
في خضم المرحلة الانتقالية التي تعيشها المنطقة يعدما دخلت في اعداد وتنضيج التسويات سواء في سوريا او العراق او اليمن، لن يكون لبنان بمنأى عن تداعيات الخطط والصفقات التي تحاك تفاصيلها في اروقة القرار الاقليمي والدولي .
من هنا نرى ان ما كان بالإمكان التساهل فيه او التعايش معه حتى الأمس القريب لم يعد ممكناً الاستمرار فيه في المرحلة المقبلة .
فالصفقات التي تناقش حالياً في المنطقة والمتمحورة تحديداً حول سوريا ومصيرها، تترك انطباعاً اولياً ان الثلاثي الروسي ـ الايراني ـ التركي هو الذي يملك اوراق التسوية السورية، فتعطى ايران دمشق وممرها الشمالي وتركيا الشمال الآمن من الاكراد واسرائيل الجولان فيما تكون روسيا الراعية للتسوية والضامنة لتطبيقها.
ففي لبنان معضلة تشكل الممر الحتمي لقياس الإرتدادات والتأثيرات لا بل لنفاذها الى الداخل اللبناني، معضلة تحمل معها عدم الاستقرار والتشنجات وهي متمثلة بتعايش مستحيل بين كيانين متناقضين: الدولة ودويلة “حزب الله”.
قد يسارع البعض للرد بأن “حزب الله” منخرط في مؤسسات الدولة الدستورية وفي الحياة الوطنية وهو يتخذ مواقفه مع مراعاة الخصوصيات والحساسيات الداخلية والى ما هنالك من كلام تجميلي لصورة لم تعد خافية على احد: “حزب الله فصيل من فصائل المشروع الايراني في المنطقة وصاحب قرار مستقل في الحرب والسلم والتدخل في اي بقعة من بقاع المنطقة وصولاً الى شمال افريقيا ووسطها”…
وأمام تبلور المشهد الاقليمي الجديد – بات لزاماً على اللبنانيين التصارح والمفاتحة: من يرفض استمرار التعايش المستحيل ومن يقبل باستمراره؟
مهما علا شأن الحزب ومهما غلت تضحيات ابنائه وفق اعتقاده، لا يمكن ان يبقى متذرعاً بعباءة “المقاومة ” لإدارة البلد وفق خططه وسياساته، لا بل أجندته الاقليمية …
ساعة الفصل يجب ان تأتي وستأتي… على وقع الخرائط والخطط والتسويات الجديدة في المنطقة والفرز… فلماذا انتظار ان يقرر الغير مصير هذا التعايش؟
ان شاء “حزب الله” أو ابى، فلا يمكنه بعد اليوم التنكر لحقيقته المدركة منذ امد بعيد، فهو صاحب قرار اقليمي منفصل عن قرار الدولة وهو صاحب قرار الحرب والسلم خارج حدود لبنان وهو جزء من معادلة اقليمية جعلت منه جزءا اساسياً من المعادلة الاقليمية، فبمثل هذه الخصائص الكبيرة والعابرة للحدود لا يمكن للدولة اللبنانية استيعابه كما لا يمكنه هو استيعابها… حاولنا ونحاول ثني الحزب عن مشروعه لاعادته الى قمقم الوطنية، لكنه هو بات يرى نفسه مارداً تابعاً لنظام اقليمي ومشاركاً فاعلاً في تنفيذ اجندات الجمهورية الاسلامية الايرانية ومحور ايران – دمشق – موسكو.
بعد سايكس – بيكو جاء وقت تسوية دولية – اقليمية جديدة للمنطقة ستعيد تقسيم الدول من داخلها وليس من خارجها ومعه سيُعاد توزيع المغانم والحصص خصوصاً وان التفاهمات الروسية – الاميركية حول سوريا ووفق مسار الاستانة وبادارة المايسترو الروسي الذي ينسق مع عواصم القرار الاقليمي، بدأ من ايران مروراً بتركيا واسرائيل فالاردن والمملكة العربية السعودية، وهذه المغانم ستبنى على مبدأ المقايضة والتبادل فيُعطى كل طرف ورقة رابحة ليتنازل في المقابل عن ورقة خاسرة يربحها الآخر، في ظل تسليم أميركي – اوروبي للملف السوري الى روسيا، ذهب الى حد القبول ببقاء الاسد لسنوات اضافية حتى الانتهاء من تنفيذ التسويات على أرض الواقع .
وانطلاقاً من هذه المعطيات والوقائع نرى ان لبنان واللبنانيين يواجهون تحدياً جديداً اما بالاعتماد نهائياً على الدولة الواحدة الموحدة المستوعبة للجميع والضامنة لحقوق الجميع وإما بالإقرار بالفشل في بناء الدولة القوية القادرة وعندها ليتحمل كل فريق مسؤولياته التاريخية .
يقول جان جاك روسو وامانويل كنط: “ان الحق خاصية الطبيعة الانسانية وهو أمر مقدس لا يقبل الانكار، فكيف اذا كان حق اللبنانيين بتقرير مصيرهم وبناء دولتهم مغتصب ومحتجز لا بل مختطف” ؟
القوة المادية التي يشعر بها “حزب الله” يقابلها قوة الحق، فاذا كانت القوة فعل مادي فان الحق امر اخلاقي والاخلاقيات كما المبادىء والشرائع والدساتير تعلو ولا يُعلى عليها وان حصل العكس فانما للدلالة على وجود عطل خطير في التركيبة والبنيان، لا بل في النظرة من الأساس الى الوطن.
يعتبر علم الاجتماع السياسي أن اصل الحقوق ناتج عن حاجة الجماعة الى ضبط غرائز البشر وميلهم الى السيطرة ولكن، من يستطيع انكار انه ومتى اعطي القوة لا يسعى الى السيطرة؟
فسيطرة “حزب الله” واجنداته واولوياته وآخرها في مسألتي صفقة اخراج “داعش” من لبنان وفضيحة الغاء احتفال النصر في بيروت، أدلة جديدة على وصول المساكنة بين مفهومين كيانيين متناقضين الى الحائط المسدود والى المزيد من الاهتراء الداخلي.
لا يمكن مساكنة نقيضين وصل كل منهما الى هذا القدر من الرسوخ، كما لا يمكن الإستمرار في ازدواجية مميتة.
إن حال الانفصام في سياسات الدولة مسايرة للتناقضات وتوفيق ما لا يمكن توفيقه، حولت الدولة الى سلطان عاجز وعجوز تتلاشى معه الآمال والتطلعات الى نهوض دولة قوية وقادرة في الامد القريب…
لم يعد ممكناً الاستمرار في وهم بناء دولة بين كيان دستوري شرعي وآخر واقعي احادي الصبغة والصفة والدور والتوجهات والاجندات…العابرة للحدود.