ تطبيعه بواسطة العلمانيّة في أوروبا والعالم. ما أثبت فشل نظريّة محاربة التمدّد الديموغرافي والفكري للإسلام بالعلمانيّة. من هنا، انتقلت أميركا إلى الخطّة باء بعد فشل الخطّة ألف. فبدأنا نشهد الإنقلابات في الأوطان العربيّة التي تعتبر المركز الأساسي للإسلام الفكري والحضاري. وصولا إلى قناعة تامّة من قبل الحكومة الحاكمة في العالم بأنّ هذه الإنقلابات إن أنتجت ستنتج أوطانًا لكن بعد فترات طويلة من النّزاع.
ففي نهاية المطاف مهما طال ظلم الليل فللشعوب الحريّة في تقرير مصيرها. وإن قرّرت هذه الشّعوب حكم الإخوان، فليحكموا. لكن سرعان ما أثبتت هذه الأوطان رفضها للتطرّف والإرهاب والإخوان. لكنّ الغرب سار قدمًا في حربه لإسقاط مفاهيم أسلمة الحكم لإخضاع هذا الفكر وتطويعه في ركاب حضارته الخاصّة.
كلّ ذلك سيحصل وسيتحقّق، لو بإراقة الدّماء، ولو بعد فترة من الزّمن. فالعالم مقبل على اضطرابات أكثر لتحقّق الحكومة الحاكمة الإستقرار فيه، لا سيّما في الشّرق الأوسط، حيث ستتمكّن من إدارة الثّروات الطبيعيّة من نفط وغاز وذهب ومياه وغيرها. فنحن قد انتقلنا من زمن إدارة الفوضى البنّاءة إلى زمن الحرب المغيِّرَة لتستطيع هذه الحكومة بسط سيطرتها.
في ظلّ هذه المقاربة، لبنان كان الأوّل الذي دفع فاتورة الدمّ. ومن لم يفهم بعد من الأطراف اللبنانيّة بأنّه لا مجال لإراقة المزيد من الدّماء، فعليه أن يعيد قراءة التّاريخ. وإن سيحصل تغيير ما في الشّرق على نار حامية، فهو لن يكون في لبنان إلا على نار باردة. وإن تعاظمت فهي لن تستعِر. لكن الأمر المفروغ هو أنّ التّغيير قادم لا محالة. وإنّ غدًا لناظره قريب.