.jpg)
آخر مشهد – كتب عماد موسى في مجلة “المسيرة” – العدد 1628:
كنت في بداية المراهقة عندما انخرطت، ورفاق الحي والطيش، في حرب الدفاع عن الوجود والأرض. لم تجتذبني البطاقة الحزبية ولم تفعل دعوات الشهيد (الصديق جداً) بيار فاضل المترهبن لحزب الكتائب لنا نحن الفتيان المتحمّسين، للإنتساب الحزبي فعلها، وكان بيت الأشرفية بيت بيار وبشير. ومن الإغراءات التي قدمها لنا بيار المعقوف الشاربين الطيب والمبتسم “فيكن كل تلاتا تحضروا اللقاء المفتوح مع الباش، وبعدين قرروا إذا بدكن تحلفوا يمين”. من جهتي فكرتُ وقررتُ أن الإلتزام الحزبي بالمفهوم الرقمي والطاعة وإنشاد الأناشيد لا يناسب طبعي. لكنني التزمت بيني وبين نفسي خيارات الباش الشجاعة وتأكدت بعد سنتين أن انحيازي للقائد الشاب صحيح وذلك يوم شهدتُ على المواجهة الكلامية بين الباش والحاجز السوري الذي أوقفه قبيل حرب المائة يوم قرب مستشفى كرم في الأشرفية.
في اجتماعات الثلاثاء سمعت بشير يتحدث عن تقاطع مصالح لا تحالف بين الجيش السوري مع المقاومة اللبنانية يجب الإفادة منه لتعديل موازين القوى على الأرض في الحرب مع الفلسطينيين وأعوانهم وسمعته يشيد (متمايزاً عن الجبهة اللبنانية) ببعض النقاط الواردة في مشروع الحل الذي طرحته القوى الوطنية والتقدمية وسمعته يتناول الصدامات مع الأحرار مهاجماً “الحنش” وقبضايات الأحياء وسمعته يعرض بوجوم وقائع اليوم المشؤوم في إهدن وسمعته يصف خسارة القيادي في منظمة التحرير الفلسطينية أبو حسن سلامة بأنه “خسارة لصديق جنتلمن كان يمكن أن نتفاهم معه على أمور كثيرة” وسمعته مطلع العام 1982 يلمّح إلى نوايا إسرائيل في خلط الأوراق في لبنان… وسمعت إنفجار 14 أيلول 1982 وأنا واقف على الطريق منتظرًا مرور إحدى بوسطات عين الرمانة لأصعد فيها متوجهاً إلى مركز عملي (الإعلامي) في المجلس الحربي.
كنت انقطعتُ عن حضور لقاءات الثلاثاء ولم يخطر على بالي أن مرشحاً لرئاسة الجمهورية ثم رئيس جمهورية منتخبًا يواظب على تقليد أسبوعي درج عليه لأعوام منذ كان نائبًا لجان ناضر، ومن خلال هذا المنبر مدّ جسور تواصل ومصارحة مع أهالي الأشرفية أهله. كنت على مسافة تقل عن 300 متر. ركضت إلى مصدر الدخان وشاهدت ابن عمي جوني متري، على ما أذكر، خارجاً ومغطى بالغبار. وعلمتُ أن الباش بين المفقودين. توافد الناس والحزبيون والمسؤولون من كل الجهات وبينهم مدير عام قوى الأمن الداخلي اللواء أحمد الحاج الذي سأل عن إمكان إحضار رافعات كبرى وأشرف على إزالة الإنقاض التي خرج منها رجل حُمل على الأكتاف ورفع يده محيياً الناس. كثيرون ظنوا أنه بشير. وكاد الظن يتحوّل يقيناً. وكنتُ بين الذين صدّقوا أن من رأوه هو الباش. ورحت أعدو باتجاه بيتي حاملاً البُشرى لكل من التقيته أنني شاهدت بأم العين الباش محمولاً وخارجاً بشعر ووجه مغبّرين.
ثم نزلت إلى المجلس ورويت ما بدا لي حقيقة. فقال لي أحد المسؤولين أن الـ HK، أي إيلي حبيقة يحقق شخصيًا مع كل من يزعم أنه رأى الشيخ بشير بعد الإنفجار. قلت: إذاً أنا ما شفت شي.
كان مضى على الإنفجار ساعتان أو ثلاث، عندما وجدت نفسي مدفوعاً للصعود مجددًا إلى بيت كتائب الأشرفية، ولا أنسى وقفة صولانج الجميل في مكان قريب من الإنفجار قلقة دامعة، وفوق الركام مشى كريم بقرادوني مستطلعاً وصامتاً. عرفت لاحقاً أنه من حسم مسألة استشهاد بشير من خاتم زواجه.
في الذاكرة أوراق كثيرة مدمّاة. والورقة التي لا تزال تنزّ حتى اليوم تحمل تاريخ 14 أيلول 1982.